تعتبر الميزانية العامة من اهم الادوات التى تستخدمها الحكومات لتحقيق اهدافها الاقتصادية والاجتماعية من خلال توجيه موارد المجتمع لتحقيق هذه الاهداف ويعنى مفهوم الميزانية او الموازنة العامة التقديرات الخاصة بايرادات الدولة ونفقاتها خلال سنة من السنوات . وعلى ضوء ذلك لابد من الاشارة الى الميزانية الاتحادية فى دولة الامارات العربية المتحدة لاتعبر عن حقيقة النشاط الاقتصادى والاجتماعى فى الدولة وذلك لوجود سبع موازنات اخرى الى جانبها هى موازنات الامارات السبع التى يضمها الاتحاد. لهذا فقد لجأت الجهات المعنية وفى مقدمتها مصرف الامارات المركزى الى اعداد حساب مالى موحد لدولة الامارات تستمد بياناته من الحكومة الاتحادية والدوائر المحلية الاخرى لكى يكون هذا الحساب معبرا حقيقيا عن النشاط الاقتصادى فى الدولة. فقد ارتفعت الايرادات العامة فى هذا الحساب على سبيل المثال الى 4ر46 مليار درهم فى عام 1992 ثم عادت فأنخفضت الى 5ر42 مليار درهم فى عام 1995 ثم ارتفعت فى عام 1997 الى 6ر56 مليار درهم. بينما ارتفعت النفقات العامة بصورة مضطردة من 4ر51 مليار درهم فى عام 1992 الى 1ر62 مليار درهم فى عام 1995 ثم الى 8ر73 مليار درهم فى عام 1996 ثم عادت فانخفضت الى 6ر63 فى عام 1997. ويقسم الحساب المالى الموحد الايرادات الى نوعين ايرادات ضريبية بلغت نسبتها 7ر17فى المائة من اجمالى الايرادات وايرادات غير ضريبية بنسبة 3ر82 بالمائة من اجمالى الايرادات. اما الميزانية الاتحادية فقد زادت نفقاتها العامة من 4ر21 مليار درهم عام 1998 الى 9ر22 مليار درهم فى عام 1999 بزيادة 1ر7 بالمائة بينما زادت ايرادات الموازنة العامة للاتحاد من 6ر19 مليار درهم الى 4ر20 مليار درهم خلال الفترة نفسها. وارتفع العجز فى الحساب المالى الموحد للدولة من نحو 5 مليارات درهم عام 1992 الى 6ر22 مليار درهم فى عام 1996 ثم انخفض بحده الى 9ر6 مليارات درهم فى عام 1997 وتم تمويل القسم الاعظم من العجز 4ر91 بالمائة من عوائد الاستثمارات الحكومية فى حين مول الباقى من صافى الودائع الحكومية لدى المصارف العاملة فى الدولة. اما العجز فى ميزانية الحكومة الاتحادية فقد بلغ 482ر2 مليار درهم فى ميزانية 1999 مقابل 758ر1 مليار درهم فى عام 1998. وعلى الرغم من ان عجز الموازنة ظاهرة عامة فى الموازنات الخليجية فقد تمكنت دولة الامارات من معالجة هذا العجز الذى يرتبط بتقلب العائدات النفطية بين عام واخر وهو ما يؤكد اهمية تنمية القطاعات الاقتصادية غير النفطية وتنمية دور القطاع الخاص فى التنمية الاقتصادية حيث سيعوض ارتفاع حجم الانفاق الخاص جانبا من الانفاق الحكومى مما يساهم فى استقرار الاوضاع الاقتصادية. وقد اظهرت الحسابات الختامية بأن العجز المقدر قد تحول الى فائض فى العديد من السنوات الماضية وقد اظهر الحساب الختامى للميزانية الاتحادية تحقيق فائض بلغ 2090 مليون درهم فى عام 1992 ونحو 53 مليون درهم فى عام 1993 ونحو 547 مليون درهم فى عام 1994 بينما ارتفع الفائض فى الميزانية العامة الاتحادية لعام 1996 الى 6ر3 مليارات درهم مقابل عجز فعلى بلغ 939 مليون درهم فى عام 1995 كما تحقق فائض بلغ 439 مليون درهم فى النصف الاول من عام 1997. ويعزى الفائض الذى تحقق الى الزيادة فى الموارد الذاتية للميزانية والى تراجع النفقات الجارية (الدعم والتحويلات) . ويتضح من ذلك بأن العجز المقدر فى الميزانية العامة للاتحاد خلال العام الحالى 1999 وان بدا كبيرا او قياسيا فانه من الناحية الفعلية قد يتحول الى فائض اذا طرأ تحسن ملموس على اسعار النفط وفى جميع الحالات سيتم تغطية هذا العجز من عوائد الاستثمارات الحكومية او من السحب من صافى الودائع الحكومية لدى المصارف العاملة فى الدولة لهذا فان تقديرات البعض باحتمال تأثير العجز على تنمية البنية التحتية الاتحادية والنشاط الاستثمارى لا يستند الى تحليل ومعرفة كافية بحقيقة الاوضاع المالية فى الدولة من الناحية الفعلية ويعتقد بأن دولة الامارات لن تلجأ الى معالجة هذا العجز بالاقتراض المحلى او الخارجى كما لم تلجأ الى ذلك فى الماضى كما لجأت الى ذلك بعض الدول الخليجية الاخرى لاسيما وان دولة الامارات بصفة عامة وامارة ابوظبى بصورة خاصة تملك عائدات اضافية من الاستثمارات بالخارج مما ينفى اى تأثير سلبى لعجز الموازنة. وقد أوضح