لقد بلغت الدول الصناعية الغربية ماشاء الله لها ان تبلغ من التقدم والتطور والنمو الصناعي المقترن بالتنمية الاقتصادية بشتى جوانبها الحضارية, ولقد اثبت لنا الاسلام منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم ان الحضارة ليست مادة فحسب , وان التنمية الاقتصادية الحقة هي تنمية الانسان بشخصه وبذاته وبفكره ومعتقداته, فالماديات تفنى وتزول والمعنويات والمبادىء هي التي تستمر وتدوم, وهذا بالفعل ما حدث للحضارة الاسلامية منذ بداية البعثة حتى انتشار الاسلام الى كافة دول العالم. فالاقتصاد اذا ليس مادة فحسب وانما هو مادة مقترنة بالروح (اي بالجانب المعنوي والروحي) هذه هي المبادىء التي يريد ان يرسخها ويثبتها فينا الاسلام, والتنمية الاقتصادية الحقة هي التنمية الشاملة التي تبنى على قاعدة عقائدية صلبة, والحضارة الحقة هي حضارة الروح وسمو الفكر الانساني ورقيه, فليست الحضارات في بناء وتشييد الطرق والمباني الشاهقة والمرافق الخدمية الاخرى والبنى التحتية على احدث الطرز فحسب وانما هذا يعتبر جانبا واحدا فقط من جوانب الحضارة, ويجب ان يقترن بالجانب المعنوي الاسمى منه الاوهو جانب بناء الانسان, فإذا لم يقترن الجانب المادي بالجانب المعنوي ظهر حينها الخلل الكبير الذي سيؤدي بلاشك الى انهيار تلك الحضارة التي لم تؤسس على قاعدة متينة. ان ذلك نراه يتكرر في حضارات الشعوب على مر التاريخ والازمنة, فالحق سبحانه وتعالى خلق الحياة في كل شيء من روح ومادة والروح بالطبع هي الاسمى وهي الدائمة لذا نجد ان الحضارات التي لم تخلق التوازن بين الجانبين كان مصيرها الانهيار, وهذا ما نراه يتكرر في منطقة البلقان حيث تغلب على الشعوب الاوروبية حضارة المادة الفارغة من الجانب الروحي, ان ما يحدث منذ سنوات في منطقة البلقان خير دليل عملي على اهتمام شعوب الارض بالمنطق الرأسمالي المحض, الا وهو منطق الحضارة المادية المفرغة من الجانب الروحي والمعنوي المبني على قاعدة عقائدية سليمة حيث ترى ان منطق المصالح الاقتصادية هو الذي يسود ومنطق العنصرية العرقية هو الذي يسود. اما منطق المبادىء والقيم الانسانية فلا وجود له بين تلك الشعوب, وهنا تظهر شريعة الغاب (اذا صح تسميتها شريعة) ويسود منطق القوة المادية وحب السيطرة والتسلط والتجبر. في وسط هذه الاجواء الحمراء الملتهبة وفي وسط هذه الجراح والمآسي الانسانية التي خلفتها الحضارة الرأسمالية الغربية تظهر الايادي البيضاء, انهم رسل السلام ورسل الانسانية, انهم اخواننا وابناؤنا في معسكر الامارات في كوكيس شمالي البانيا, انهم رسل الحضارة الانسانية في دولة الرفاه, تلك الحضارة التي وضع اسسها وشيد بنيانها صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان حفظه الله وربى ابناءه جميعا للايمان بتلك المبادىء الراسخة الثابتة التي لاتتغير ولا تتبدل بتبدل وتغير الظروف والمصالح, وذلك لانها مبادىء الحضارة الحقة التي استمدها من ديننا الاسلامي الحنيف, تلك المبادىء التي اعتنقها الاجيال على خطى ومنهجية سموه حفظه الله, تلك المبادىء التي شهدناها في بداية قيام الاتحاد وموقف سموه من حرب اكتوبر 1973م وشاهدناها تتكرر طوال عمر الاتحاد, وها نحن الان نشهدها على نطاق واسع, انها ليست مجرد مساعدات انسانية تطوعية وان كان ذلك احد اهدافها انها رسالة حقيقية الى كافة دول العالم من شرقه الى غربه ومن شماله الى جنوبه انها درس حقيقي للعالم, انها درس ورسالة في ان واحد تحمل في طياتها مبادىء راسخة تحاكي العقول والقلوب والوجدان لتقول للعالم اجمع ان الحضارة ليست مادة فحسب وانما الحضارة مادة وروح والروح هي الاسمى وهي الخالدة فكيف بالانسان يتمرغ في حمر النعم واخوه الانسان يتمرغ في حمر الدماء, لا والله انها ليست بحضارة فالحضارة للانسان ومن الانسان, ان الرقي بالانسان الى مستوى الانسانية الحقة لهو الحضارة الحقة ولهو التنمية الاقتصادية الشاملة, اما تنمية المصالح المادية المحضة فلا والله ماهي بتنمية وان سميت كذلك, فتحية لاخواننا في كوسوفو وتحية لكل آذان صاغية. د. محمد ابراهيم الرميثي