هل مات الوفاء عند أصحاب العمل؟ نسمع كثيرا انه لم يعد له وجود, لعله صار نادراً أو لبس ثوبا آخر أو على الأقل اختفى لبرهة من الزمن, صحيح اننا جميعا نسمع مراثي وداع الوفاء, إلا ان هناك بعض الشركات الملتصقة في وول ستريت, لاتزال تظهر بعض الرعاية لعامليها . بيد أن كل عامل معرض للفصل في أي لحظة, وذلك أدى إلى شيوع نوع من الافكار في ثقافتنا الشعبية, وهاهو عالم النفس والاجتماع في جامعة نيويورك ريتشارد سينيت يرى ان استمرار الناس في نفس الوظيفة فترة طويلة يحطم قدراتهم ويأخذ من ثقتهم وفي كتابه (تآكل الشخصية) يقول انه في ظل العمل في الرأسمالية الجديدة رسخت شعارات مثل (أبدا لا تلزم نفسك, تحرك بسرعة .. اياك وان تضحي) . وقد لاقت مثل هذه النظريات بعض التأييد, لكن المنطق الذي تعتمد عليه يمكن اثارة اكثر من سؤال حوله, فمثلا هل ثقة الناس تعتمد على نوعية أعمالهم أم على علاقاتهم بالآباء والاصدقاء والاقارب؟ أضف إلى ذلك حقيقة أخرى وهي ان غياب عنصر الوفاء من الشركات لا يمنع ان مبدأ بقاء العاملين محتفظين بوظائفهم لفترة طويلة قد تلاشى تماما ولم يعد له وجود. صحيح ان عقد الثمانينات شهد قيام نسبة كبيرة من أصحاب الشركات بفصل أعداد كبيرة من الموظفين لديهم, لكن الفصل لا يمكن ان يعني أبدا القضاء على المستقبل الوظيفي للأفراد. تقول الاحصائيات انه في عام 1983 بلغ عدد الذين عملوا لشركة واحدة لعشر سنوات متصلة وتزيد أعمارهم على 25 سنة, بلغ نحو 38%, وبعد هذا التاريخ بنحو 15 سنة انخفضت هذه النسبة الى 33% وطبقا لاحصائيات وزارة العمل انخفض عدد الموظفين الذين تتراوح أعمارهم بين 55 عاما و 59 عاما الذين بقوا في شركاتهم لعشر سنوات متصلة في العام الماضي إلى 57% مقابل 66% عام 1983. وكشفت الاحصائيات ان الموظفين الذين في منتصف العمر ــ وهم من وجهة نظر أصحاب العمل يكلفون أكثر ويعملون اقل ـ كانوا اكثر الذين عانوا من عمليات الفصل, غير ان دراسة أخرى أثبتت ان معظم قرارات فصل الموظفين في أكبر 51 شركة انصبت تقريبا على الموظفين صغار السن. فهل نحن مقبلون على اقتصاد يعتمد فقط على الوظائف قصيرة الأجل؟ ينفي ذلك المؤرخ بجامعة كاليفورنيا سانفورد جاكوبي. والواقع ان السبب الرئيسي لاعتقادنا بأن عنصر الوفاء اختفى تقريبا من شركاتنا هو ان الناس دائما لا تود ان تتحدث بالايجاب عن ظروف العمل في شركاتهم, سواء كانت عامة أو خاصة, وكما يقول الكاتب المعروف أمبروز بيرث فان الوفاء يعد فضيلة غريبة على الذين على وشك ان تتم خيانتهم.