اعتاد الانسان منذ القدم على تغيير مقر اقامته في الصيف, وذلك أمر طبيعي التصق بذات الانسان الذي يريد ان يغير من جوه العام الذي يعيشه ومن روتين الحياة مهما كانت بساطتها . وفي دولة الامارات كانت لدينا مصايف عديدة جدا وهي في الغالب المناطق الساحلية التي تحتوي على منتجات زراعية وحيوانية ومناطق الجبال المرتفعة, حيث كان الانسان يلجأ الى أحواض السباحة في المزارع والبحر للتخفيف من لهيب الجو في اللجوء الى السباحة من حين الى آخر, وفي الوقت ذاته يستمتع بالمنتجات الزراعية الصيفية كالرطب والمانجو والتين والجوافة والانبا وغيرها والتي كانت بلادنا عامرة بها. وفي التنقل بين مقر الصيف ومقر الشتاء كان الناس يجدون المتعة الكبيرة وان كانت فيها مشقة وتعب, حيث كانت الجمال والسفن هي وسائل التنقل وكان ذلك لون من ألوان السياحة الداخلية التي تعمل على تقوية أواصر الود والعلاقات بين الأسر المواطنة وتحرك السوق المحلية التي كانت عامرة بالمنتجات الاستهلاكية المحلية التي كانت تكفي حاجة السوق آنذاك. وبعد ان أنعم الله على هذه البلاد بنعمة النفط اختفى هذا النوع من السياحة الداخلية تماما, وأثرت الصناعة تأثيرا بالغا على هذا النوع من السياحة, فأصبح وجود مكيفات الهواء والثلاجات والسيارات والتلفزيونات والهواتف وتوفر جميع المنتجات الزراعية والحيوانية المستوردة يسد حاجات الانسان ويغنيه عن التنقل, فلجأ الانسان الى السياحة الخارجية بحثا عن التسوق والجو البارد والطبيعة الخضراء وحبا في التعرف على حضارات الأمم والشعوب ورغبة في تعريف الابناء على حضارات الأمم الأخرى والبحث عن الترفيه, وهذه تقريبا هي أهم أهداف السياحة الخارجية, فاذا نجحنا في تحقيق بعضها للسائح والمقيم تمكنا بفضل الله من توفير متطلبات ذلك السائح سواء أكان قادما من الخارج أم مقيما في الداخل. والحقيقة ان القنوات الفضائية وشبكات الانترنت وطرق التسوق الحديثة الالكترونية وغيرها قد تلعب دورا بارزا في تحقيق بعض تلك الاهداف وتشبع بعض حاجات السائح وهو جالس في منزله, فالتعرف على حضارات الأمم والشعوب مثلا قد يحققه الانسان وهو جالس في منزله عن طريق هذه الوسائل التي ذكرناها. بل ان هذه الوسائل قد تنقل اليه كما هائلا من المعرفة بالصور والشرح يعجز هو ذاته عن الحصول عليها حتى ولو سافر اليها وقصدها في دارها. وكذلك حال التسوق. وتبقى أهداف تغيير الجو الروتيني الممل والجو البارد والطبيعة الخضراء وهذه الأهداف من الممكن جدا السعي لتحقيق جزء منها محليا وجذب السياح اليها. بالطبع لن نستطيع منع الأسر المواطنة من السفر الى الخارج صيفا, وهذا ليس هدفا على الاطلاق, ولا أعتقد ان انسانا عاقلا سوف يفكر بهذا المنطق في عصر تحرص فيه جميع الأمم والشعوب على الانفتاح وتبادل المعلومات والمعرفة والزيارات, غير ان الهدف هو الحد من تلك الرغبة الجامحة في السفر العائلي الى الخارج للسياحة, وذلك بتوفير الجو المناسب الذي يحتاج اليه السائح واشباع رغباته الأساسية التي ذكرناها. اننا نستطيع بالفعل اجتذاب الكثير الكثير من السائحين الراغبين في السفر العائلي الى الخارج, فيما لو تم توفير تلك الرغبات للسائح وصرف الكثيرين عن السفر الى السياحة الداخلية خصوصا وان السفر أصبح فيه مشقة وتعب وتكاليف باهظة ومخاطر كثيرة على الأسر, وهكذا فسوف يعمل توفير الجو المناسب على تغيير رغبة السائحين ونمط حياتهم مع الزمن, فبدلا من ان يسافر كل صيف قد يسافر احيانا ويبقى بعض الاحاديين للسياحة الداخلية. وبدلا من ان يسافر كل الصيف (شهرين مثلا) قد يسافر بعض الصيف ويخصص البعض الآخر للسياحة الداخلية, ومن هذا المنطلق يصبح موضوع السياحة الداخلية موضوعا غاية في الأهمية, فيجب على كافة الامارات ان تحرص كل الحرص على تنشيط هذا القطاع الحيوي الهام وعلى الاهتمام بالمرافق السياحية وانشاء المزيد من الحدائق والمتنزهات والاهتمام بمجمعات التسوق المغلقة وتوفير مرافق الراحة والترفيه داخلها بحيث يستطيع السائح ان يقضي وقتا أطول في الداخل دون ان يشعر بالضيق والملل. ويأتي بالطبع على رأس ذلك الاهتمام بالبيئة النظيفة والهواء النقي الخالي من التلوث حيث ان السائح لن يأتي الى البيئة الملوثة مهما بذلت له من جهد, واذا أتى دون علمه بالبيئة لن يقيم طويلا ولن يأتي مرة اخرى, بل وفوق ذلك سوف ينقل عن البلد سمعة غير طيبة بسبب تلوث بيئته, فنظافة البيئة أصبحت من أهم سمات المجتمع المتحضرة.