الدكتور محمد العسومي هو أحد الخبراء المعدودين في مجال البحوث والدراسات الاقتصادية. وهو مدير ادارة الدراسات بمصرف الامارات الصناعي . ويكتسب الحديث معه أهمية خاصة في قضية التعرفة الجمركية الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي خاصة وانه عمل لفترة طويلة عضوا بلجنة التعرفة الجمركية لدول المجلس واسهم في مناقشاتها وسعى جاهدا للوصول الى صيغة مرضية. أكد د. العسومي في حديثه لــ (البيان) عدم اتفاقه مع فكرة رفع الرسوم الجمركية بصورة كبيرة وعدم قناعته بمبدأ اعتماد الدول على الرسوم الجمركية لدعم ميزانياتها قائلا: ان هذه مبادىء عفا عليها الزمن, لكنه يؤكد في الوقت ذاته على أهمية اقامة الاتحاد الجمركي الخليجي والتعرفة الموحدة التي لابديل عنها لاي تكتل اقتصادي بما في ذلك التكتل الخليجي. واشار الى وجود كثير من الخلط غير الدقيق بشأن التعرفة الموحدة مؤكدا انها لا تضر الوكالات التجارية ولا تضر بحركة التجارة بالامارات بل انها ضرورة لمواجهة التكتلات الاقتصادية في عصر منظمة التجارة العالمية وان مكاسب دول الخليج على المدى الطويل اكبر بكثير من الاثار السلبية المحدودة على المدى القصير. وان بعض الخسائر الحالية لدول الخليج مثل ضريبة الالمنيوم التي تفرضها اوروبا على الالمنيوم الخام من دول الخليج سببها الرئيسي عدم وجود تعرفة موحدة. تكتل اقتصادي * هل يمكن ان تكون هناك تعرفة موحدة دون ان تتأثر الحركة التجارية بدولة الامارات خاصة وانها اكثر دول الخليج التي تعتمد على التجارة؟ ــ اولاً التعرفة الموحدة مهمة لاي تكتل اقتصادي بما في ذلك التكتل الخليجي فبدون التعرفة الموحدة لا يمكن مواجهة تحديات القرن المقبل. وفي مجلس التعاون لدول الخليج العربية يتفق الجميع على اهميتها لكن الاختلاف حول كيفية الوصول اليها كل دولة لها وجهة نظرها ولكن باعتقادي انه يمكن الوصول الى صيغة وسط تحقق مصلحة جميع الاطراف. وهناك قرار من مؤتمر القمة الخليجي الذي عقد العام الماضي في ابوظبي بضرورة الوصول الى التعرفة الموحدة خلال سنة ولهذا فإن اللجان الفنية تتعجل الوصول الى هذه الصيغة. ولكن يبدو ان معظم دول المجلس مازالت تبلور رؤيتها لهذا الامر. والشيء المؤكد ان التعرفة الموحدة لا تضر بحركة التجارة ولا تضر الوكالات, فالبعض يتصور ان هذه التعرفة ستعرض تجارته لخطر المنافسة من الخارج وهذه نظرة تجافي الحقيقة لان المركز التجاري لاي دولة ليس فقط تعرفة جمركية وانما اكثر من ذلك بكثير. تعرفة مخفضة * لكن رفع الرسوم في اطار التعرفة الموحدة الا يضر بالمركز التجاري للامارات؟ ــ بشكل عام يجب ان تتماشى مسألة رفع الرسوم الجمركية قدر الامكان مع العمل على ضرورة ايجاد التعرفة الموحدة لانه لا يوجد بديل الا اذا اردنا ان نحافظ على موقعنا على خريطة العالم الاقتصادية وان نعمل باتجاه الوصول الى التعرفة الموحدة المخفضة. وأميل الى الرأي الداعي الى تعرفة مخفضة لان هذا يعطينا قدرة تنافسية في التجارة الاقليمية وبالاخص في مجال اعادة التصدير. الامر الثاني: الذي يتطلب وجود تعرفة مخفضة هو انه لا توجد عندنا صناعات استهلاكية محلية تحتاج لحماية, وثالثا: