مع التغيير الجديد في الحكومة الروسية وعزل رئيس الوزراء يفجيني بريماكوف وتعيين سيرجي ستيباشين يدخل الاقتصاد الروسي مرحلة جديدة من الغموض وانعدام الرؤية والتخبط بين وعود سابقة لم تنفذ وخطط لم يشرع في تنفيذها ووعود جديدة لا أمل في تحقيقها وخطط لن يسعف الحكومة الجديدة الوقت للبدء فيها, خاصة وأن العد التنازلي لكل من السلطة التنفيذية والتشريعية في روسيا قد بدأ, ولم يتبق للرئيس يلتسين وللبرلمان الروسي في الدورة الحالية أكثر من بضعة شهور, وسوف يعقب الانتخابات المقبلة تغييرات جذرية في مختلف نواحي الحياة السياسية والاقتصادية في روسيا, وفي غمرة الصراع والسباق الذي بدأ من الآن على السلطة والاستعداد للانتخابات لايوجد وقت لا لدى البرلمان ولا الرئيس ولا حتى لدى الحكومة الجديدة للبحث أو الاهتمام بالمشاكل الاقتصادية ولا المعاناة القاسية للشعب الروسي الذي وصلت نسبة 65% منه الى حد الفقر, في الوقت الذي ما زال أكثر من عشرين مليون مواطن روسي حتى الآن لم يتقاضوا رواتبهم الشهرية وأجور عملهم عما يقرب من عشرة شهور مضت, ولا يعلم أحد كيف يعيش هؤلاء الآن. ويأتي عزل بريماكوف مثيرا لتساؤلات عديدة خاصة بعد تصريح الرئيس يلتسين بأن سبب العزل ينحصر في ان بريماكوف نجح في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والسياسي لكنه فشل في تحريك عجلة الاقتصاد الروسي خطوة للأمام, هذا السبب الذي صرح به الرئيس يلتسين لم يصدقه أحد لافي روسيا ولا في خارجها, خاصة وانه قبل صدور قرار العزل ببضعة أيام حققت حكومة بريماكوف انجازا اقتصاديا كبيرا لم يكن أحد يتوقعه, ولم يسبق لحكومة أخرى في روسيا ان حققت مثل هذا الانجاز وبهذه السرعة, فقد استطاع بريماكوف بعد مداولات قصيرة أن يحصل على موافقة صندوق النقد الدولي بمنح روسيا حصة من القرض الكبير مقدارها 4.3 مليارات دولار يبدأ تسليمها في يوليو المقبل, وصرح رئيس الصندوق (ميشيل كامديسيو) بان الاتفاق مع بريماكوف يعد انجازا طيبا, ويأمل أن تستمر الحكومة الجديدة في الالتزام بنفس الشروط الذي وعدت حكومة بريماكوف بالالتزام بها. كما صرح رئيس الحكومة الجديدة (ستيباشين) بأنه سوف يلتزم مع الصندوق بكل الشروط التي التزم بها بريماكوف, هذا الانجاز الذي حققته حكومة بريماكوف التي وصفها الكثيرون بأنها حكومة (حمراء) لا سبيل لها للتفاهم مع المؤسسات المالية الدولية يبطل ما صرح به الرئيس يلتسين كسبب لعزل بريماكوف, والواقع ان التفكير في عزل بريماكوف بدأ منذ بداية مارس الماضي, وخاصة عندما شرعت حكومة بريماكوف في حملتها الهجومية الشرسة على أباطرة المال والمافيا والفساد الاداري وبعض أصحاب المليارات والملايين من رجال البنوك, وقد شملت الحملة شخصيات حكومية سابقة, مثل الهجوم على رئيس البنك المركزي الروسي السابق سيرجي دوبينين الذي تتهمه الحكومة الروسية بتضييع ما يقرب من مليار دولار من أموال البنك على مدى العامين ,97 1998 وقدمت الحكومة للنائب العام وثائق ومستندات تثبت وجود تعاملات سرية من أموال البنك المركزي, وخروج ودخول لهذه الأموال بدون أسباب واضحة, وايداعات لها في بنوك مشبوهة, تشكل ودائع لمدد زمنية محدودة. كما شملت الحملة الهجومية لحكومة بريماكوف اثنين من أباطرة المال الروس من اليهود وهم رجل الأعمال الشهير (بوريس بيرزوفسكي) والثاني (الكسندر سمولينسكي) والاثنان متهمان في جرائم مال وفساد اداري وحكومي, وتقدم النائب العام الروسي بطلب لجهاز البوليس الدولي (الانتربول) للقبض على الاثنين ويقال ان بيرزوفسكي الذي عاد الى روسيا مؤخرا ليواجه الاتهامات الموجهة اليه ساهم بدور كبير في عزل