في أعقاب القرار الذي تم اتخاذه في المؤتمر الذي عقدته الأوبك في 23 مارس الماضي بخفض الإنتاج للمرة الثالثة خلال عام واحد, عادت الدول المصدرة للنفط والغاز تنظر إلى المستقبل بنظرة مفعمة بالأمل والتفاؤل . فبعد أن انخفضت الأسعار في سوق النفط العالمية من 19.54 دولارا للبرميل إلى 9.96 دولارات للبرميل, أي بنسبة تصل إلى 45% خلال الفترة بين اكتوبر 1997 وفبراير ,1999 استعاد متوسط قيمة سلة نفوط أوبك قوته بصورة دراماتيكية ومذهلة, حيث عادت الأسعار إلى نحو 1501 دولارا للبرميل أوائل شهر أبريل, وهو ما يعني تحقيق مكاسب تبلغ نسبتها 50.7% خلال فترة زمنية لا تتجاوز الشهرين. وبالنسبة للدول العربية في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا بصفة خاصة يضع الانتعاش في الأسعار حدا لكابوس عاشته هذه الدول طوال العام ,1998 وهو العام الذي شهد انخفاضا في إجمالي عوائد النفط بنسبة الثلث تقريبا (31%) , لتصل هذه العوائد إلى 69.44 مليار دولار, وقد أجبر ذلك الانخفاض هذه الدول على أن ترسم خططا للتقشف وأن تتخلى ـ أو على الأقل تؤجل ـ عددا كبيرا من المشروعات التطويرية لمصادرها من النفط والغاز. وتظهر الزيادة الكبيرة في الأسعار واضحة في دخول هذه الدول من مبيعات النفط, ما يؤدي إلى توفير ظروف أفضل لضخ استثمارات تقدر بما لا يقل عن 66 مليار دولار. كانت مخططة لقطاع النفط والغاز للفترة بين 1998 و,2003 وبين هذا الإجمالي, هناك نحو 25 مليار دولار (37.7%) مخصصة لزيادة قدرات إنتاج النفط الخام, إلى جانب 17.29 مليار دولار (26.1%) لمشروعات الغاز, و9.9 مليارات دولار (14.7) لمشروعات التكرير, 14.3 مليارا (أي 21.6%) لقطاع البتروكيماويات. ومن العوامل الأخرى المواتية ذلك التقدم الحاصل في مجال فتح قطاعي التنقيب والإنتاج من ناحية, والتكرير والتوزيع من ناحية أخرى أمام الشركات الأجنبية. وتقريبا أظهرت كل الدول العربية اتجاها براجماتيا ملموسا في هذا السياق, وذلك من خلال طرح برامج للخصخصة ودعوة الشركات الدولية للمشاركة في تطوير احتياطياتها الهائلة من النفط والغاز بطريقة أو بأخرى. وتقدر الاحتياطيات النفطية المؤكدة لدى الدول العربية حاليا بنحو 644 مليار برميل (أي نحو 62.3% من إجمالي الاحتياطي المؤكد في العالم كله) . كما أن الاحتياطيات المؤكدة من الغاز تتجاوز 34100 مليار قدم مكعبة (وهو ما يوازي نحو 22% من الإجمالي العالمي) . وأخيرا وليس آخرا, هناك عامل تعليق العقوبات المفروضة من الأمم المتحدة ضد ليبيا في أبريل, وكذلك مسألة التخفيف من الحظر النفطي المفروض على العراق, علاوة على الاتفاقات الجديدة الموقعة ـ أو التي لاتزال تمر بمرحلة التفاوض ـ بين إيران والشركات الأجنبية. كلها تشير إلى تنامي احتمال إسهام منطقة الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا بالجزء الأكبر من الزيادة في إنتاج النفط اللازمة للوفاء بمتطلبات العالم من هذه السلعة في السنوات المقبلة. ففي هذه المنطقة يتواجد الحجم الأكبر من الاحتياطيات المكتشفة وغير المستغلة حتى الآن. كما أن هذه المنطقة هي ملتقى أنظار عدد متزايد من الشركات الأجنبية, تلك الشركات التي كانت قد بدأت تفكر في مناطق أخرى بديلة. وطبقا لآخر توقعات الوكالة الدولية للطاقة, فإن إنتاج النفط في دول الأوبك بمنطقة الشرق الأوسط وحدها (المملكة العربية السعودية, إيران, العراق, الكويت, الإمارات وقطر) لابد من أن يتضاعف أو يزيد على 43.8 مليون برميل بحلول العام 2010 للوفاء بالنمو المنتظر في الطلب العالمي, وللحيلولة دون حدوث نقص في إمدادات الطاقة العالمية. لكن ليس واضحا حتى الآن مدى التزام المنتجين بالاتفاقات الأخيرة على خفض في الإنتاج يبلغ 2.1 مليون برميل يوميا (1.7 مليون برميل بالنسبة لدول الأوبك, و400 ألف برميل للدول غير الأعضاء في منظمة الدول المصدرة للبترول) , وحتى لو لم يتم الالتزام حرفيا بما تم الاتفاق عليه, وما تم قطعه من وعود, فالاحتمال يبدو ضعيفا لمعاودة الأسعار انخفاضها الشديد إلى المستويات التي وصلت إليها في أوائل هذا العام. فهناك دلائل عدة تشير إلى أن المرحلة الأسوأ قد ولت, وأن الأسعار سوف تستقر في حدود 15 ـ 16 دولارا للبرميل فيما تبقى من شهور هذا العام. وهذه فرضية للعمل يتبناها عدد كبير من الشركات التي عادت لتبدي اهتماما شديدا بالمشروعات النفطية في الدول العريقة, وخاصة تلك المشروعات التي تدور حول محور تعزيز القدرات الإنتاجية. رئيس المركز العربي للدراسات البترولية بباريس