اكد تقرير للغرفة العربية البريطانية ان انطلاق العملة الاوروبية الموحدة (اليورو) اعتباراً من اول يناير 1999 ادى الى تحفيز الجهود التي تبذل من اجل وضع استراتيجية اوروبية موحدة للعمالة, تكون مكملة للسياسات النقدية الحازمة التي يتبناها البنك المركزي الاوروبي . ويعتقد المحللون بأن هناك حاجة لتنسيق وتضافر الجهود من اجل تخفيض مستويات البطالة, وبمعدلات كبيرة خلال السنوات القليلة المقبلة, حتى لا تؤدي الوحدة الاقتصادية والنقدية الى التوتر الاجتماعي, نتيجة ارتفاع اعداد العاطلين عن العمل. لذلك تسعى المفوضية الاوروبية وحكومات الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي للتوصل الى سياسات وبرامج على مستوى الاتحاد لتحديث اسواق العمل الاوروبية. ومن المتوقع التوصل الى اتفاق في هذا الشأن في القمة الاوروبية التي ستعقد في شهر يونيو 1999 في مدينة كولون الالمانية, في ختام فترة الرئاسة الالمانية للاتحاد الاوروبي. واوضح التقرير الذي نشر في العدد الاخير من مجلة الغرفة العربية البريطانية وتلقته الدوائر الاقتصادية في الدولة ان المراقبين يتوقعون ان يكون التركيز على تطوير سياسات تهدف الى زيادة اعداد القوى العاملة في العمل. والمقصود بالقوى العاملة هنا هو الفئة من السكان الذين تكون اعمارهم في إطار سن العمل. ويعتقد المدير العام للشؤون الاجتماعية في المفوضية الاوروبية (ألان لارسون) بأن هناك امكانية للتوسع في العمالة من خلال معايير العرض والطلب. وعلى عكس الاعتقاد السائد, لم يكن سوق العمل في اوروبا جامدا من حيث خلق فرص العمل. فمنذ عشرين عاما, كان معدل العمالة في اوروبا مشابها للمعدلين في الولايات المتحدة واليابان. وتشير آخر الاحصائيات المتاحة وهي لعام 1997 الى ان معدل العمالة في الاتحاد الاوروبي كان نحو 60.5%, وذلك مقارنة بالمعدل 74% في كل من الولايات المتحدة واليابان خلال السنة المذكورة, مع تراوح معدل العمالة في الدول الاعضاء في الاتحاد من 48.6% في اسبانيا الى 77.5% في الدنمارك. وتكمن التحديات التي يواجهها الاتحاد الاوروبي ــ في كيفية تضييق الفجوة في معدلات العمالة بينه وبين منافسيه. ويعتبر هذا التوجه في حد ذاته تحولا في السياسات التي كانت من قبل تعنى بالدرجة الاولى بتوفير الحماية الاجتماعية والاعانات للعاطلين عن العمل, بهدف تأمين مستوى معيشة ملائم لهم. والسياسات الجديدة ــ كما وصفها (لارسون) مبنية على اربع قواعد هي: القابلية للتوظيف وتشجيع قطاعات ومبادرات الاعمال والمواءمة لمناخ العمل وتكافؤ الفرص. وهذه القواعد الاربع تمثل تحولا واضحا نحو وضع سياسات عامة نشطة لاعادة تشكيل اسواق العمل في اوروبا. القابلية للتوظف فبالنسبة للقاعدة الاولى ــ القابلية للتوظف ــ فان برنامج الاتحاد الاوروبي في هذا الشأن يهدف الى التركيز بصفة خاصة على تحسين فرص التوظف للمرأة, والشباب, وكل من تتخطى اعمارهم خمسة وخمسين سنة. كما اصبحت الدعوة للمزيد من التعليم والتدريب امرا بديهيا, والمهم في الامر هو رفع مستوى المهارات في تكنولوجيا المعلومات