تبدأ دول مجلس التعاون الخليجي خلال الشهر المقبل جولة جديدة من المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي بهدف الوصول إلى اتفاق مشترك لاقامة منطقة التجارة الحرة بين الجانبين . ولا شك ان المفاوضات بين الجانبين تجري منذ فترة طويلة وبالتالي من الصعب التنبؤ بموعد محدد لانهائها, لأن المفاوضات مهما كان نوعها تعتمد على ما يتحقق من نتائج, وما يراه كل فريق انه حقق المصلحة التي تبرر دخوله في الاتفاقية, ان تحقيق الوحدة الجمركية الخليجية كان أحد الشروط التي وضعت من قبل المجموعة الأوروبية قبل ابرام اتفاقية لمنطقة التجارة الحرة, إلا ان الموضوع الأساسي بالنسبة لدول المجلس يتعلق بالمزايا التي تحقق المصلحة الاقتصادية, والمتعلقة بثلاث قضايا أساسية هي دخول الصادرات الخليجية للأسواق الأوروبية بدون رسوم جمركية, أو أي عوائق أخرى وتفعيل الاستثمارات بين الجانبين ونقل التكنولوجيا. ان خريطة العلاقات الاقتصادية الراهنة بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي تعتبر نموذجا للاختلالات الموجودة في علاقات دول المجلس مع بقية التكتلات العالمية والتي تفرض عليها اتخاذ خطوات حثيثة نحو تكتيل وتوحيد جهودها, فنحن لا ننكر أهمية الاسراع في اقرار مشروع التعرفة الجمركية الموحدة بين دول مجلس التعاون إلا ان ذلك لا يبرر استمرار فرض قيود وضرائب جمركية مجحفة على الصادرات النفطية والبتروكيماوية الخليجية في الوقت الحاضر, بل ان دول أوروبا تقوم في الوقت الحاضر باعطاء العديد من الدول فرادا ومجموعات معاملات جمركية تفضيلية, وهذه الدول لا تمتلك نفس حجم المعاملات التجارية مع أوروبا. كما نلاحظ أيضا انه بالرغم من ان اجمالي عدد سكان دول مجلس التعاون الخليجي يبلغ 21 مليون نسمة, إلا انها تعد خامس أكبر سوق لصادرات الاتحاد الأوروبي, متفوقة في ذلك على الصين ودول اتحاد الكومنولث المستقلة, ومجلس التعاون الخليجي هو الوحيد الذي يوفر للاتحاد الأوروبي فائضا تجاريا ثابتا, ومما يزيد من أهمية دول الخليج كمصدر للنفط بالنسبة لأوروبا هو ان النفط ما زال يمثل أهم مكونات استهلاك دول الاتحاد الأوروبي من الطاقة وهي 45%. كما ان موضوع تنمية الاستثمارات المشتركة والمتبادلة يكتسب أهمية كبيرة, ويمكن هنا ان تسجل نقطة ايجابية وهي ان الدول اعضاء الاتحاد الأوروبي تعد ثاني أهم مستثمر أجنبي في دول مجلس التعاون قبل اليابان, وفي المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة, وعلى النقيض من الاستثمارات الأمريكية والتي تتركز في قطاع واحد فقط هو قطاع البتروكيماويات, فان استثمارات دول الاتحاد الأوروبي تتميز بتنوعها حيث تمتد إلى القطاعات الصناعية, ومع ذلك فان حجم الاستثمارات الأوروبية في الخليج لا تمثل سوى واحد في المائة فقط من الاستثمارات الأوروبية الدولية المباشرة, بالتالي فان المطلوب اتخاذ خطوات هامة لاستقطاب وتنمية المزيد من الاستثمارات الأوروبية في المنطقة. ان مفهوم الشراكة الاقتصادية المتوازنة ينصرف الى اعطاء المصالح الاقتصادية للجانب الخليجي نفس الثقل والحجم المعطى حاليا للمصالح الاقتصادية للجانب الأوروبي, كما ينصرف إلى ربط مصالح الجانبين معا, واللافت للنظر حقا انه على الرغم من حجم المشروعات الأوروبية في المنطقة, وكذلك المصالح الأوروبية الاقتصادية المشتركة فان برامج التعويض الجزئي (أوفست) التي ينفذها الجانب الأوروبي لا تضاهي برامج مماثلة تنفذها دول أوروبية أخرى من دول أخرى. وهناك أيضا موضوع نقل التكنولوجيا حيث يبدو من الواضح ان الشوط الذي قطعته الأسواق الآسيوية في هذا المجال وخاصة فيما يتعلق باقامة شبكة من الصناعات التكنولوجية التي تمزج بين الخبرة التقنية ورأسمال الأوروبيين والموارد البشرية والخام والأسواق للدول الآسيوية قد وصل إلى مراحل متقدمة. ويبرز على السطح حاليا جيل جديد من الصناعات وخاصة في مجال وسائل نقل المواد الطبية والتخصصية وشرائح معينة من أجهزة الاتصالات والمعلومات التي يمكن ان تعتمد على مواد خام متوفرة بأسعار رخيصة نسبيا في دول المنطقة, وهو ما يعني امكانية قيام صناعات ناجحة في هذه الحقول بالتعاون مع الخبرة التقنية الأوروبية مما يهيئ إلى قيام تجربة أو تجارب صناعية خليجية ـ أوروبية مشابهة للتجارب الصناعية الآسيوية الأوروبية مع الاخذ بالاعتبار توفر أسواق لاستهلاك هذه المنتجات في دول المنطقة والدول المجاورة.