في سلطنة عمان يشكل الشباب الشريحة الأكبر في المجتمع, بمعنى ان المجتمع العماني هو مجمع فتي اذا ما عرفنا ان هذه الفئة تمثل ما نسبته 70%. لكن هذه النسبة على اهميتها ليست عامل استرخاء واطمئنان بقدر ماهي دافع للتخطيط والتفكير في كيفية توظيف واستغلال (هذه الثروة الوطنية) واستيعابها ضمن مؤسسات العمل الوطني والاجتماعي تأسيسا لمستقبل أفضل. فهل تم استثمار واستيعاب هذه الشريحة الواسعة, وهل الشباب العماني منخرط, في صيغ مدروسة ومنظمة, ضمن برنامج العمل الوطني في مجتمع الفتوة والشباب هذا؟ للاجابة على هذا السؤال لابد من التعرف الى بعض البرامج والتوجهات التي تعتمدها السلطنة في هذا الشأن وقراءتها مع معطيات الراهن الاجتماعي والاقتصادي العماني. وستكون البداية من (صندوق تنمية مشروعات الشباب) والذي تأسس انطلاقا من دعوة صريحة من قبل جلالة السلطان قابوس عندما قال في خطاب العيد الوطني ــ 18 نوفمبر 1998 ــ (يمكن للشباب العماني الذي يتحلى بروح المبادرة ويرغب في ممارسة الاعمال الحرة ان يستفيد مما سوف يقدمه صندوق تنمية مشروعات الشباب من وسائل لتمويل مشروعاتهم الخاصة, بعد التأكد من جدواها الاقتصادية, ومن مساندة في تزويدهم بالخبرة في النواحي المالية والاقتصادية الفنية والتسويقية والادارية والتنظيمية, عن طريق مستشاريه وخبرائه. وان الهدف من هذا الصندوق هو تشجيع الشباب العماني على انشاء وامتلاك مشروعات صغيرة ومتوسطة). وانطلاقا من دعوة السلطان قابوس اعلن مطلع هذا العام عن انشاء صندوق تنمية مشروعات الشباب كشركة مساهمة مغلقة مكونة من عدد من البنوك والشركات التجارية وصناديق التقاعد, ويبلغ رأس المال المسجل 25 مليون ريال عماني. وكان السلطان قابوس اول المتبرعين للصندوق حيث قدم مليون ريال سوف يوزع كمنح تشجيعية لأصحاب المشروعات الاكثر تميزا. (البيان) التقت سليمان بن مسعود الحارثي مدير عام صندوق تنمية مشروعات الشباب الذي يقول ان الهدف من انشاء الصندوق كما جاء في خطاب جلالة السلطان هو تشجيع الشباب العماني على انشاء وامتلاك مؤسسات تجارية وصناعية صغيرة ومتوسطة وإعداد جيل متمكن ومتمرس من رجال الأعمال العمانيين وخلق فرص عمل اضافية للعمالة الوطنية. ووجود مؤسسات صغيرة ومتوسطة عامل مهم في تحريك وتنشيط الاقتصاد. كما ان الصندوق يهدف الى اخراج الشاب العماني من دائرة الاعتماد على الوظيفة الى دائرة الاعتماد على النفس وعلى الجهد الذاتي والتفكير في ايجاد مداخل للكسب تعتمد على الفرد وليس على الدولة. وفي السلطنة هناك شباب لديهم افكار جيدة وطموحات كبيرة و لكن لا يوجد من يتبناهم ويساعدهم ويقدم لهم المشورة ويعرفهم على الخطوات والاجراءات التي ينبغي اتباعها ويعرفهم كيف يمكنهم استثمار اموالهم وجهدهم في مشروعات تجارية ناجحة وقادرة على التطور والمنافسة وهذا ما يحاول تحقيقه الصندوق. ويقول مدير عام صندوق تنمية مشروعات التنمية: ان هذا النوع من الصناديق ليس جديدا بل هو موجود في معظم دول العالم, وخصوصا الدول المتقدمة, ونحن عند الشروع في تأسيس الصندوق قمنا بالاطلاع على بعض التجارب الخارجية والتعرف على نظمها وبرامجها ثم قمنا بمواءمتها والوضع المحلي, اجتماعيا واقتصاديا وبالنظم