معالى الدكتور محمد خلفان بن خرباش وزير الدولة لشؤون المالية والصناعة المعالم الاساسية للسياسة المالية للدولة من خلال استعراض وتحليل اعتمادات الميزانية فى المؤتمر الصحفى الذى عقده الاثنين الماضى بقصر الخبيرة حيث اعطت دولة الامارات العربية المتحدة اهتماما خاصا للسياسة المالية ضمن سياسة النهضة الشاملة للاقتصاد الوطنى بسبب الدور الذى تلعبه هذه السياسة فى تحقيق الاستقرار الاقتصادى والاجتماعى. وقد عكست اولويات الميزانية عدم المساس بالخدمات الاساسية المقدمة من وزارات الدولة من خلال رفع كفاءة الانفاق فى الوزارات ورفع نسبة تنفيذ المشروعات الاتحادية وزيادة اعتمادات المشروعات الخاصة بالتنمية الاتحادية وتوفير السكن الملائم للاسر المواطنة من خلال تخصيص موارد كافية لمشاريع الاسكان ثم الاهتمام بالتعليم وتنمية الموارد البشرية. ويلاحظ من تحليل ارقام ميزانية العام الحالى 1999 والميزانيات العامة لعدة سنوات سابقة امر على قدر كبير من الاهمية وهو ان ايرادات الميزانية الاتحادية تتكون من موارد ذاتية تأتى من الضرائب والرسوم وارباح الشركات التى تملكها او تساهم فيها الحكومة الاتحادية وموارد الوزارات الاتحادية ومن اهمها مؤسسة الامارات للاتصالات (اتصالات) والمصرف المركزى او من موارد الامارات ويعنى به مساهمة الامارات النفطية بنصف دخلها من النفط. وهنا نلاحظ امرين الاول هو استمرار ارتفاع الموارد الذاتية للميزانية من نحو 2 بالمائة من الايرادات فى اول ميزانية اتحادية عام 1972 الى 33 بالمائة فى ميزانية 1999 وقد ارتفعت من 3250 مليون درهم عام 1994 الى 4541 مليون درهم عام فى ميزانية 1995 ثم الى 5187 مليون درهم فى ميزانية 1996 ثم وصلت الى 5946 مليون فى عام 1998 ثم قفزت الى 6739 مليون درهم فى عام 1999 بينما نلاحظ على العكس من ذلك فان ايرادات الامارات لم تتغير خلال هذا العام وتعرضت فى اعوام سابقة الى التأرجح بسبب عدم استقرار اسعار النفط صعودا وهبوطا. ويعطى هذا مؤشر هام على ان زيادة الايرادات الذاتية للميزانية العامة عامل هام للغاية فى توفير استقرارها وبالتالى صدورها فى الموعد المحدد اللازم لاصدارها ولتأمين ذلك اقترح عدد من اساتذة جامعة الامارات القيام باجراءات جديدة هدفها زيادة الروافد التى تغذى الموارد الذاتية للميزانية منها ما اقترحه الدكتور محمد ابراهيم رابوى المدرس بجامعة الامارات قسم الاقتصاد وضع ضريبة ارباح على الشركات والمصانع التى تستغل الموارد الاقتصادية المحلية ويمكن البدء بهذه الضريبة بنسبة تتراوح بين 2 الى 3 بالمائة بينما اقترح الدكتور هادف راشد العويس عميد الدراسات العليا بالجامعة زيادة الضرائب على البنوك وشركات التأمين وجميع المؤسسات التجارية بالدولة لانها تستفيد من المبالغ الضخمة التى تنفقها الدولة بالوزارات الخدمية. وطالب بجعل الرسوم الجمركية اتحادية وليست محلية والتى تقدر حاليا بنحو مليارى درهم لاسيما وان الدستور يؤكد على اتحادية الرسوم الجمركية فى الدولة. وكان عدد اخر من الخبراء الاقتصاديين قد اكدوا فى فترات سابقة اهمية بداية وضع نظام ضريبى على الاعمال ولهذا تنتظر الاوساط الاقتصادية خطوة هامة لتعزيز النظام المالى فى دولة الامارات. ويلاحظ ايضا بأن الزيادة الكبيرة فى مصروفات مشروع الموازنة والتى بلغت 1517 مليون درهم وبنسبة 1ر7 بالمائة عن عام 1998 قد جاءت على انخفاض العائدات البترولية والذى استمر طيلة عام 1998 والربع الاول من العام الحالى بسبب تدنى اسعار البترول والاوضاع المضطربة فى السوق البترولية الدولية . ومن المتوقع ان تصدر الميزانية فى موعدها الملائم فى مطلع العام المقبل لاسيما اذا شهدت السوق البترولية استقرارا افضل مما هو عليه الان بحيث يلعب التنسيق بين وزارة المالية والصناعة من جهة وبين وزارة التخطيط والوزارات والمؤسسات الاخرى دورا حاسما فى الوصول الى هذا الهدف. كما تعتبر المشروعات الجديدة التى تضمنتها الميزانية العامة للعام الحالى ونسبة تنفيذها من ابرز ملامح الميزانية الجديدة حيث ارتفع ما اعتمد للمشروعات من نحو 1007 ملايين درهم عام 1996 بنسبة تنفيذ 53 بالمائة الى 1343 مليون درهم بنسبة تنفيذ ارتفعت الى 72 فى المائة وبلغ ما اعتمد للمشروعات فى العام الحالى 1877 مليون درهم بنسبة زيادة 39 بالمائة عن المدرج فى عام 1988. بقلم- جميل الجندي