قال التقرير السنوي لمصرف الامارات الصناعي ان الأوضاع الاقتصادية في البلدان المنتجة للنفط بما في ذلك دولة الامارات العربية المتحدة شهدت ظروفا صعبة من جراء الانخفاض الكبير في أسعار النفط في عام 98 إلا ان المصرف والمؤسسات التمويلية والمالية الأخرى بالدولة استطاعت التأقلم مع هذه التطورات غير المواتية مما أدى إلى تحقيق مستويات أداء عالية في القطاع المصرفي والمالي في الدولة. وعلى الرغم من استمرار المصرف في تقديم خدماته المتنوعة للمستثمرين الصناعيين في عام ,1998 الا ان انخفاض عدد طلبات القروض بنسبة 20% في هذا العام وزيادة عدد طلبات المشاريع الصغيرة والتي لم يستوف البعض منها كافة المتطلبات اللازمة للتمويل, قد ساهم في تخفيض حجم القروض التي وافق المصرف عليها في العام الحالي مقارنة بالأعوام الثلاثة الماضية. طلبات التمويل ففي هذا العام وافق المصرف على 24 طلبا لتمويل مشاريع صناعية بقيمة 15.114 مليون درهم مقابل 30 مشروعا بقيمة 09.300 مليون درهم في عام 1997. وباضافة حجم التمويل في عام 1998 إلى اجمالي حجم التمويل في السنوات السابقة, فإن عدد المشاريع التي قام المصرف بدراسة طلبات التمويل الخاصة بها سيصل إلى 444 مشروعا, تمت الموافقة على 308 مشروعات منها بمبلغ اجمالي قدره 98.1802 مليون درهم. أما فيما يخص القروض والتسهيلات المصروفة حتى نهاية عام ,1998 فقد وصلت إلى 8.1191 مليون درهم. وقامت المشاريع الممولة بتسديد الأقساط والمصاريف الإدارية المستحقة عليها, حيث بلغ رصيد القروض والتسهيلات بتاريخ 31 ديسمبر 1998 مبلغ 335.554 مليون درهم. وفي نطاق حرصه على التحقق من سلامة الأوضاع المالية والادارية للمشاريع الممولة, فقد قام المصرف بالعديد من الزيارات الميدانية للتأكد من حسن تنفيذ بنود العقود المبرمة معها. وعلى صعيد استرداد قيمة القروض والتسهيلات الممنوحة, فقد تم حتى نهاية عام 1998 استرداد قيمة 98 قرضا بالكامل, بما في ذلك الفوائد والمصاريف الإدارية المترتبة عليها. وفي الجانب التنموي, أعد المصرف في هذا العام العديد من البحوث والدراسات التي ساهمت في تقييم بعض المستجدات الاقتصادية في دولة الامارات ودول مجلس التعاون الخليجي, كما تم تطوير بنك المعلومات من خلال تزويد مكتبة المصرف بنظام جديد لحفظ وتبويب البيانات واستخراجها بالسرعة التي تلبي احتياجات المصرف والمستثمرين والمؤسسات الرسمية والخاصة بشكل أفضل. وبالاضافة إلى ذلك, فقد تم اعداد 20 ملفا صناعيا للعديد من المشاريع المزمع تنفيذها, وذلك بالاضافة إلى ثلاثة ملفات استشارية يدرس القطاع الخاص امكانيات تنفيذها في المستقبل, كما قام المصرف بنشر 24 بحثا حول مختلف القضايا الصناعية والاقتصادية الخاصة بدولة الامارات ودول مجلس التعاون الخليجي. الناتج المحلي يعتبر عام 1998 عاما سيئا للدول المصدرة للنفط, حيث تهاوت الأسعار مع بداية السنة وبقيت منخفضة على مدار العام, وتراوحت هذه الأسعار (الاسمية) بين 9-13 دولارا للبرميل في حين ان الأسعار (الفعلية) ربما تكون الأدنى منذ الطفرة النفطية في عام ,1973 مما أدى إلى انخفاض الناتج المحلي الاجمالي لدولة الامارات بنسبة 6%. وكان من الممكن لمثل هذا الانخفاض ان يحدث هزات في الاقتصاد تؤدي إلى تراجع اقتصادي كبير فيما لو حدث خلال سنوات السبعينات أو حتى الثمانينات, الا ان