التجارية المعمول بها في السلطنة. والصندوق وبعد شهور قليلة من انشائه حقق حضورا كبيرا بين الشباب الذين يتقدمون يوميا بأفكار مشروعات متنوعة بين الصناعة والتجارة والخدمات, وهي كلها تحت ما يمكن تصنيفه بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة وهو تصنيف يختلف من بلد الى آخر بالنظر الى الوضع الاقتصادي وخارطة اليد العاملة والمواد الخام لكل بلد. لكن الصندوق وحسب نظام عمله يفضل التعامل مع مشروعات صغيرة ومتوسطة والتي يكون هامش المغامرة فيها محدودا وصغيرا وضمانات النجاح والاستمرارية كبيرة, وبالأرقام فإننا نتعامل مع المشروعات التي تقل تكلفتها عن مليون ريال ونفضل تلك التي تتحرك بين الــ (500 الف ريال و200 الف ريال) على الا يقل رأس المال عن (20 ألف ريال) حسب قانون الترخيص للمؤسسات التجارية في السلطنة. ونعتبر ان الشاب الذي في بداية حياته لن يكون بمقدوره توفير مبالغ اكبر. ويقول سليمان الحارثي ان الصندوق يعطي للشاب حرية كاملة في اختيار اهداف مشروعه وبرامج اشتغاله من بين قطاعات العمل في السلطنة وهي المشروعات الخدمية والسياحية والصناعية والحرفية والمشروعات التجارية وهذه الاخيرة لا تحظى بأولوية من قبل الصندوق لشيوعها وازدياد المنافسة عليها. والصندوق يتحمس اكثر للمشروعات المدروسة والمعدة بجدية وللشباب الذين يتمتعون بمعرفة عميقة وأهداف المشروع وطرائق ادارته وتسويقه. وفي هذا الشأن وعلى ضوء ما ورد الى الصندوق يمكن تقسيم الشباب العماني الى ثلاث فئات: ــ الفئة الأولى هي القليلة التعليم والتي تتعامل مع المشروع التجاري بحماس اكثر ودراية اقل والتي ترى ان بمقدورها تأسيس مشروع تكلفته الحقيقية 30 الف ريال بخمسة آلاف فقط وهذه الفئة تتجه الى المشروعات التجارية المحدودة. ــ الفئة الثانية هي الافضل تعليما ووعيا بأهداف المشروعات التي يقبلون عليها والذين يتحاورون بمنطقية ووضوح ويعرفون ماذا يريدون وهذه الفئة تتجه اكثر الى قطاع الخدمات. ــ الفئة الثالثة هي فئة الشباب المتعلمين تعليما عاليا مثل المهندسين ومبرمجي الكمبيوتر والفنيين وهؤلاء يأتون الى الصندوق بمشاريع مدروسة دراسة جيدة ويتجهون اكثر الى قطاع المشروعات الصناعية. ويقول سليمان الحارثي: ان الصندوق وخلال الفترة القليلة الماضية من انشائه وقع اتفاقيات نهائية على انجاز خمسة مشاريع لمجموعة من الشباب العماني وهذه المشروعات في طريق التحقق الآن وهي موزعة على القطاعات المختلفة وعلى مناطق السلطنة المختلفة ايضا. ولدى الصندوق الآن عشرة مشاريع قيد الدراسة سوف يتم الانتهاء من اعداد الدراسات اللازمة لها في غضون شهر بمعنى ان هذا العام سوف يشهد ظهور ما لا يقل عن عشرة مشاريع جديدة وظهور مجموعة من رجال الاعمال العمانيين الشباب. وعن الحوافز والخدمات التي يقدمها الصندوق للشباب يقول الحارثي: الصندوق وبعد اقتناعه بجدوى المشروع وامكانية نجاحه وتطوره وبعد انطباق الشروط عليه يدخل كشريك مع الشباب ويساهم في تكلفة المشروع لكننا نفضل ان تكون مساهمة الشاب اكثر من مساهمة الصندوق حتى يكون صاحب الحصة الاكبر من المشروع الذي يصبح مع الزمن ملكا كاملا للشاب. لكن وفي حالة ان امكانيات الشباب المالية محدودة