يشكل الهبوط الاخير فى أسعار النفط عن المستويات التى بلغتها بعد الاتفاق الاخير لمنظمة أوبك فى مارس الماضى محطة تستوجب التوقف عندها لمراجعة أسباب هذا الانخفاض ومعالجته . واذا كانت تصريحات معالى عبيد بن سيف الناصرى وزير النفط والثروة المعدنية حول هذا التراكم فى اسعار النفط قد أعطت تطمينات سريعة بأن هذا التراجع العربى هو (هبوط تصحيحى) فى الاسعار بعد المعدلات القياسية التى بلغتها والتى سجل معها نفط برنت معدلا يزيد 17 دولارا للبرميل .. فان المؤشرات التى أثارها خبراء نفطيون عالميون حول مدى الالتزام فى اتفاق تخفيض الانتاج الذى توصلت اليه دول من أوبك وخارجها يبعث على القلق ويؤشر الى أن الهبوط الذى سجلته الاسعار قد يتحول من (هبوط تصحيحى) الى هبوط فعلى فى أسعار النفط وبالتالى العودة الى الوضع الذى عايشته اسواق النفط أواخر عام 97 وعام 1998 والنقطة الاساسية فى هذا الموضوع هى مدى التزام دول أوبك والدول المتعاونة معها بالتخفيضات التى تعهدت بها فى اتفاق مارس الماضى. وقد نص الاتفاق الذى ولد أولا فى اجتماع ضم أربع دول من أوبك وخارجها وتم اعتماده رسميا فى الاجتماع الوزارى الاخير لمنظمة أوبك على أن تخفض دول المنظمة انتاجها ابتداء من أول ابريل الماضى بمقدار 7ر1 مليون برميل يوميا وتساندها دول من خارج أوبك بتخفيض انتاجها بمقدار 400 الف برميل يوميا ليصل مجموع التخفيضات التى تم الالتزام بها 1ر2 مليون برميل يوميا. وقد أعطت التقارير التى أوردتها نشرة ميدل ايست ايكونمك سيرفى (ميس) المتخصصة أن نسبة الالتزام بالتخفيضات الانتاجية داخل أوبك فى شهر مايو الماضى بلغت 88 فى المائة ويعتبر هذا المعدل جيدا ومشجعا جدا قياسا مع نسب الالتزام من قبل الدول الاعضاء بالمنظمة بالاتفاقات الانتاجية السابقة. ولكن هذه النسبة يجب أن تخضع لمزيد من البحث والتأكد من قبل الامانة العامة لمنظمة (أوبك) والدوائر البترولية المتخصصة لتحديد نسبة الالتزام الفعلية ليس بهدف معرفة هذه النسبة فقط وانما لتحديد مدى الالتزام الفعلى ومصداقية الدول الاعضاء فى تنفيذ اتفاقاتها بعد أن ترك عدم التطبيق الجدى للالتزامات السابقة فى اطار (أوبك) تأثيرا على مصداقيتها فى السوق وترك بالتالى تأثيرات سلبية على اسعار النفط لتصل الى أدنى مستوياتها منذ حوالى 12 عاما. ان كل هذه العوامل تجعل من مسألة الالتزام بالتخفيضات الانتاجية مسألة تستحق المراجعة من قبل دول أوبك والوصول الى تقييم فعلى لمدى الالتزام باتفاق مارس الاخير وتصحيح الدول الاعضاء غير الملتزمة بتعهداتها حتى الان باتخاذ اجراءات لتنفيذ هذه التعهدات لان عدم التزام دولة او أكثر بالتخفيضات المقررة قد يدفع دولا أخرى نحو عدم الالتزام خصوصا وأن بعض الدول الملتزمة بتنفيذ تعهداتها لديها قدرات انتاجية كبيرة ويمكنها اتخاذ اجراءات سريعة لزيادة انتاجها والوصول الى الاسواق العالمية وأخذ نصيبا أكبر من السوق. كما يتعين على الدول الاخرى من خارج أوبك التى أبدت استعدادا للتعاون مع أوبك أن تنفذ التزاماتها كاملة وتدرك أنها فى قارب واحد مع (أوبك) . فعدم الالتزام الجدى بالتخفيضات الانتاجية سيعنى فى نهاية الامر أن الحديث عن الهبوط التصحيحى فى