الأوضاع السلبية التي تمر بها أسواق النفط العالمية لم تؤد إلى تحول سلبي في السلوك الاقتصادي للمنشآت المحلية أو للمستهلكين, مما يعتبر انجازا يحسب للقطاع غير النفطي. لذلك, فإن القطاع غير النفطي حافظ على نموه في عام ,1998 الا ان الانفخاض الذي شاب العائدات النفطية أدى إلى نمو سلبي في الناتج المحلي الاجمالي. لقد ظلت أسعار النفط منخفضة خلال عام 1998 بسبب زيادة العرض وضعف الطلب نتيجة للركود الاقتصادي في الشرق الأقصى, الا ان محاولات منظمة الأوبك في تخفيض الانتاج لم تنجح في وقف تدهور الاسعار, وذلك بسبب عدم التزام بعض البلدان الأعضاء في المنظمة وخصوصا فنزويلا وايران بالتخفيضات المتفق عليها. وفي الوقت الحاضر فإن اسعار النفط (الاسمية) هي الأدنى منذ بداية التسعينات, فمتوسط سعر نفط دبي (ممثلا لنفط الامارات) يدور حول 11 دولارا لعام 1998 (مقارنة بحوالي 18 دولارا في خريف 1997). ونتيجة لذلك, فإن العائدات النفطية للدولة تقدر بحوالي 1.35 مليار درهم في عام ,1998 مقارنة بـ 5.35 مليار درهم في عام 1997. لقد استمر القطاع غير النفطي في النمو بثبات خلال التسعينات, وبما ان معظم مشاريع البنى التحتية لقطاع النفط قد استكملت, فقد تم استثمار الأموال في المشاريع الأخرى مثل الصناعة التحويلية والسياحة, وذلك, بالاستفادة من توفر البنى الأساسية المتطورة. من جهة أخرى ساهمت رغبة السكان في رفع مستواهم المعيشي من خلال زيادة الانفاق الاستهلاكي في دعم كافة قطاعات الاقتصاد غير النفطي وبشكل خاص قطاعات التجارة والمصارف والتشييد والبناء. ميزان المدفوعات وفيما يتعلق بميزان المدفوعات, فإن دولة الامارات ما زالت تتمتع بواحد من أكثر موازين المدفوعات قوة بين دول مجلس التعاون الخليجي, وقد انحسر التهديد الذي شكله تنامي الواردات في النصف الأول من التسعينات. ولم يتأثر ميزان المدفوعات كثيرا بانخفاض أسعار النفط والتزام دولة الامارات بحصتها الانتاجية المقررة من قبل الأوبك والتي تبلغ 161.2 مليون برميل يوميا, حيث ساهم تماسك الدولار الأمريكي في معظم العام ومحدودية ارتفاع مستوى صرف الين الياباني في الحد من التأثيرات السلبية على ميزان المدفوعات, خصوصا وان اليابان لا تحتل المرتبة الأولى لواردات دولة الامارات كما كانت في السابق. ويساهم القطاع غير النفطي بأكثر من ثلثي الناتج المحلي الاجمالي وتستحوذ أربع من مكوناته على حوالي 40% من الاقتصاد وهي التجارة والتشييد والبناء والمصارف والصناعة التحويلية, ويأتي اضافة السياحة كأحد أهم مكونات القطاع غير النفطي من أبرز تطورات التسعينات في اقتصاد الامارات, حيث يعتبر من أسرع قطاعات الاقتصاد نموا. ونتيجة لذلك, فان توسع القطاع السياحي اتاح نمو قطاع التجارة والفنادق والذي يعتبر الأكبر من بين القطاعات غير النفطية, محتلا المكان نفسه الذي كان قطاع التشييد يحتله خلال السبعينات والثمانينات والذي تراجع الى المرتبة الثالثة بعد الصناعة التحويلية التي كان نموها بطيئا كما هو متوقع ولكن بثبات. ويبدو واضحا ان القطاعات غير النفطية استفادت في توسعاتها من البنى التحتية المتاحة, فعلى سبيل المثال ادى الحجم الكبير لمناولات الشحن الى التوسع في خدمات الشحن ذاتها في مطارات الدولة. من جهة أخرى ما زالت طلبات تأسيس منشآت جديدة في المناطق الحرة في الدولة مستمرة, كما ان