شهدت دبي خلال الشهور الثلاثة الماضية سلسلة طويلة ومتعاقبة من المؤتمرات الصحفية لشركات تكنولوجيا المعلومات التي تسابقت على طرح أحدث منتجاتها من البرمجيات والهاردوير وأقراص التخزين . وكانت السمة الغالبة في هذه المؤتمرات هي قيام مدراء التسويق والعلاقات العامة في هذه الشركات بالتهليل لهذا المنتج أو ذاك باعتباره يمثل أحدث ما توصلت اليه التكنولوجيا الغربية في قطاع المعلومات وتطورا كبيرا من شأنه ان يدفع مشروع التجارة الالكترونية قدما للامام وترسيخ دبي كمرفأ رئيسي واقليمي لتكنولوجيا المعلومات في المنطقة. وتزامنت مع هذه المؤتمرات الصحفية مجموعة من ندوات اليوم الواحد أو اليومين أو الثلاثة كلها تدور حول اهمية تذليل العقبات التي تحول دون قيام التجارة الالكترونية في المنطقة وزيادة عدد المشتركين على شبكة المعلومات الدولية (الانترنت) . وفي الوقت الذي كانت فيه اسعار براميل النفط تهوي لمعدلات غير مسبوقة خلال الــ 25 سنة الماضية, كان جميع مدراء شركات تكنولوجيا المعلومات في دبي يدعون دول المنطقة الى زيادة حجم استثماراتهم في تكنولوجيا المعلومات باعتبارها اهم صناعة في القرن الواحد والعشرين, وكثيرا ما كان يسوق هؤلاء المدراء ارقاما فلكية حول الاستثمارات الغربية في تكنولوجيا المعلومات وما تنفقه البلدان العربية. والحقيقة ان الفارق في الارقام كان مذهلا لصالح الغرب طبعا, لكن المؤكد ان المقارنة غير مضبوطة والظروف الاقتصادية والاجتماعية مختلفة. ولم تنس شركات الكمبيوتر والبرمجيات في كل مؤتمر صحفي ان تطالب القطاع الخاص في دبي ودول المنطقة بأهمية الانتقال من اساليب التجارة التقليدية (والبيع والشراء اليدوي) الى مواقع (الويب) على الانترنت مع تحذيرهم بأنهم في عصر العولمة سينكمش التاجر (التقليدي) ليفسح المجال الى التاجر (الالكتروني) . وفي ظل هذا المناخ التشجيعي للاستثمار في انشاء مواقع تجارية على شبكة الانترنت وضرورة تعليم الكوادر البشرية العاملة على متطلبات التجارة والتكنولوجيا الحديثة من اجل ادارة (البيزنس) على شاشات الكمبيوتر, ظهرت نوعية جديدة من (البيزنس) في دبي وهي شركات أو معاهد تدريب الموظفين وتأهيلهم للانترنت. وذلك ان احدث التقنيات في البرمجيات والهاردوير لا تساوي شيئا طالما ان الشركات التجارية التي تشتريها لا يعرف موظفوها كيفية استخدامها. التكلفة وطبقا لما قاله سانجيت دابرال المدير الاقليمي للبحوث في معهد (أي.دي.سي) في دبي فإن تكلفة البرامج التدريبية التي اشتركت فيها الشركات حول العالم بلغت نحو 16.5 مليار دولار العام الماضي. وتشير التوقعات الى امكانية ارتفاع الرقم الى 22.9 مليار دولار عام 2001 وذلك نتيجة زيادة الطلب على البرامج التدريبية المرتبطة بالانترنت والتجارة الالكترونية. ولا توجد أرقام دقيقة حول انفاق الشركات والمؤسسات العاملة في دبي والدولة على تدريب الكوادر البشرية العاملة بها, وإن كانت بعض المصادر قدرتها بنحو 200 مليون دولار. وأضافت المصادر نفسها ان عدد الجهات أو المؤسسات التي تقوم بتقديم دورات تدريبية في الدولة بلغ نحو 1500 مؤسسة أو معهد. وشهدت امارات الدولة خلال الشهور الثمانية عشر الماضية تواجدا مكثفا من شركات عالمية اسرعت بفتح مكاتب لها في دبي وأبوظبي لتلبية الطلب المتزايد من الشركات التجارية على تدريب وإعداد الكوادر البشرية وتأهيلها للتقنيات التكنولوجية الحديثة. صحيح ان جانبا من هذه الشركات التدريبية يحمل شهادات معترف بها من كبرى شركات تكنولوجيا المعلومات مثل مايكروسوفت و(اي.بي.