فإن الصندوق يمكنه ان يساهم بالنسبة نفسها التي يساهم بها الشاب بحيث لا تقل مساهمة الشاب والصندوق عن نصف التكلفة الاجمالية للمشروع وبحيث تتم تغطية النصف المتبقي بواسطة القروش التي تقدمها الحكومة وجهات التمويل الاخرى وبوساطة من الصندوق ايضا, حيث يعطي الصندوق خطابات توصية الى جهات التمويل لمنح المشروع قرضا يغطي ما يتبقى من التكلفة, وعادة فإن جهات التمويل لا تمانع من اعطاء قروض للمشروعات التي يتبناها الصندوق على اعتبار انها مدروسة جيدا وان ضمانات النجاح متوفرة لها الى حد كبير. هذا على صعيد التمويل اما على صعيد الخدمات الاخرى التي يقدمها الصندوق يقول المدير العام: نقوم بهمزة الوصل بين الشاب صاحب المشروع والجهات الحكومية الاخرى وذلك للحصول على التراخيص اللازمة أو الخدمات اللازمة مثل قطعة ارض للمشروع, اضافة الى ان الصندوق يقدم استشارات مجانية للشباب من خلال دراسته لجدوى المشروع ولقنوات التسويق والدعاية وتعريفه بمصادر المعلومات اللازمة وكيفية حصوله على المعدات والأجهزة اللازمة للمشروع. لأن صندوق تنمية مشروعات الشباب يضع في اعتباره نجاح المشروع والوقوف مع الشباب حتى يكون بمقدوره الاستغناء عن الصندوق. والصندوق لا يترك أي مشروع الا بعد نجاحه ومقدرته على الوقوف على قدميه في السوق وهذه قد تستغرق خمس سنوات, وبالنسبة للمشروعات التي تحقق خسائر أو بعض الفشل فإن الصندوق يبقى معها حتى تنجح وهي احدى استراتيجيات الصندوق. في المقابل فإن الصندوق يضع بعض المعايير او الضوابط للاستفادة من خدماته فمثلا يجب ان يكون الشاب متفرغا لادارة المشروع وأن يكون المشروع هو المصدر الاساسي للدخل لأن الأولوية لغير اصحاب الاعمال او الوظائف وفي حال ان في المشروع اكثر من شريك فإن واحدا فقط هو الذي يجب ان يتفرغ. كما يجب ان يكون لدى الشباب الاساس التعليمي الذي يمكنه من تنفيذ مشروعه وإدارته بشكل جيد وحديث. كما يشترط الصندوق ان يكون عمر الشاب بين (20 ــ 40) عاما, وان يعطي المشروع الأولوية لتشغيل اليد العاملة العمانية, علاوة على ان يكون المشروع مربحا من الوجهة المالية وان يكون مستفيدا من الخامات المحلية أو من مستلزمات الانتاج المحلية, وان يكون ملبيا لاحتياجات السوق والمجتمع في السلطنة وان يقلل من واردات السلع ويزيد في الصادرات اضافة الى مراعاة تنوع المشروعات وتوزيعها الجغرافي. ويدعو مدير عام صندوق تنمية مشروعات الشباب الى ضرورة استفادة الشباب العماني من خدمات وامكانيات الصندوق واستثمرا وجود هكذا مؤسسة في تحقيق احلامهم بامتلاك مشروعات وان يصبحوا رجال اعمال ذلك لأن المشروع الذي يساهم فيه الصندوق ترتفع جدواه الاقتصادية لعدم اعتماده بصفة اساسية على القروض, وإلى زيادة ثقة مجتمع الاعمال في المشروع بحيث يكون بمقدور الشاب صاحب المشروع الحصول على تسهيلات ائتمانية افضل. ويكفي ان الشاب سيشعر بالاطمئنان لوجود شريك يتحمل معه المخاطر ويدخل معه المغامرة. يذكر ان المشروعات التي يساهم فيها صندوق تنمية مشروعات الشباب معفية من ضريبة الدخل على الشركات أو من ضريبة الارباح على المؤسسات التجارية والصناعية لمدة خمس سنوات من تاريخ التأسيس قابلة للتجديد. مسقط ــ محمد اليحيائي