هيئات الكهرباء والماء والغاز وجدت لزاما عليها التوسع في الانتاج لمواجهة الطلب المتزايد على خدماتها, في حين ان التوسع في صناعة السياحة والفنادق اعطى زخما لصناعة البناء والتشييد. وبعد ربع قرن من التنمية منذ بداية الطفرة النفطية الأولى, فان القاء نظرة على اقتصاد الامارات بنهاية القرن ستبين ان اقتصاد الدولة الذي وسم باقتصاد الكفاف لقرون قد تحول الى مركز تجاري عالمي حديث ومتطور تتأثر ثروته بالعائدات النفطية, الا انها ليست المصدر الوحيد للدخل. واذا ما كانت الرؤية الآنية لاقتصادات منطقة الخليج غير واضحة, فليس ذلك بسبب تدني أسعار النفط وحدها بل مضافا اليها عدم اليقين التي تعم الاقتصاد العالمي في مرحلة ما بعد العولمة, ان اقتصاد الامارات المعتمد بشكل كبير على الصادرات النفطية كمصدر للدخل واستيراد حاجاته من البضائع هو واحد من أكثر الاقتصادات اندماجا في الاقتصاد العالمي, وعليه فان عدم الثقة الآنية التي تسود الاقتصاد العالمي لابد وان تؤثر على اقتصادات المنطقة ككل. الصناعة التحويلية وقال التقرير ان قطاع الصناعة التحويلية يشكل حجر الزاوية في سعي دولة الامارات الى تنويع اقتصادها, غير ان خطط تنمية قطاع الصناعة تواجه عقبات عديدة واساسية, فالامارات بلد صغير يشكل النفط اهم المواد الاولية فيه, كما ان سوقها صغير نسبيا, وذلك بالاضافة الى ان قلة عدد السكان المحليين يشكل احد العوامل الرئيسية التي تحد من توفر اليد العاملة. ومع هذا فان قطاع الصناعة التحويلية حقق تقدما, بحيث اصبح يحتل المرتبة الثانية ــ بعد التجارة ـ من حيث الاهمية في الاقتصاد غير النفطي لدولة الامارات. وعلى الرغم من ان الصناعة التحويلية لن تتمكن من ان تحتل المرتبة الاولى في الاقتصاد غير النفطي في السنوات القليلة المقبلة, الا انها تتمتع بنمو واعد بالنظر للموقع الاستراتيجي للدولة والبنى التحتية الجيدة والاسواق المفتوحة وازدياد عدد السكان ونمو القطاعات غير النفطية, وقد بلغت الدولة مرحلة لم تبلغها من قبل في الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات الصناعية والتي حلت محل الواردات الاجنبية. لقد وصلت القيمة المضافة للصناعة التحويلية الى 20.8 مليار درهم في عام ,1998 وذلك على الرغم من انخفاض الناتج المحلي في هذا العام, الا ان الصناعة التحويلية استمرت في التوسع وتقدر نسبة النمو المحققة بحوالي 2% فقط, حيث تأثر هذا النمو بانخفاض اسعار المنتجات النفطية والالمنيوم. وفي السنة الحالية بلغ عدد المصانع المسجلة لدى وزارة المالية والصناعة 1598 مصنعا برأس مال يبلغ 12.7 مليار درهم وعمالة تقدر بـ 152 الف عامل, حيث ما زالت الشارقة تأتي في المرتبة الاولى من حيث عدد المصانع تليها دبي وابوظبي ثم رأس الخيمة. وفي عام ,1998 تم اقامة 137 مصنعا وهو نفس عدد المصانع الذي اقيم في عام 1997 تقريبا, كما سجلت الايدي العاملة نسبة نمو بلغت 20% في عام 1998 حيث تركز اغلبها في قطاع صناعة المنتجات الكيماوية. اما في مجال السلع الاستهلاكية, فان صناعة الاغذية والمشروبات تحتل موقعا مميزا, حيث حققت هذه الصناعات نجاحا مهما في عملية الاحلال محل الواردات كما استطاع قطاع صناعة النسيج والملبوسات تحقيق تقدم في السوق المحلية, وذلك على الرغم من انه قائم اساسا على التصدير. وتتوزع المصانع بشكل متساو تقريبا على