لقد أصبح دورنا كمجموعة البنك الدولي مع صندوق النقد الدولي أكثر وضوحا, إذ تتولى هذه المؤسسة الشقيقة بصورة عامة مسؤولية تثبيت أوضاع الاقتصاد الكلي في الدول الأعضاء ومسؤولية المراقبة . أما نحن فنتولى مسؤولية الجوانب الهيكلية والاجتماعية في عملية التنمية. ومن الواضح أن هذين الدورين ليسا معزولين أحدهما عن الآخر, ونحن نعمل معا بصورة وثيقة للغاية على أساس يومي. وتشبه هاتان الوظيفتان الشهيق والزفير. فوجود إطار اقتصادي كلي ملائم أمر ضروري لعملنا, ولكن الأهداف الاجتماعية والهيكلية والبشرية التي نشترك فيها مع بنوك التنمية الإقليمية, ومع هيئات منظـومـة الأمم المتحدة, ومع الشركاء الآخرين العاملين في مجالات التنمية ضرورية لصندوق النقد الدولي الذي ليس بوسعه أن يصف العلاجات, وهو لا يصفها, من فراغ. وينبغي علينا معا أن نعمل لتحقيق آمال وطموحات شعوب الدول الأعضاء في المؤسستين الشقيقتين, وإلا لما كان بوسع هذه الدول المتعاملة معنا تحقيق أهدافها في جو من السلام والاستقرار. وعلينا معا أن نساند وأن نتعاون مع منظمة التجارة الدولية البالغة الأهمية بالنسبة للترتيبات التجارية ولمستقبل الدول الأعضاء في المؤسستين. إنني عندما أفكر في إطار انمائي لبلد ما وللمناطق, تخطر ببالي ميزانية عمومية ذات جانبين, ففي الجانب الأيسر توجد بنود الاقتصاد الكلي, شاملة التقارير التي يصدرها صندوق النقد الدولي بموجب المادة الرابعة من اتفاقية إنشائه, وحسابات الدخل القومي, وإحصاءات ميزان المدفوعات والميزان التجاري, وكل التحليلات المالية والاقتصادية التي تشكل صميم نظام التقويم الحالي المعتمد لدينا. وكلنا معتادون على الاستشهاد بإحصاءات إجمالي الناتج المحلي, وأسعار الفائدة, وإحصاءات الاحتياطيات, وإحصاءات نسب النمو المئوية, وسواها باعتبارها أساس السياسات النقدية والمالية. واستنادا إلى تحليل هذه المعلومات, يمكن أن نقرر ما إذا كان بلد ما يدخل ضمن المجموعة الأولى أو المجموعة الثانية, أو أنه بلد مؤهل للاقتراض من المؤسسة الدولية للتنمية, أو أنه من البلدان المؤهلة للاستفادة من مبادرة تخفيض ديون البلدان الفقيرة المثقلة بالديون, فهذه هي اللغة التي يرتاح لها وزراء المالية, والتي نستخدمها جميعا لاتخاذ القرارات. غير أن هناك حاجة واضحة لجانب ثان, يعكس بصورة أكثر كفاية إطارا تحليليا يعرض الجوانب الهيكلية والاجتماعية والبشرية. وينبغي أن يتجاوز الإحصاءات المألوفة عن وفيات الأطفال والأمهات والبطالة وعدد الأطفال الملتحقين بالمدارس, ليتناول القضايا الأساسية البعيدة الأمد الخاصة بهيكل ونطاق وجوهر التنمية الاجتماعية. وعلى نقيض التحليل الاقتصادي الكلي الذي يجمع كل الأشياء معا في صيغة موحدة مألوفة, فإننا نحن العاملين في ميادين التنمية كنا أقل نجاحا في تقديم عرض يسير التفسير يعبر عن أوضاع العمل الهيكلي والتقدم الاجتماعي المحرز. وليس هذا مستغربا, نظرا لأن المؤسسات المتعددة والثنائية الأطراف على السواء مقيدة بحجم الموارد والخبرة العملية ونطاق الوصول, وما من أحد يتولى المسؤولية الشاملة عن هذا سوى حكومة البلد المعني, فالحكومات مسؤولة عن وضع كل الجوانب مع بعضها في استعراض عام للعناصر اللازمة لتحقيق النمو وتخفيف حدة الفقر. ولكننا نعلم أن بعض الحكومات التي نقدم لها الخدمات ليست لديها القدرة على فعل ذلك, أو الموارد اللازمة, بل وأحيانا الإدارة المطلوبة. فهل هناك الآن إطار عرض متفق عليه؟ كما نعرف إننا كفاعلين في مجال التنمية لسنا معتادين على العمل معا في انسجام, فلا منظومة الأمم المتحدة ولا المؤسسات المتعددة الأطراف معتادة على العمل مع الهيئات الثنائية ولا المنظمات غير الحكومية معتادة على العمل مع القطاع الخاص, ومن المؤكد أننا نتعاون الآن أكثر من ذي قبل. غير أنه لاتزال هناك شكوك وضغائن تاريخية وتصورات خاطئة عديدة. ومن الضروري إنشاء إطار عام وشامل ـ نهج متفق عليه مع الحكومات المعنية ـ يمكننا جميعا من العمل معا لتحقيق الهدفين المتمثلين في تخفيف حدة الفقر والمحافظة على البيئة. ويجري حاليا تحليل في الحكومات وخارجها, وفي العديد من مؤسسات البحوث ومؤسسات القطاع الخاص, وفي الصحافة والحوار العام, بشأن كيفية تغيير النظام المالي والاقتصادي العالمي, والدور الذي ينبغي على مؤسستي بريتون وودز أن تسهما به. وأعتقد شخصيا أنه مع ضرورة إدخال بعض التغييرات, التي تشمل توسيع نطاق المعلومات المالية وزيادة وضوحها وشفافيتها, فإن النظام الدولي الأساسي الحالي قد خدم أغراضنا بدرجة كبيرة. ومن الممكن بلاشك تدعيمه وتقويته, وإنني على يقين من أن اقتراحات عديدة ستقدم في هذا الصدد. يبرز إطار التنمية الشامل الذي أقترحه صورة أكثر شمولا للتنمية. فليس بوسعنا اعتماد نظام تبحث في إطاره الجوانب الاقتصادية الكلية والمالية بصورة منفصلة من الجوانب الهيكلية والاجتماعية والبشرية, والعكس بالعكس, وإدماج كل من هذه الموضوعات على المستوى الوطني وفي ما بين الفاعلين على المستوى العالمي أمر مهم. لكن ما هي المتطلبات الأساسية الهيكلية والاجتماعية والبشرية اللازمة لموازنة الاعتبارات الاقتصادية الكلية؟ هناك قائمة ينبغي أن نفحصها ونختبرها في الفترة المقبلة التي تتراوح بين اثني عشر شهرا وثمانية عشر شهرا. ومن الواضح أنه ليس من الممكن محاولة تحقيق كل الأهداف في آن واحد, ولا ينبغي أن يصبح هذا الإطار قيدا معيقا. فنحن في حاجة إلى المرونة للتكيف مع الأوضاع المتباينة في كل بلد. وستكون هناك حاجة لتحديد الأولويات, والتنفيذ المتدرج للإجراءات في ضوء القدرات المالية والبشرية, وعلى أساس التسلسل اللازم للوصول إلى أهدافنا. ولكن مع مرور الوقت, يجب معالجة كل المتطلبات الأساسية في إطار متكامل من أجل تحقيق التنمية المستقرة والمنصفة والقابلة للاستمرار. ومن بين الأسباب الداعية لوضع هذا الإطار الشامل المتكامل أنه يمكننا من التفكير بصورة أكثر استراتيجية بشأن تسلسل السياسات والبرامج والمشروعات, وتحديد سرعة تنفيذ الإصلاحات, ومع أن النهج الشامل يؤكد على أنه يجب علينا التحرك على كل الجبهات, إلا أنه يجب اتخاذ خطوات معينة قبل غيرها. وبعض الأمثلة ضرورية لإيضاح ما أعني. فالحقيقة أن نجاح معظم المشروعات يتوقف على العديد من الفرضيات الخارجة عن نطاق المشروع نفسه. فبناء مدارس جديدة لن يكون مفيدا من دون وجود طرق توصل الأطفال إلى المدارس, ومن دون وجود معلمين مدربين وكتب وتجهيزات. كما أن إنشاء بنوك ومؤسسات مالية من دون وجود نظام مصرفي خاضع للإشراف يؤدي إلى الفوضى. والمبادرات الرامية لإحراز تقدم في إيجاد فرص المساواة للمرأة لن تكون ذات جدوى إذا كان على النساء قضاء العديد من الساعات كل يوم في حمل الماء النظيف أو البحث عن الوقود وجمعه للطبخ. وخصخصة شركات ومؤسسات القطاع العام قبل إنشاء الإطار التنظيمي الفعال وادخال المنافسة يمكن أن يكون سببا لكارثة, فقد لا تتحقق على الاطلاق المنافع المتمثلة في تخفيض الأسعار الاستهلاكية وكثيرا ما سعينا في الماضي لتحقيق الأهداف (السهلة) معلنين أننا سنعالج القضايا الأكثر صعوبة (المؤسسية غالبا) فيما بعد. وعندما فعلنا ذلك, لم نتمكن من إدراك أوجه التكامل الأساسية. وعلى نقيض ذلك, فإن استراتيجية العمل الجيدة تسعى لتحديد مواقع الاختناقات ـ أي المشكلات التي يصعب حلها وتشكل عائقا أمام تحقيق النجاح ـ وتبدأ بالتصدي لهذه المشكلات أولا قبل كل شيء. وعلينا أن نتعلم تطبيق هذه الدروس من أجل التصدي للفقر وتحقيق التنمية. رئيس البنك الدولي