عندما يجري الحديث عن تشابه الهياكل الاقتصادية والصناعات الخليجية كعامل أساسي يحد من نمو المبادلات التجارية البينية فالأمر يصبح مقدرا نظرا لكون تنويع قاعدة الصادرات والتصنيع والخدمات القابلة للتصدير يتطلب جهدا ووقتا كبيرين, تتشابك معهما العديد من المعطيات الاقليمية والدولية ذات التأثير المباشر وغير المباشر. وبالتالي فإن العمل من أجل تنمية حصة هذه المبادلات إلى اجمالي المبادلات التجارية لدول المجلس يرتبط بصورة عملية بجهود التنسيق والتكامل الاقتصادي الخليجي ومحاولة ايجاد مزيد من الصناعات التكاملية والمشروعات الانتاجية المشتركة وولوج أنشطة تصديرية متطورة تتجاوز انتاج السلع التقليدية القائمة أساسا على النفط والبتروكيماويات. إن الجهود المرتبطة بهذه الخطوات سوف تسهم في خلق الاطار الموضوعي والقاعدة المادية لتنمية المبادلات التجارية البينية. الا انه وللأسف فإن الحديث لا يجري في الوقت الحاضر عن هذا المعوق الأساسي وإنما عن استمرار وجود بعض العقبات الاجرائية والتنفيذية التي تعوق تنمية المبادلات التجارية الخليجية البينية. فعندما يجري الحديث وبعد أكثر من 18 عاما على بدء مسيرة التعاون بظل مجلس التعاون الخليجي وقبلها أعوام مماثلة من العمل التعاوني الاقليمي ــ عن معوقات مثل اجراءات التأهيل للاعفاء الجمركي للمنتجات الوطنية والاختلاف حول معايير القيمة المضافة بالاضافة إلى تفاوت الاجراءات الجمركية ومعوقات النقل, نرى انها معوقات طال الحديث عنها لأكثر من سبع سنوات حاليا وان بقاءها حتى الآن لا يعني سوى شيء محدود وهو ان المصالح الذاتية لا تزال تتغلب على نزعة التعاون والتكامل الاقتصادي الخليجي. ويجب ألا يفهم من كلامنا هنا اننا نعارض أو نقلل من أهمية مراعاة المصالح الوطنية لكل بلد خليجي, بل على العكس نحن نفترض ان التكامل الاقتصادي الخليجي عندما يأخذ مداه البعيد والاستراتيجي سوف يمثل المدخل الأمثل لحماية المصالح الوطنية لكل بلد خليجي, لذلك فإننا نعتقد ان التمسك المغالى به بالمصالح الذاتية لا يأخذ بالاعتبار تلك الحقيقة وإنما ينظر لما يحققه الحاضر فقط من مصالح آنية دون النظر إلى ما يحمله المستقبل من مخاطر على الجميع. ولسنا بحاجة إلى ضرب الكثير من الأمثلة على دول أكبر في حجمها ومواردها عشرات المرات من دولنا, مع ذلك سارعت بالدخول في تجمعات اقتصادية اقتضى منها التنازل عن بعض المصالح الآنية والقصيرة من أجل تحقيق مكاسب استراتيجية طويلة الأجل. لذلك لابد من العمل من أجل تجاوز هذه العقبات بشكل جماعي تمهد الطريق للنمو الطبيعي والسريع للمبادلات التجارية البينية خصوصا إذا ما أخذنا بالاعتبار ان الصناعات الوطنية الخليجية تعتبر صناعات وليدة وبحاجة إلى تشجيع ودعم, والأحرى أن تجد هذا الدعم والتشجيع في الأسواق الخليجية قبل غيرها من الأسواق. ومن المفيد أن ننوه هنا إلى بعض من الاجراءات التي من شأنها أن تسهم في تنمية المبادلات التجارية البينية. ومن بين هذه الاجراءات مواصلة توسيع قاعدة المواطنة الاقتصادية من خلال السماح بممارسة مزيد من الأنشطة والمهن لمواطني دول المجلس لان هذا التوسع يعني توحيد الأنظمة والقوانين وتنقل العمالة والاستثمارات هذا جميعه يسهم في تعزيز القاعدة المادية لتنمية المبادلات التجارية. كذلك فإن اقامة المزيد من المعارض الوطنية والمشتركة الخليجية للتعريف بالصناعات والخدمات الخليجية يسهم في تعزيز ثقة المستهلك الخليجي بصناعاته الوطنية. ومن الأنظمة والتشريعات التي يتوجب النظر في توحيدها من أجل تنمية المبادلات التجارية الخليجية هي تلك المتعلقة بالوكالات التجارية والقوانين التجارية وقوانين الاستثمار ومزاولة المهن وصيانة حقوق الملكية وبراءة الاختراع. إن السماح للمنتجين الخليجيين بتعريف منتجاتهم في الأسواق الخليجية الأخرى دون الحاجة إلى وكيل محلي من شأنه أن يسهم بصورة ايجابية في هذا الشأن. كما ان اقامة مشروعات مشتركة في مجال النقل البري والبحري واعطاء التسهيلات الضرورية لهذه المشروعات ومعاملتها كمشروعات وطنية من شأنه أن يسهم بصورة فاعلة في تقليص الفروقات في أسعار السلع الوطنية في أسواقها الوطنية والأسواق الخليجية الأخرى. ومن القضايا التي لا تزال قيد الدراسة والمعالجة على الرغم من مضي فترة طويلة على الدعوة إليهما هي توحيد أسعار صرف العملات الخليجية والسماح للبنوك الخليجية بفتح فروع لها في الدول الخليجية الأخرى. إن أهمية توحيد أسعار صرف العملات الخليجية في تشجيع قيام المشروعات المشتركة هي واضحة ولا تخفى, حيث ان تقلبات أسعار صرف هذه العملات فيما بينها, وبينها وبين العملات العالمية الرئيسية تثير مخاوف المصدرين والمستوردين الخليجيين فيما بينهم وتدفعهم لتحمل أعباء ونفقات اضافية لحماية أوضاعهم ازاء مخاطر تقلبات أسعار العملات. إن وجود نظام جماعي لتحرك أسعار العملات الخليجية أمام بعضها وفي نطاق متفق عليه من شأنه الاسهام في تحديد وتقليص تلك المخاطر.