تعتبر العلاقة بين المقاول والاستشاري والثوابت التي تحكمهما عنصرا مهما ومجالا خصبا يتسع لكل الآراء, اضافة الى ان قطاع المقاولات وما يواجهه من مشكلات يستحق أكثر من حديث, وفي هذا الاطار نشرت (أخبار المقاولين) في عددها الأخير حوارا مع دكتور مهندس ابوعبيدة عثمان عمر الذي يعمل مهندسا مقيما بمكتب دروش كونسلت للاستشارات الهندسية بأبوظبي ومشرفا على قسم العقود وتقييم المطالبات وتقييم حساب الكميات ومراجعة الدفعات الشهرية للمقاولات. مشكلات قطاع المقاولات وردا على سؤال عن المشكلات التي يعاني منها القطاع, قال: ان قطاع المقاولات يعتبر المعبر الهام في ترجمة كل المخططات والتصاميم الهندسية والفنية الى واقع حيوي ملموس تستفيد منه الدولة في دفع عجلة التقدم الى الامام الا ان المشكلات التي تعتري هذا القطاع قد أصبحت من الهواجس التي ينبغي مواجهتها وايجاد الحلول العلمية لها, فمن ضمن المشكلات التي يعاني منها هذا القطاع على سبيل المثال ان بعض المقاولين من حيث الجودة في الأداء يعتبر على درجة أقل من المطلوب وذلك عندما نقارنه بالمعايير العالمية وهذا يعود في رأيي الى عدة عوامل نذكر منها على سبيل المثال: ــ سوء أو عدم وجود مهارة كافية في الادارة والجودة الداخلية لشركات المقاولات. ــ تعيين عمالة غير ماهرة أو شبه ماهرة في تنفيذ المشاريع. ــ التجاوزات التي تحدث في المواصفات تقليلا للتكلفة المالية وذلك حتى لا يتعرض للخسارة المادية. ــ تجد المقاول لا يضع التسعيرة الصحيحة لدى حسابه للكميات عند تقديم العطاء وهذا بالطبع يؤثر سلبا على جودة المشروع. وعليه فإن دور الجهات المستفيدة من هذه المشاريع أو المعنية (السلطات الحكومية أو شبه الحكومية) هو وضع لوائح وضوابط محكمة كي تحول دون ان يفكر المقاول في تجاوز المواصفات المنصوص والمتفق عليها في العقد, وكذلك اجراء مراجعة مستمرة من وقت لآخر للتأكد من مواكبتها للتطور المضطرد في عالم المقاولات. أسعار النفط * الى أي مدى أثر انخفاض أسعار النفط على أداء قطاع الانشاءات في الدولة؟ ــ هبوط أسعار النفط وما نتج عنها من تأثيرات له في تقديري مؤثرات مؤقتة فأسعار النفط تتأثر بالعرض والطلب صعودا أو هبوطا وبزوال تلك المؤثرات يتوقع ان يرجع الحال الى ما كان عليه لأنه حتى يومنا هذا لا يوجد بديل استراتيجي عن النفط. ومن ناحية اخرى وحسب التقارير الدولية, فدولة الامارات العربية المتحدة تعتبر من الدول التي لم يطرأ على مشاريعها تأثرا كبيرا, فالخطط الطموحة مازالت تسير على قدم وساق وان كان لابد من وقفة عابرة من وقت لآخر للتقييم حسب المتغيرات ثم المضي قدما الى الأمام وهذا في تقديري ظاهرة صحية. * وماذا عن قرار وقف تراخيص البناء في أبوظبي.. وما خلفه من آثار سلبية على القطاع؟ الحقيقة ليس لدي من معلومات كافية للاجابة على هذا السؤال ولكن استطيع القول انه اذا كان لهذا القرار آثار سلبية على السوق المحلية فالذي لا جدال فيه ان الامارات تعتبر من الاسواق العالمية الهامة في مجال اعادة التصدير بيد ان القرار قد اثر بشكل واضح على سوق الابنية وتوابعها. * ما رأيكم في ظاهرة انتشار شركات ادارة المشاريع الانشائية؟ ــ ظاهرة انتشار شركات لادارة المشاريع الانشائية في رأيي تعتبر ظاهرة صحية ويجب الحفاظ عليها فالمنافسة في هذا المجال تتيح للجهة المستفيدة التكلفة المناسبة في التصميم والجودة في التنفيذ والاشراف. المقاول والاستشاري * كيف تقيم العلاقة بين المقاول والاستشاري؟ ــ العلاقة في تقدير بين هذين الطرفين الهامين علاقة طردية يقوم فيها الاستشاري بدور التصميم والاشراف والمقاول بالتنفيذ ومحصلتها انجاز للمنشأ الذي يحقق لصاحبه الفائدة المرجوة, والانجاز يكون في مستوى المعايير العالمية اذا ما تم الالتزام بعدد من الثوابت في علاقتها وهي: ــ التقييم السليم لحساب الكميات والعمالة والتسعيرة المناسبة والجادة لاكمال المشروع بالجودة المطلوبة. ــ دراسة نصوص العقد جيدا والاستفسار عن الغموض ان وجد في وثائق العقد قبل تقديم العطاء ثم الالتزام بالعقد عند تنفيذ المشروع, وهذا يضع كلا الطرفين محل ثقة. ــ أحيانا يلجأ المقاول الى صاحب العمل للحصول على تنازلات في المواصفات او في المواد او حتى في تنفيذ الاعمال. ومن ناحية المقاول اذا كانت الرسومات المقدمة له من الاستشاري يجب تنفيذها بحذافيرها فهذا بالطبع يجعل العلاقة بين الطرفين متوترة لأن المقاول يحتاج الى خير يتبع له طلب التغيير حسب ظروف الموقع غير المتوقعة, وهذا هو التناقض الاول الذي يعرف بالاتفاق الملزم في وثيقة العقد وهذا يكون واضحا في تعليمات العطاء قبل تقديمه, وذلك في النص الذي يقول (لابد من اشعار المهندس خطيا اذا وجد اختلاف في الموقع او الرسومات وذلك قبل تقديم العطاء). فإذا اخلص الى النقاط الهامة الاتية والتي اذا لم تلق الاهتمام من قبل المقاول فسوف تؤثر سلبا على مستقبل العلاقة مع الاستشاري. معاينة الموقع جيدا واجراء البحوث والفحوصات اللازمة للتأكد من طبيعة الارض والظروف المحيطة بالموقع. اعطاء المقاول لنفسه الزمن الكافي للدراسة الجيدة للمشروع عند التسعير والتنفيذ والاستفادة في ذلك من المشاريع والاعمال المتشابهة في الماضي. * وضع التسعيرة المناسبة للعقد حتى لايكون سعر المقاول متدنيا وبالتالي يؤثر سلبا على الجودة في الاداء وفي نوعية المواد المستعملة وانهاء المشروع في وقته. * الا يتجاوز المقاول بأي حال من الاحوال الاستشاري في الذهاب مباشرة الى صاحب العمل في اخذ الموافقة والتعليمات بل ان القناة السليمة في هذا الشأن تكون عبر الاستشاري والتعامل معه في تنفيذ مهام العمل. الغبن * لماذا يتهم الاستشاري دائما بأنه المسؤول عن الغبن الذين يصيب المقاول؟ ـ الاستشاري بريء من ذلك الاتهام وبالطبع هذا فهم خاطىء لدور الاستشاري فالدور المنوط به هو التصميم والاشراف والمتابعة لاحكام ونصوص العقد وذلك منعا للتجاوزات التي قد تحدث في غيابه وبالتأكيد يعتبر امينا على المسؤولية الملقاة على عاتقه من قبل صاحب العمل, فأنا لا ارى غبنا في اداء الاستشاري لدوره حيث الدور الهام الذي يلعبه اضافة الى كونه يقوم بتوثيق الاعمال المنفذة ايضا يقوم بدور الوسيط بين صاحب العمل والمقاول في تسوية الخلافات والنزاعات الناتجة عن ظروف سير العمل وهو كذلك يقوم بتذليل الصعاب التي قد يعجز المقاول في تحقيقها وذلك من خلال التنسيق, اضاف الى ذلك ان الاستشارة في الامور الفنية التي تقف او تحول دون مواصلة المقاول في تنفيذ اعماله وهناك امثلة كثيرة في هذا الصدد والمقاول المؤهل الذي يملك الخبرة العملية مع الكاتب الاستشارية يدرك ذلك الدور تماما, اما اذا كان ذلك الغبن معناه ان الاستشاري يتجاوز عن تحقيق الجودة المطلوبة حسب مواصفات العقد فذلك موضوع اخر يمس الامانة المهنية والتي تؤدي الى تلاشي دور الاستشاري المنوط به تماما وبالتالي الى فساد المشروع. التوطين * ماهو رأيكم في توطين مهنة الاستشاري الهندسية في الدولة؟ ــ حقيقة ان توطين المهنة يعتبر موضوعا حيويا هاما ولابد من تشجيعها وهنالك خبرات وكفاءات عربية واسلامية يعتمد عليها في هذا المجال حيث يجب تحفيزها بنفس القدر الذي يحفز به الاستشاري الاجنبي ومن ناحية اخرى يجب ان يترك الباب مفتوحا للاخرين للتنافس في هذا المجال, وذلك حفاظا على تبادل الخبرات ومواكبة المعايير العالمية ولا سيما في الدول النامية كالامارات العربية المتحدة. * تقييمكم للعقود المعمول بها حاليا, وكيف يمكن وضع صيغة الحقوق والواجبات بين اطراف التعاقد؟ ــ في الاجابة على هذا السؤال اود ان اشير الى ان العقود المعمول بها في الدولة لاشك انها قد خضعت الى دراسة وتقييم الا ان المشكلة الحقيقية في عدم توزان العقد من حيث الحقوق والواجبات بين اطراف العقد ترجع او تكمن في المقاول نفسه فالمقاول همه الاول هو كيفية الحصول على هذا العقد المقدم من جهة ما وهذا بالطبع شيىء طيب الا ان الوسيلة او الكيفية التي يسعر بها المقاول العطاء مبنية على استعمال مواد ومهارات دون الجودة المطلوبة وهنا تكمن المشكلة وتطفو على السطح عندما يقوم الاستشاري بدوره في الاشراف على تنفيذ مواصفات العقد وبالتالي يحدث عدم التوازن بين المواصفات والواقع الفعلي المنفذ للعقد وتأتي الخسارة نتيجة الرفض المتواصل للاستشاري للمواد المستعملة وطريقة العمل التي يتبناها المقاول في تنفيذ العمل وهذه النتيجة المؤسفة في الاساس تعود الى موضع التوازن في تسعيره العقد ونستخلص من هذا ان على جمعية المقاولين في الدولة العمل على ايجاد آلية وكيفية يتم بها توجيه المقاولين في وضع اسس سليمة للتسعيرة المتوازنة للعقود هذا ومن ناحية اخرى يجب العمل على تقييم دراسة العقود الماضية للاستفادة منها في تحسين صيغ العقود المستقبلية وذلك حتى تحقق الموازنة المطلوبة في صيغ العقود الانشائية والهندسية وقد يكون ذلك بتجهيز لائحة باسعار المواد والعمالة كما هو موجود في معظم دول العالم اما بالنسبة لعقود الاستشاري مع صاحب المشروع سواء كان ذلك جهة حكومية او شبه حكومية او خاصة فإن الاستشاري عادة يقوم بالتصميم وبتحضير المواصفات والرسومات وهذا بالطبع يترتب عليه المسؤولية الاولى في حال حدوث اي خلل فني في المشروع بيد ان ممثل صاحب المشروع قد يتدخل في بعض الاوقات في تغيير بعض المواصفات واعتماد مواد وطرق عمل تكون غير متوافقة مع مايراه الاستشاري وفي الوقت نفسه يكون الاستشاري من النواحي القانونية مسؤولا في حال حدوث الخلل لذلك يجب على العقد ان يحدد الجهة القائمة بالعمل والمسؤولية عنه ويترك لها حق التغيير والاعتماد حسب المواصفات المنصوص عليها وفقا لما تتطلبه ظروف المشروع كما وانه يجب ان يحدد في العقد ماهو دور الاستشاري؟ هل هو المهندس بكل ما لهذه الكلمة من معنى ام هو ممثل المالك فقط؟ الطابع العمراني * واخيرا ماهو رأيكم الشخصي في الطابع العمراني للدولة وكيف يمكن الحفاظ على الهوية العربية والمحلية؟ ــ الطابع العمراني في دولة الامارات العربية المتحدة هو منظومة حضارية متكاملة وهو النموذج الرائد لدولة عربية تواكب التقدم العالمي وتستند الى التراث ومرتكزات حضارية عربية واسلامية تاريخية وعصرية هذا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى فالمجال العمراني انجاز مشهود له باعلى المستويات والمعدلات العالمية والصورة المرئية لهذه الانجازات هي المدن التي ازدهرت وازدانت بها الامارات وبوجودها ارتسمت علامات مضيئة على طريق النهضة الشاملة وهذه الانجازات بشقيها انشاء المدن وعمارتها تمت في فترة قياسية زمنية بالمقارنة الى عمر المدن عبر التاريخ فهي لم تتجاوز ثلاثة قرون. والرؤية العلمية للمنجزات العمرانية لمدن الامارات في تخطيطها وعمارتها بالطرق العلمية السليمة هي التي يتكامل فيها الاحساس بالظواهر المرئية وكذلك بالتعرف على خلفيتها الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية وذلك هو المنهج الذي اثمرته نظريات ابن خلدون رائد علم العمران اما الحفاظ على الهوية العربية والمحلية في منشآتها فإن ذلك يكون عبر الثقافة العمرانية والتي يجعل منها الية فعالة في تكوين الواقع العمراني نحو الافضل والاعلام والمؤسسات التعليمية لاشك لها دور في ذلك ونذكر هنا على سبيل المثال ان الابنية لدول الخليج كانت تبنى في بعض المناطق من الطين المقوى باوراق النخيل او القصب وتكون الجدران والسقوف ذات سماكات كبيرة ففي مدينة صنعاء مثلا حيث الحرارة تتغير من درجة صفر الى 40 درجة مئوية في اليوم خارج المنزل ولكن المبنى الذي انشىء من المواد المذكورة اعلاه تتراوح حرارته بين 20 الى 23 درجة, فلماذا نبني الابنية العالية جدا والمصممة على نمط غربي, او لماذا نهدم مبنى صغير ونبني مكانه برجا عاليا نستخدم فيه تصاميم غير عربية ان محلية.