شهدت أسعار النفط العالمية خلال العقدين الماضي والحالي حالة شبه مستمرة من التذبذب صعوداً وهبوطاً بلغت مداها خلال العامين الأخيرين , ولعل قرار أوبك الأخير والخاص بتخفيض الانتاج جاء كبارقة أمل لانتعاش ميزانيات الدول المنتجة للنفط, وتحديداً دول الخليج العربية والتي تأثرت عوائدها بصورة كبيرة قدرها بعض الخبراء بأكثر من 50 مليار دولار كخسائر في العام الماضي فقط. صحيح ان العجز في ميزانيات دول الخليج العربية كان متفاوتاً بين دولة وأخرى وكان مرد ذلك متوقفاً على قدرة اقتصاد تلك الدول في تنويع مصادر دخلها ومدى نجاحها في الفكاك بخطط التنمية من آثار التعلق بسعر برميل النفط الذي ترنح بشدة العام الماضي حتى وصل إلى أقل من ثمانية دولارات في الوقت الذي أعتمدت فيه ميزانيات تلك الدول على توقعات غير صائبة بامكانية وصول السعر الى 15 دولاراً للبرميل وهو ما لم يحدث. وحتى نتبين حجم الأموال التي تم إهدارها نتيجة عدم اتفاق الدول المنتجة للنفط داخل أوبك من ناحية, وعدم وجود تنسيق بين أوبك والدول المنتجة خارجها يمكن لنا ان نستعرض المنحنى الحاد لانخفاض عوائد الدول الخليجية من تصدير النفط خلال العقدين الماضي والحالي. وطبقاً للبيانات المتاحة فقد بلغت عائدات النفط في الامارات عام 1981 نحو 18.3 مليار دولار انخفضت الى 12.5 مليار دولار عام 1985, وانتكست في العام التالي 1986 إلى سبعة مليارات دولار ثم عاودت الارتفاع عام 1990 إلى 15.32 وعاد مسار الانحناء لسعر برميل النفط حتى وصلت العائدات الى 13.95 عام 1997 ثم انخفضت الى 10.89 مليارات دولار عام 1998. خسائر أكبر وفي المملكة العربية السعودية كانت الخسائر أكبر وأفدح حيث بلغت العائدات عام 1981 نحو 111.5 مليار دولار انتكست إلى 24.41 مليار دولار عام 1985 ثم إلى 13.6 مليار دولار وإرتفعت العائدات الى 39.42 مليار دولار عام 1990 ثم إلى 52.45 مليار دولار عام 1997 لكنها إنخفضت بعد ذلك في العام الماضي إلى 40.41 مليار دولار. وإذا نظرنا بصفة عامة إلى عوائد النفط بالنسبة لدول الخليج العربية عام 1981 فسنجدها قد طالت سقفاً عالياً حيث بلغت نحو 157.8 مليار دولار, لكنها تمادت بعد ذلك بنحو 17 عاماً لتصل إلى 69.72 مليار دولار العام الماضي. عجز الموازنات ويوضح العجز في الموازنات العامة بدول الخليج العربية خلال العامين الماضيين مدى الحاجة إلى ضرورة اتخاذ سياسات نفطية سليمة للمحافظة على هذه الثروة التي هي من حق الاجيال القادمة في المنطقة ففي الامارات بلغ العجز المعلن لعام 1998 نحو 0.48% وفي السعودية 4.8% وعمان 0.78% وقطر 0.95% والكويت 5.20% والبحرين 0.20% وتلك النسب في العجز بميزانيات دول الخليج توضح حجم الاهتزازات الخطيرة التي قد تتعرض لها خطط التنمية في هذه الدول. ومن هنا تبرز عدة حقائق منها ان دول الخليج العربية باتت تعتمد في دخلها على ما يتراوح بين 60% و90% من بيع النفط ومن ثم فان ارتفاع او انخفاض سعر برميل النفط يؤثر سلبا وايجاباً على الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية في هذه الدول خاصة وان الآثار السلبية لانخفاض الاسعار سوف يمتد كذلك إلي القطاع الخاص الذي يمثل عصب حركة النشاط الاقتصادي في منطقة الخليج. والمتابع للتطورات الإقتصادية في المنطقة يمكنه ان يلاحظ بسهولة مظاهر تراجع الدعم الحكومي في العديد من دول الخليج العربية والبدء في تسريع عجلة الخصخصة وفتح اسهم الأسواق المحلية أمام المستثمرين الأجانب ورغم ذلك هناك بعض الدول الخليجية التي لا تزال تحافظ على أوضاعها أو مظاهرها الاقتصادية كما هي دون اتخاذ تدابير تقشفية حقيقية تتماشى مع الانخفاض الحاد في مداخيلها, وذلك في الوقت الذي يخشى فيه الناس أن تؤدي السياسات الرامية إلى طرح القطاع العام للبيع في إطار سياسة الخصخصة أي فقد المزيد من الوظائف وذلك من شأنه ان يعمق مشكلة البطالة التي بدأت تظهر بوادرها بين المواطنين الخليجيين. كما ان التكلفة العالية لدعم المشروعات غير الانتاجية قد تدفع الحكومات إلى تسريع عجلة الخصخصة. بيد أن التحديات التي تواجهها دول الخليج تفرض عليها ضرورة العمل خلال العامين الحالي والمقبل على تحقيق مجموعة أهداف محورية تتمثل في تقليص عجز الميزانية وتنويع مصادر الدخل للتغلب على التقلبات الخاصة بسعر برميل النفط وزيادة مساهمة القطاع الخاص في النشاط الاقتصادي لاستنباط فرص عمل جديدة والاندماج بخطى أكبر مع الاقتصاد العالمي. وتتميز حركة التجارة الخليجية لدول مجلس التعاون بحرية انتقال رؤوس الاموال وحرية الصرف الاجنبي دون أي قيود وطبقاً لدراسة أعدها الخبير الاقتصادي هنري عزام رئيس الدائرة الاقتصادية بالبنك الأهلي التجاري في جدة, فان الدول الخليجية في وضع جيد يؤهلها للاستفادة من تحرير التجارة العالمية, غير ان هناك العديد من المسائل والقضايا الملحة التي ينبغي على هذه الدول معالجتها قبل المضي قدماً في الاندماج مع الاقتصاد العالمي. وتفرض التغيرات الاقتصادية العالمية على حكومات دول الخليج العربية حتمية الاتجاه لانشاء سوق اقليمية مشتركة في المستقبل المنظور وتعتبر منظمة التجارة العالمية ان التجارة ضمن نطاق كتلة اقتصادية معينة شأناً داخليا أكثر منه شأن خارجي وسيكون من الأسهل لدول مجلس التعاون الخليجي ان تتفاوض ككتلة موحدة لتحصل على شروط ايسر لحرية وصول منتجاتها التصديرية مثل البتروكيماويات والألمنيوم إلى الأسواق الخارجية. طارق فتحي