مختلف قطاعات الصناعات التحويلية, فيما عدا صناعة الآلات. ان اكبر القطاعات الصناعية سواء من حيث عدد المنشآت او العمالة المشتغلة, هما قطاع المنتجات الكيماوية وقطاع صناعة المعادن غير الحديدية, فكلاهما مرتبط بقطاع التشييد والبناء, كما انهما من اوائل القطاعات الصناعية التي قامت في دولة الامارات بعد الطفرة النفطية الثانية في بداية الثمانينات. ويتميز قطاع الصناعة التحويلية باعتماده على الكثافة العمالية الى حد ما, حيث يحصل هذا القطاع على احتياجاته من العمالة باستيرادها من شبه القارة الهندية. من جانب اخر حافظت كل من دبي والشارقة على موقعهما المتقدم في مجال الصناعة التحويلية في دولة الامارات, اما ابوظبي فانها تستحوذ على المشاريع الصناعية العملاقة, في حين تنتشر المصانع الصغيرة في الامارات الشمالية الاخرى, فعجمان التي هي الاصغر حجما بين الامارات جميعا تتميز بكثرة المصانع الصغيرة التي انشئت في التسعينات وأغلبها مصانع منتجة للملابس الجاهزة. لقد كان لكل دولة صناعية مسارها الخاص الذي سلكته بناء على معطيات الزمن والموقع الجغرافي والوضع الداخلي من اجل تحقيق التنمية الصناعية. ولا يختلف الوضع في دولة الامارات, فبالنسبة لها ولدول الخليج المصدرة للنفط, فان طريق التصنيع اتخذ مسار الاحلال المنطقي للواردات, فمن مرحلة الاعتماد الكلي على الواردات بدأت الصناعة التحويلية تشق طريقها من خلال تصنيع المنتجات التي يصعب استيرادها بسبب مشاكل النقل بصورة اساسية. وعليه فإن أول الصناعات التي قامت هي صناعة تلك المواد التي تشكل تكلفة نقلها عبئا كبيرا, ونخص بالذكر المواد الكبيرة الحجم والثقيلة مثل تلك المستعملة في التشييد والبناء, كحديد التسليح والأسمنت والخرسانة الجاهزة... إلخ ثم يلي ذلك تطور قطاع الأغذية والمشروبات وبشكل خاص الواردات من الأغذية سريعة العطب, غير ان أغلب المصنعين يقومون باستيراد المواد الأولية حيث تكمن القيمة المضافة في عملية المعالجة والتغليف, وينطبق الأمر نفسه على قطاع الصناعة الكيماوية التي تقوم بخلط ومزج المواد الأولية المستوردة. غير ان ذلك لا يقلل بأي حال من الأحوال من النجاحات التي حققتها هذه المشاريع, والتي استطاعت وبشكل ملحوظ أن تنافس العديد من العلامات التجارية في السوق المحلية, مما يعد انجازا يحسب للصناعة التحويلية والتي تمكنت من منافسة منتجات عالمية من البلدان الغربية المتطورة, حيث أعطى ذلك لشعار صنع في الامارات معنى ايجابيا. وبالاضافة إلى ذلك, فإن هناك ملاحظة أخرى مهمة في عملية التصنيع في دولة الامارات هي تلك المتعلقة بالدور الايجابي الذي لعبته المناطق الحرة في جذب المشاريع الصناعية, حيث لعبت الاعتبارات الاقليمية دورا مهما في نجاح المناطق الحرة, فأصبح التخزين بغرض اعادة توزيع المنتجات لمنطقة الخليج بأسرها آخر أهم الأنشطة الاقتصادية, الأمر الذي أدى بدوره إلى تصنيع تلك المنتجات في دولة الامارات. وتتيح ظروف السوق العالمية في الوقت الحاضر تطوير الصناعات الثقيلة المرتبطة بالنفط والطاقة والتي سوف تتطور بمرور الأيام للاستفادة من الميزة النسبية المتأتية من توفر المواد الخام في منطقة الخليج. وتشكل هذه العوامل مجتمعة الطريق الأنسب لتنمية قطاع الصناعات التحويلية في دولة الامارات والتي يتوقع أن يحقق نسب نمو جيدة في السنوات المقبلة.