الذي اصبح عنصراً اساسيا في التعليم على مدى العمر. وتتطلع المفوضية الاوروبية الى حث دول الاتحاد على وضع سياسات تحول دون تحول العاطلين الجدد عن العمل الى بطالة طويلة الامد. ففي فبراير 1999 بلغ عدد العاطلين نحو 4 ملايين عاطل عن العمل في دول الاتحاد لفترات تزيد على 6 شهور. وترى المفوضية ان تعمل حكومات الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي للحيلولة دون انضمام هذا العدد الهائل الى قوائم البطالة طويلة الامد, وذلك بمساعدتهم بالعودة الى العمل. تشجيع المشروعات الجديدة ومبادرات الاعمال وتمثل هذه, القاعدة الثانية في استراتيجية المفوضية الاوروبية. وتهدف الى تشجيع انشطة الاعمال بطريقة فعالة, من خلال الحوافز الضريبية وغيرها من وسائل مساندة الاعمال في قطاع الخدمات في القطاع الخاص. وتعتقد المفوضية الأوروبية بأنه في الامكان خلق المزيد من فرص العمل في قطاعات الفنادق والمطاعم, والخدمات المالية وخدمات الاعمال, والصحة والتعليم, وخدمات تكنولوجيا المعلومات من خلال العمل على زيادة فرص العمل لجزء من يوم العمل, وزيادة ــ أيضا ــ فرص العمل لكامل الوقت. المواءمة لمناخ العمل وتهدف هذه القاعدة الى تحقيق المزيد من الالتزام نحو المواءمة مع مناخ العمل. وذلك من خلال التنسيق بين السياسات الاجتماعية وخطط الانتاج, وايجاد نوع من المشاركة على مستوى الشركات. بحيث يمكن الاتفاق على فترات عمل تتسم بالمرونة, وتوفير مهارات جديدة تساعد في إنجاز التحول المطلوب للشركة. تكافؤ الفرص وتهدف هذه القاعدة الى وضع السياسات التي من شأنها تشجيع المرأة على الانخراط في سوق العمل. وتأتي خطة المفوضية الأوروبية في هذا الشأن لتتكامل مع الاستراتيجية الاقتصادية والنمو. ويبدو أن خطط المفوضية الأوروبية تحظى بتأييد اتحادات أرباب العمل ونقابات العمال في الاتحاد الاوروبي, والتي أبدت استعدادها للعمل معا في تحقيق التطبيق المتوازن على مستوى الاقتصادات الوطنية. ولكن السؤال هنا عما اذا كانت هذه الخطط والسياسات كفيلة بمواجهة التغيرات غير المتوقعة في الاقتصاد العالمي وأسواق المال. ويعتد المراقبون ان حكومات يسار الوسط التي تسيطر على الحكم في الاتحاد الأوروبي, سوف تعطي أولوية متقدمة لسياسات زيادة فرص العمل وتخفيض معدلات في برامج الحملات الانتخابية التي انتخبت بموجبها تلك الحكومات. تأثير الوحدة النقدية منذ بداية تطبيق الوحدة النقدية, هناك اراء متفائلة بان تكون للوحدة النقدية اثار طيبة على شعوب الدول الاحدى عشرة المكونة لمنطقة اليورو, ولاشك في ان هناك مكاسب اقتصادية للوحدة النقدية, ولكن المشكوك فيه ــ على حد قول المحللين ــ هو توفر الظروف الاجتماعية الاقتصادية لتحقيق المنافع المقترحة من قيام منطقة نموذجية بعملة واحدة, وذلك دون معاناة او مصاعب, ويتوقع بعض المحللين حدوث صدمات لاسواق السلع والعمل, لان هناك شكا في قدرة سوق العمل في اوروبا لاعادة التنظيم والتشكيل على ضوء المنافسة الشديدة التي ستولدها الوحدة النقدية. وفي ظل غياب عنصر التحويل بين عملات