أسعار النفط قد يصبح هبوطا فعليا ومستمرا فى الاسعار وينعكس بشكل واضح فى عائدات الدول المنتجة للنفط وموازناتها السنوية عجزا واضحا مازالت تعانى منه معظم الدول المنتجة والمصدرة للنفط نتيجة التراجع الكبير فى الاسعار خلال السنتين الماضيتين. ان أهمية التدقيق الجدى فى مدى التزام دول أوبك باتفاقية مارس الماضى أصبحت أكثر ضرورة بعد المؤشرات الخطرة التى حددها الدكتور فاضل جلبى مدير مركز الطاقة العالمى فى لندن وتأكيداته بأن دراسات المركز والاحصاءات التى قام بها تقول بأن التزام دول (أوبك) بتخفيضات الانتاج التى تم التعهد بشأنها من قبل الدول الاعضاء تبلغ حوالى 60 فى المائة فقط. وهذا يعنى أن التخفيضات الفعلية فى انتاج دول أوبك (عدا العراق) تبلغ حوالى مليون برميل يوميا الامر الذى يعنى أن حوالى 700 الف برميل يوميا لايزال يتعين الالتزام بتنفيذها والا سيكون تأثير الاتفاق فى مارس بالنسبة لاحداث تأثير ايجابى فى اسعار النفط سيبقى محدودا. ولا تقتصر اشارات مركز دراسات الطاقة العالمى التى أوردها الدكتور جلبى على هذا الحد من عدم الالتزام وانما تتعداه الى أن الدول من خارج أوبك التى تعهدت باجراء تخفيضات فى انتاجها بمقدار 400 الف برميل يوميا لم تعط دلائل كافية عن التزامها بتعهداتها الامر الذى يترك كمية اضافية من النفط تضغط على أسعار النفط ويضاف الى ذلك احتمالات زيادة العراق لصادراتها النفطية بموجب الاتفاقية الخامسة مع الامم المتحدة فى اطار النفط مقابل الغذاء بمعدل 200 الف برميل يوميا حسب ما أورده مركز دراسات الطاقة العالمى فى لندن. ان وضع الحقائق كاملة أمام دول أوبك والدول المنتجة الاخرى بشأن الالتزام بالتخفيضات الانتاجية تشكل النقطة الاساسية الاولى لتصحيح الوضع فى السوق النفطية خصوصا وأن كثيرا من المؤشرات العالمية تؤكد أن الاقتصاد العالمى بدأ يستعيد عافيته انطلاقا من توقعات بتحسن أداء الاقتصادات الاسيوية وتحقيقها معدلات نمو ايجابية بسيطة فى عام 1999 بعد أن كان النمو سالبا فى العامين الماضيين. وستكون الامال والتوقعات التى أعلنها معالى وزير النفط والثروة المعدنية بأن تواصل الاسعار ارتفاعها التدريجى حتى تصل الى 18 أو 19 دولارا للبرميل قبل نهاية العام الجارى حقيقة واقعة اذا أحسنت دول (أوبك) والدول المتعاونة معها فى تنفيذ تعهداتها بالتخفيضات الانتاجية المعلنة فى مارس الماضى ووصلت الى معدلات قريبة فعلا من المعدل الذى تحدثت عنه نشرة (ميس) أو وصلت الى التطبيق الكامل للاتفاق مع وجود توقعات شبه مؤكدة بتحسن معدل النمو فى الاقتصاد العالمى وبالتالى زيادة الطلب على النفط. أما اذا كان الاتجاه معاكسا بشأن تنفيذ التعهدات بالتخفيضات الانتاجية وتأكدت المؤشرات التى قدمها مركز دراسات الطاقة العالمى عن نسبة الالتزام باتفاقية (أوبك) الاخيرة فان ذلك يعنى عدم وجود التزام جدى بالاتفاقية ويتعين على أوبك والدول الاخرى التى أعلنت التزامها بالتعاون معها التحرك بشكل جدى لتصحيح الموقف الفردى والجماعى لمجموعة المنتجين قبل أن تجد نفسها فى وضع كارثى بالنسبة لاسعار النفط خصوصا وأن اثار وآلام التجربة فى السنتين الماضيتين يعانى منها الجميع. بقلم- شفيق الاسدي