ام) وأوراكل وغيرها, الا انه في المقابل تعمل في امارات الدولة ــ كما كشفت المصادر ــ شركات تدريبية هي نفسها في حاجة لمن يقوم بتدريبها على منتجات البرمجيات وإدارة آلات العمل على شاشات الكمبيوتر. نوعية البرامج وقال كولين سومرز المدير العام لشركة ثري كوم لمنطقة الشرق الاوسط ان شركات تكنولوجيا المعلومات تعرف جيدا نوعية البرامج التدريبية التي تحتاجها منتجاتها وينبغي ان تكون الجهة الوحيدة التي تمنح شركات التدريب اذن ممارسة تعليم الموظفين والعاملين في الشركات التجارية قواعد واصول ادوات التكنولوجيا المعلوماتية الحديثة. واشارت مصادر (رفضت ذكر اسمها) الى قرار وزير التعليم المصري الذي اتخذه في ابريل الماضي والخاص بعدم اصدار اي رخصة جديدة خلال الشهور الستة التالية لاي من مراكز التدريب والعاملة على وجه الخصوص في قطاعات تكنولوجيا المعلومات, وكان الهدف من القرار هو التأكد من ان مراكز التدريب القائمة بالفعل والمسموح لها بالعمل تقدم دوراتها التدريبية طبقاً لأرقى المعايير العلمية والفنية الحديثة. اما بالنسبة لبعض مراكز التدريب العاملة في الامارات, فتقول المصادر انها تواجه انتقادات من شركات التدريب العالمية بأنها تعمل في ظل مناخ اقتصادي مفتوح بلا اي قيود يؤمن بقاعدة (دعه يعمل دعه يمر) دون التحقق الكافي من كفاءة القائمين على هذه المراكز ومدى اهلية المحاضرين الذين يقومون بعمليات التدريب ذلك ان كل ما تحتاجه هذه المراكز لكي تعمل في الدولة هو تسجيل اسمها والبيزنس الذي تمارسه لدى الجهات المختصة دون ان تكون هناك اي اختبارات دورية ورقابية من الجهات المسؤولة للتأكد من التزام هذه المراكز بالمعايير العلمية والفنية الحديثة. موافقة الشركات وتضيف المصادر ان هناك العديد من هذه المراكز التي حصلت على موافقة من وزارة التعليم بالدولة, لكن ذلك لا يعد كافياً لممارسة عملها حيث من الضروري حصولها على موافقة شركات الكمبيوتر التي تقوم بتدريب الملتحقين بدوراتها على منتجاتها. ويحذر جون جيتون مدير عام زيروكس الشرق الاوسط من الاثار السلبية لاعتماد الدورات التدريبية التي تقدمها هذه المراكز, وقال ان الشركات التجارية التي تحرص على استخدام احدث منتجات تكنولوجيا المعلومات سوف تكتشف في النهاية تضخم المخصصات المقررة لتدريب الكوادر البشرية بها على المنتجات المعلوماتية دون حدوث اي مردود ايجابي على تحسن اداء العمل بالشركة وذلك يعني تكبد المزيد من الاموال المهدرة. بيد ان ما يساعد على رواج اعمال مراكز التدريب الوهمية في منطقة الشرق الاوسط بصفة عامة هو الاسعار المغرية التي تقدمها لدوراتها مقارنة مع اسعار المراكز الحاصلة فعلاً على شهادات موثقة من كبرى شركات تقنية المعلومات فعلى سبيل المثال دورة تدريبية لشخص واحد في مركز معتمد من مايكروسوفت حول الأنظمة الهندسية في برامج مايكروسوفت تتكلف نحو 4 الاف دولار مقابل 1400 دولار في احد المراكز الوهمية. والحل الذي تقتضيه الظروف هو ضرورة قيام شركات تكنولوجيا المعلومات مثل اوراكيل ومايكروسوفت وتوفيل بتقديم ما يطلق عليه القيمة المضافة فليس من المعقول ان تفتح دبي ذراعيها لشركات تكنولوجيا المعلومات وتقدم لهم كل التسهيلات اللازمة من بنية تحتية متطورة وعمالة آسيوية ماهرة ورخيصة الثمن في الوقت نفسه, ثم تكتفي هذه الشركات بدور مراكز التوزيع لمنتجاتها انطلاقاً من دبي الى اسواق المنطقة الضخمة ذات الكثافة البشرية العالمية والقدرة الشرائية القوية. القيمة المضافة ويدعو اقبال اليوسف مدير شركة اليوسف للكمبيوتر الى ان القيمة المضافة هنا من الممكن ان تكون تنظيم دورات تدريبية مجانية للموظفين والطلبة والعاملين على منتجات تكنولوجيا المعلومات والانترنت بالاضافة الى تقديم خدمات استشارية عند حصول اية اعطال في اجهزة الكمبيوتر. ويحذر بعض الخبراء من خطورة استخدام اجهزة تقنية ومعلوماتية معقدة دون التدريب الجيد للعاملين على استخدامها والا ستصبح المسألة مجرد باب لهدر الاموال في منطقة الشرق الاوسط. تحقيق: طارق فتحي