مختلفة, وفي ظل معدل واحد للفائدة ــ فان قدرة المناطق المختلفة في الاحتفاظ بقدراتها التنافسية سوف تتوقف على تكلفة انتاج السلع محليا, ومع مضي الوقت ستعلن اسعار السلع بعملة واحدة في جميع انحاء دول الاتحاد الاوروبي, والمناطق التي تتسم قاعدة التكاليف فيها بعدم المرونة ستواجه دون شك ارتفاعا في اعداد العاطلين عن العمل, مع هجرة العمالة الى مناطق اخرى. ومن ناحية اخرى, تشير الدراسات الى ان الفوائد التي قد تتحقق من قيام الوحدة النقدية لن تتوزع بالمساواة على كل مناطق اوروبا, وبصفة خاصة المناطق النائية, لان المشكلة على مايبدو ان اسواق العمل في كثير من المناطق ليست بالمرونة الكافية بحيث تتواءم مع السياسات النقدية الحازمة للوحدة النقدية. وفي خلال العشرين سنة الاخيرة, كان ارتفاع البطالة بمعدلات غير متساوية, وكان الفرق بين معدلات البطالة في الاقاليم المختلفة لنفس الدولة اعلى من الفروق بين الدول الاعضاء في الاتحاد. وليس هناك من الشواهد ما يدل على اقتراب معدلات البطالة في المناطق المختلفة, حيث بقيت الفروق بين المناطق كما هي, مع احتفاظ المناطق الاعلى في البطالة على مر الزمن, وذلك على عكس الحال في الولايات المختلفة للولايات المتحدة التي تعتبر نموذجا للوحدة النقدية, حيث الفواصل غير الثابتة في مستوى البطالة بين المناطق المختلفة, لان اسواق العمل قادرة دائما على مواءمة المستجدات ومرنة بحيث تعيد تنظيم وتشكيل نفسها وفقا للمتطلبات, ويرى المحللون ان هناك بعض العوامل المسؤولة عن الفوارق بين المناطق المختلفة لاوروبا. اظهرت المقارنة بين اوروبا والولايات المتحدة, ان الاخيرة تمكنت خلال العشرين سنة الاخيرة من خلق عدة ملايين من فرص العمل الجديدة, وبمعدلات بلغت ثلاثة اضعاف المعدلات في الاتحاد الاوروبي, كما توضح المقارنات ان المناطق المختلفة في الولايات المتحدة قد حققت نموا في العمالة خلال نفس الفترة بمعدلات تتراوح ما بين 1 الى 4 في المائة في السنة, في الوقت الذي سجلت فيه بعض مناطق الاتحاد الاوروبي انخفاضا في العمالة, والقليل منها زاد معدل نمو العمالة فيها عن 1% في السنة. والعامل الاهم, هو تأثير تحرك القوى العاملة ما بين اسواق العمل في المناطق المختلفة, ففي الولايات المتحدة, يعتبر هجرة وحركة العمال بين المناطق المختلفة عنصرا اساسيا في ميكانيكية ضبط اسواق العمل في المناطق المختلفة, والاستجابة لصدمات الطلب على العمالة, والمشكلة في الاتحاد الاوروبي هو ان هجرة القوى العاملة بين المناطق المختلفة تتم بمعدلات منخفضة جدا مقارنة بالولايات المتحدة, بالاضافة الى ان تأثير حواجز اللغة والثقافة ستجعل معدل الحركة بين الاقاليم الاوروبية اقل بكثير بالمقارنة بالحركة بين اقليم الولايات المتحدة. الفرق في مستوى الاجور في المناطق المختلفة لاوروبا حيث يصل مستوى الاجور في المناطق الوسطية اضعاف المستوى في المناطق الخارجية. لذلك يميل المحللون الى الاعتقاد بان اسواق العمل في اوروبا تحتاج الى بعض الوقت للتكيف على المنافسة الشديدة التي ستشعلها الوحدة النقدية.