بريماكوف خاصة عن طريق علاقاته الوطيدة بأسرة الرئيس يلتسين وخاصة ابنته الكبرى (تاتيانا) التي تحوم حولها الشبهات في قضايا فساد اداري وتهريب كميات كبيرة من الأموال للخارج, وتسهيل عمليات استيلاء بعض رجال الأعمال المشبوهين في روسيا على قطع أراض وعقارات كثيرة من روسيا بأسعار زهيدة أقل من قيمتها بعشرات المرات. وتطورت حملة حكومة بريماكوف الهجومية لتشمل الرئيس يلتسين وعائلته, وذلك بعد ان صرح النائب العام الروسي (يوري سكوراتوف) بأن تحت يده ملف مستندات من ألفي صفحة يثبت ضلوع أفراد من عائلة يلتسين في عمليات تلاعب في أموال الدولة وتهريبها للخارج بالتعاون مع بعض أفراد الحكومات الديمقراطية السابقة وبعض رجال الأعمال الروس, وبعد هذا التصريح أصدر الرئيس يلتسين قراره بعزل النائب العام سكوراتوف, وهو القرار الذي اعترض عليه البرلمان الروسي والمجلس الفيدرالي الاتحادي, وبقي النائب العام في منصبه وما زالت تحت يده الوثائق التي تدين أسرة الرئيس يلتسين. كل هذا الهجوم وبريماكوف لا يحرك ساكنا, ولا يعترض على أي هجوم على الرئيس يلتسين الذي أتى به رئيسا للحكومة, وهو الأمر الذي في رأي البعض جعل الرئيس يشك تماما في مدى اخلاص بريماكوف له, وجعله يتصور وجود مؤامرة كبيرة تدبر له ويلعب فيها بريماكوف دورا كبيرا في الخفاء, وأن هذه المؤامرة سوف تكتمل بعد أن ينجح بريماكوف في اقناع المجلس الاتحادي بأن يلتسين قد انتهى والآوان قد آن لوضعه على (المقصلة) وهو الأمر الذي كان يسير فيه مخطط الغالبية الشيوعية في البرلمان من خلال اجراءات العزل التي كانوا يعدونها للرئيس يلتسين, والتي كانت تتوقف على موافقة المجلس الأعلى الاتحادي عليها, وكانت هذه المهمة في رأي البعض موكولة الى بريماكوف. كل هذه الأمور مجتمعة هي التي عجلت بقرار الرئيس يلتسين بعزل بريماكوف حتى يضرب رأس الأفعى على حد تعبير صحيفة (الفايننشال تايمز) قبل أن تمتد وتلدغه هو وتقتله بسمها بعد أن تثبت تورطه هو وأسرته في قضايا الفساد والتهريب, وتضع نهاية مأساوية لحياته السياسية والاجتماعية. وسواء صدقت أم كذبت كل هذه التوقعات والاعتقادات فإن قرارعزل بريماكوف في رأي الكثيرين لم يقض على بريماكوف الذي زادت شعبيته أكثر بعد عزله بدون أسباب منطقية وجعلته من أكبر المرشحين لخلاف الرئيس يلتسين في العام المقبل. الضحية الاقتصاد أما المتضرر الأكبر من التغيير الحكومي في روسيا فهو الاقتصاد الروسي الذي دخل مع هذا التغيير مرحلة غموض جديدة ان لم يكن لها تأثير مباشر في الخطط وبرامج الاصلاح فإنها بالقطع سوف يكون تأثيرها كبيراً على الاستثمارات وعلى المساعدات المالية المقبلة لروسيا من الخارج, حيث يعكس هذا التغيير الوزاري الذي يعد الثامن من نوعه حسب الترتيب على مدى السبع سنوات من حكم الرئيس يلتسين يعكس مدى توتر الأوضاع الداخلية في روسيا وعدم استقرارها, وهو الأمر الذي يضعف الثقة بشكل كبير لدى الاستثمارات الأجنبية ومؤسسات الاقراض المالي التي لن تتحمس للتوجه الى روسيا في المستقبل القريب, ومن المؤكد ان فترة تردد الاستثمارات الأجنبية والمساعدات والقروض الدولية واحجامها عن التوجه الى روسيا سوف تمتد الى ما بعد الانتخابات البرلمانية وانتخابات الرئاسة المقبلة في نهاية العام المقبل, ولن يحول دون ذلك حسن سمعة رئيس الوزراء الجديد (ستيباشين) أو حسن نيته أو وعوده بالاستمرار في الاصلاحات الاقتصادية والالتزام بشروط صندوق النقد الدولي. وهكذا يمكن القول ان الرئيس يلتسين بقراره عزل بريماكوف قد قضى على آخر بادرة أمل للنهوض بالاقتصاد الروسي حتى نهاية هذا القرن. كتب - مغازي البدراوي