ان الرسوم العالية تؤثر سلبا على مستوى المعيشة وترهق المستهلك وتؤدي الى ارتفاع الاسعار. والسبب الرابع: انني لا أؤمن بتمويل ميزانية اي دولة عن طريق الرسوم الجمركية. فهذا اسلوب عفا عليه الزمن. ولابد ان تبحث الدولة عن مصادر للدخل من خلال التنمية وان تكون لديها موارد تنموية متجددة وليس من خلال الرسوم. وهذا يتماشى مع الاتجاه العالمي بالحد من الرسوم لتسهيل انتقال السلع والبضائع. والمرء يندهش من ان بعض الدول تأخذ نسبة عالية على السيارات رغم انه ليس عندها صناعة من هذا النوع اصلا. بها وبدونها * اذا فقدت الامارات ميزة الرسوم المخفضة من اجل الوصول الى تعرفة خليجية موحدة فما هي المزايا الاخرى التي تحافظ على مركزها التجاري؟ ــ الامارات ستبقى المركز التجاري للمنطقة كلها بالتعرفة الموحدة وبدونها. فكما قلنا المركز التجاري والاقتصادي لا يقتصر فقط على الرسوم الجمركية. كما ان الامارات لديها أفضليات أخرى عديدة أهمها: 1 ــ انها تملك طاقة استيعابية كبيرة لموانيئها لا تتوافر لأي دولة اخرى بالمنطقة. 2 ــ انها تملك شبكة لوجستية ضخمة ليس فقط على مستوى الخليج وانما على مستوى العالم أيضاً من طرق ومواصلات واتصالات وموانىء ومطارات. وهي شبكة لا تتوافر في أي دولة خليجية أخرى. 3 ــ التسهيلات المقدمة لرجال الأعمال والتجار لا مثيل لها في دول الخليج. 4 ــ سهولة اجراءات الهجرة والدخول الى الإمارات لرجال الأعمال والتي تعتبر مثالية مقارنة بدول الخليج الأخرى. 5 ــ خبرة تجار الامارات الذين أصبح لهم باع طويل في مجال التجارة من خلال الخبرة والسمعة التي اكتسبوها على مدى العقود الماضية. كل هذا يضمن مركزا تجارياً للإمارات ليس للخليج فقط وانما للشرق الأوسط كله. الجدار الجمركي * هناك مشكلة أكبر من التعرفة الموحدة وهي نقطة المرور الواحدة التي يرى البعض انها ستدمر الوكالات التجارية وحركة التجارة عموماً فهل هذا مبرر لرفض الاتحاد الجمركي؟ ــ اولاً: الاتحاد الجمركي خطوة مهمة جداً للوحدة الاقتصادية والسوق المشتركة, هذا الاتحاد في غاية الاهمية لمصلحة جميع الدول الخليجية فقد انضمت اربع منها لمنظمة التجارة العالمية وستنضم السعودية وعمان قريبا وفي حالة عدم وجود جدار جمركي متمثل في تعرفة موحدة فان التسهيلات التي تقدمها هذه الدول لبعضها البعض تكون ملزمة بتقديمها لجميع الدول الاعضاء في منظمة التجارة العالمية الـ ,130 أما اذا كانت هناك تعرفة موحدة فإن هذه الدول تعامل ككتلة واحدة ولا تسري التسهيلات الداخلية بينها على باقي الدول الاعضاء في المنظمة العالمية. أما نقطة المرور الواحدة وكونها ستؤثر على الوكالات وحركة التجارة بالامارات فهذا به وجهة نظر, على اعتبار أن طاقة موانىء الخليج الاخرى محدودة وبالكاد تلبي حاجة دولها, كما انها لا تستطيع انجاز المعاملات التجارية بنفس السرعة التي تحدث في موانىء الامارات. ان بعض موانىء الخليج تنتظر أكثر من شهر للتفريغ وهذا لا يحدث في دولة الامارات. وعامل الوقت مهم جداً في هذه المسألة. * لكن مسألة الطاقة الاستيعابية للموانىء يمكن تطويرها وعامل الوقت يمكن التغلب عليه بإدارة حديثة؟ ــ لا أتصور ذلك سهلاً أو ممكناً في وقت قصير أو انه متاح لأي دولة. بدليل وجود مناطق تجارية حرة في قطر والكويت وايران وصلالة بعمان وعدن وغيرها ومع ذلك احتفظت جبل علي بمكانتها بعد ان تراكمت لديها شبكة بنية اساسية ومواصلات وخبرة وتسهيلات لا تقدمها المناطق الأخرى كما أن عملية التطوير والتوسع تحتاج الى وقت. قبول المنافسة * نقطة أخرى مهمة في هذا السياق اننا يجب ان نقبل المنافسة. ــ ومن أدراك ان المنافسة ستكون خليجية ــ الان ميناء بيروت يتطور والبحرين تبنى ميناءً جديداً والكويت عندها توسعات في الميناء, يجب ان نقبل هذه المنافسة لأننا نؤمن بالمنافسة. وثانياً لاننا مقبلون على تطورات عالمية لابد أن نهيئ انفسنا لها. فالمنافسة قادمة سواء بالتعرفة أو بدونها. والمنافسة التجارية كما قلنا ليست تعرفة جمركية وفقط وانما هي مجموعة تسهيلات وشيكة متكاملة لا تتوافر في الدول الأخرى كما تتوافر في الامارات. التجارة الاليكترونية والوكالات التجارية لن تتضرر بالتعرفة الموحدة أو الاتحاد الجمركي انما ستتضرر أولاً بقوانين منظمة التجارة العالمية والضرر الثاني هو التجارة الاليكترونية التي جعلت أي شخص قادر على شراء السلعة من الشركة من أي مكان في العالم بدون قيود وهو جالس في منزله. وأنا أرى أن الأصلح للوكالات أن تتأقلم وان تبدأ الاستعداد لهذه المرحلة بدلاً من مواجهة التيار المقبل. وأرى ايضاً ان الوكالات لديها امكانيات التأقلم وتطوير الأعمال والدخول في استثمارات كبيرة. ويجب ان نستعد لمواجهة التكتلات العالمية من خلال تكتل اقتصادي لأنه لا بقاء للضعفاء في هذا العصر. فنحن نسعى الى تكتل اقتصادي عربي فكيف نعجز عن تحقيق تكتل اقتصادي خليجي. وفي هذا الجانب أود توضيح بعض الاطروحات الخاطئة, فالبعض يرى اقامة تكتل اقتصادي بدون تعرفة موحدة, وان أوروبا ليس بها تعرفة موحدة وأن الولايات المتحدة الأمريكية كذلك ليس بها تعرفة موحدة وهذا غير صحيح. فدائماً ما يحدث خلط بين التعرفة الجمركية الموحدة وبين ضريبة القيمة المضافة. والحقيقة انه لا يمكن اقامة اتحاد أو سوق مشتركة بدون تعرفة جمركية موحدة, فالسوق الأوروبية اتخذ قرار انشائها عام 1958 وبعد عشر سنوات أي في عام 1968 بدأ تطبيق التعرفة الموحدة, وفي امريكا تعرفة جمركية موحدة لكن كل ولاية لها ضريبة القيمة المضافة الخاصة بها, وكذلك الحال مع الدول الأوروبية. وهي ضريبة تختلف عن الرسوم الجمركية لأنها ضريبة مبيعات تفرض على المنتجات المحلية وغيرها وهي مسألة داخلية لا علاقة لها بالرسوم الجمركية. * من الواضح ان الجميع متفق على ضرورة دعم مجلس التعاون الخليجي واقامة الوحدة الجمركية لكن كيف نطمئن الى عدم تأثر التجارة في الامارات؟ ــ كما أوضحت فان المركز التجاري لن يتأثر والمشكلة ليست في التعرفة الموحدة, ولكنها في الرسوم المرتفعة التي يجب تحاشيها. وما يؤكد كلامي إنه توجد بالفعل تعرفة موحدة بين ثلاث دول من مجلس التعاون وهي الامارات وقطر والكويت ورغم هذا لم يتأثر عمل الوكالات ولم تتأثر حركة التجارة مع هذه الدول. وهكذا سيكون نفس الوضع مع باقي دول مجلس التعاون. لا استثناء * ألا يمكن اقامة الاتحاد الجمركي والوصول الى تعرفة جمركية موحدة من خلال اعطاء وضع خاص للإمارات بحكم اعتماد اقتصادها على التجارة؟ ــ للأسف هذا الاسلوب غير مقبول من قبل دول مجلس التعاون. فالقرارات إما ان تكون جماعية أو لا تكون, وهذا متفق عليه في المجلس الاعلى. والاستثناء الوحيد كان لعمان حول شهادات المنشأ حيث تم استثناؤها لمدة خمس سنوات وطرح بعد ذلك استثناء بعض الدول ولم تتم الموافقة عليه. وفي هذا الصدد لابد ان نعرف ان المصالح المشتركة ترتبط بالتضحية, فهي مكسب في جانب وخسارة في جانب آخر. ولابد ان نقتنع بهذا ولابد لكل طرف ان يقدم بعض التنازلات. ولكن هذه الخسارة البسيطة في المدى القصير فقط ولكن على المدى الطويل نجنى جميعاً ثمار السوق المشتركة ومردودها الاقتصادي. بل العكس هو الصحيح نحن الان نجني خسائر عدم وجود تعرفة جمركية موحدة لدول مجلس التعاون الخليجي وأبرز مثال على ذلك هو ضريبة الالمنيوم التي تفرضها أوروبا على الالمنيوم والسلع البتروكيماوية من دول مجلس التعاون الخليجي والتي تتأثر بها تأثراً كبيراً شركتي (دوبال) و(البا) وتؤثر على قدرتهما التنافسية في السوق الأوروبية. فالمجموعة الأوروبية تعترض على منح الامتياز لدولة معينة وانما تؤكد موافقتها على الغاء الضريبة في حالة اقامة تكتل اقتصادي. فالمجموعات الاقتصادية دائماً تفضل التعامل مع مجموعات وتكتلات اقتصادية ليس فقط في ضريبة الالمنيوم وانما حتى اقامة منطقة التجارة الحرة بين السوق الأوروبية والخليج تتعرقل بسبب عدم وجود تعرفة جمركية موحدة. الشركات الكبرى * البعض يتخوف من أن تسيطر دولة معينة كبيرة على هذا الاتحاد وتفرض عليه رسوماً جمركية مرتفعة تتفق ومصلحتها دون نظر لمصلحة بقية الأعضاء؟ ــ هذا غير صحيح وغير ممكن. ولنأخذ تجارب التكتلات الاقتصادية الاخرى ففي أوروبا تعتبر بريطانيا والمانيا وفرنسا من أكبر الدول فهل فرضت هيمنتها على السوق الأوروبية, بالعكس بريطانيا حتى الان خارج العملة الموحدة, والسوق تسير بالتفاهم بين الدول الاعضاء كبيرها وصغيرها. والسوق ستكون مفتوحة والعبرة فيها ليست بالدولة الكبيرة وإنما بالشركات الكبيرة, فنحن نعيش اقتصاديا زمن الشركات الكبيرة وليس الدول. وهناك شركات عالمية أهم من الدول وأكثر غنى منها. هذه الشركات في المستقبل يمكن ان تكون مواطنة أو كويتية أو سعودية أو قطرية أو غيرها. والأهم من هذا ان هذه الشركات يمكن ان تكون خليجية مشتركة. ويجب تعزيز هذا التوجه وقطر حالياً تنتهج توجهاً سليماً 100% بطرح شركاتها للاكتتاب العام لجميع مواطني دول الخليج واحدى أكبر شركاتها وهي كيوتل بها مستثمرون من الامارات وبها اعضاء بمجلس الادارة من الامارات. ويجب ان يعلم الجميع اننا في الخليج مصالحنا مشتركة وليست متناقضة. * هناك جهات دولية وشركات استشارية تقوم حالياً بإجراء دراسات حول هذه القضية اليس من الافضل انتظار نتائجها قبل تأييد وجهة نظر أو أخرى؟ ــ طبعاً من الافضل انتظار نتائج الدراسات ولكن هذا النوع من الدراسات يشخص الوضع ويقدم بدائل عديدة ويترك لك حرية الاختيار. ولهذا فالاختيار لنا نحن وليس لهذه الشركات الاستشارية. حوار: عبدالفتاح فايد