عند إلقاء نظرة على الدول الصناعية التسع عشرة التي تجري متابعة أدائها الاقتصادي والمالي بصفة منتظمة, نجد أنه خلال الاثني عشر شهرا الماضية , أظهرت ست عشرة دولة من هذه الدول معدلات سالبة للتضخم في مؤشرات أسعار الشركات الإنتاجية لديها, أي الأسعار التي تدفعها الشركات والمؤسسات الإنتاجية مقابل ما تشتريه من مدخلات. أما بالنسبة للدول الثلاث الباقية والتي تظهر معدلات موجبة للتضخم نجد كندا وحدها يظهر عندها معدل تضخم يتجاوز 1% حيث يبلغ المعدل في هذه الدولة الأمريكية الشمالية 1.4%. وأيا كانت التقلبات بين صعود وهبوط على المدى القصير بالنسبة للأسعار عند المنتجين, فإن معدلات الزيادة البطيئة, بل شديدة البطء, في الأسعار بالنسبة للمستهلكين ينتظر لها أن تصبح أكثر بطئا على المدى البعيد. ولابد أن شيئا ما جوهريا حدث حتى يحول مجموعة الاقتصادات التي كانت عرضة للتضخم خلال السنوات العشرين الأخيرة إلى مجموعة من الاقتصادات التي تشهد مثل هذا الانخفاض في الأسعار. نجد الإجابة في التكنولوجيا, ففي كثير من الصناعات تدفع التقنيات الجديدة كلفة الإنتاج إلى أسفل بسرعة كبيرة. والقاعدة الصلبة في الاقتصاد هي أن (الأسعار رديفة للتكاليف) , وأفضل مثال لهذه التكنولوجيات الجديدة مجال الإليكترونيات الدقيقة, لذا نجد أن انخفاضا في اسعار أجهزة الكمبيوتر بنسبة تتراوح بين 15 و20% سنويا يعتبر الآن أمرا عاديا. وما يحدث في مجال أجهزة الكمبيوتر يحدث في صناعات أخرى كثيرة. ولعل النفط يقدم لنا مثالا آخر جيدا, فلقد تمكنت دول الأوبك من أن تتوصل إلى اتفاق للحد من إمدادات النفط, وبالتالي رفع الأسعار في السوق العالمية بعدما كانت هذه الأسعار قد وصلت إلى مستويات قياسية من الانخفاض قبل أشهر معدودة, لكن على الرغم من التحسن الذي حدث في الأسعار إلا أنها تظل أقل بكثير من مستوياتها في الماضي. السبب في ذلك يعود إلى التكنولوجيا أيضا. فقد ساعدت تقنيات جديدة مختلفة ـ مثل الحفر في المياه العميقة, وكذلك المسح ثلاثي الأبعاد أولا ثم لاحقا الرصد الصوتي رباعي الأبعاد ـ على خفض تكاليف اكتشاف برميل النفط خارج منطقة الخليج, وأيضا تكاليف بناء البنية التحتية اللازمة لرفع النفط من باطن الأرض, وتكاليف جلب النفط إلى الأسواق خلال العقدين الماضيين. وليست هذه نهاية المطاف, فمؤشرات التكلفة تواصل انخفاضها. وانخفاض تكاليف إنتاج النفط يترتب عليه انخفاض مماثل لكل الصور الأخرى للطاقة. وفي الاقتصادات الصناعية الحديثة ليس هناك ما هو أكثر أهمية وتأثيرا في تحديد التضخم أو انخفاض الأسعار من تكاليف الطاقة. ويمكن أن نقول كلاما مشابها عن الذهب أو أية مادة خام اخرى تقريبا إذا ما رغبنا في ذلك. وإذا ما انتقلنا إلى مجال أسعار المنتجات الزراعية فسنجدها تقترب أو هي بالفعل عند أدنى مستوياتها على الإطلاق, كل هذا والثورة في مجال التكنولوجيا الحيوية لاتزال في بداياتها. فسيكون بإمكانها إنماء المحاصيل من دون الحاجة إلى الأسمدة أو مبيدات الآفات. كما ان المحاصيل التي تزرع مرة واحدة في العام سيصبح بالإمكان زراعتها طوال العام بصورة متكررة, ولن تكون هناك حاجة لحرث الأرض بين وقت وآخر. وبالنسبة لحيوانات المزرعة, فإن الأبقار ستنتج لبنا أكثر بكثير مما تنتجه الآن, وهكذا فإن الأسعار المنخفضة لمنتجات المزرعة حاليا ستكون أشد انخفاضا في المستقبل. وتقوم التكنولوجيا أيضا بتأسيس اقتصاد عالمي حيث تعكس الأسعار المستويات العالمية للاستيعاب والاستخدام, وليست المستويات الوطنية للاستيعاب والاستخدام, وقد رأينا هذا جليا خلال فترة (الذوبان) التي شهدتها القارة الآسيوية. فمن أجل الحيلولة دون حدوث المزيد من التدهور في اقتصاداتها قامت الدول الآسيوية بخفض أسعار صادراتها, كما قامت الولايات المتحدة من جانبها بخفض أسعار وارداتها. وهو ما يتضح في أن مؤشر أسعار الواردات الأمريكية أقل بنسبة 12% عن أعلى نقطة له. وحيث إن الواردات تمثل نسبة 13% من إجمالي الناتج المحلي, فإن هذا يحدث تحولا في مؤشر الأسعار, وليس هذا فحسب إذ يدفع أيضا الشركات الأمريكية التي تبغي منافسة هذه الواردات إلى أن تخفض أسعارها حتى تستطيع المحافظة على حصصها بالأسواق. ويظهر ذلك جليا في أسعار الفولاذ, فقد سجلت هذه الأسعار تراجعا بمقدار الثلث تقريبا. وتأثيرات المؤشر التصاعدي للأسعار نتيجة للازدهار في جزء من العالم, في الولايات المتحدة تحديدا, تقابلها تأثيرات الانخفاض في الأسعار نتيجة للكساد في جزء آخر من العالم, أي آسيا بالتحديد, وما يهمنا هنا المستويات العالمية للقدرة الاستيعابية وليست المستويات المحلية الوطنية لهذه القدرة, كذلك, فإن العولمة أحدثت تغيرا جذريا في القدرة النسبية للمساومة بالنسبة لكل من العمالة ورأس المال, فالتهديد بنقل مرافق الإنتاج إلى مكان آخر في العالم يعني أنه حتى في أوقات الازدهار, لا يمكن للعمالة أن تطالب بزيادات كبيرة في الرواتب والأجور. وصحيح أن البطالة انخفضت إلى مستويات متدنية للغاية في الولايات المتحدة, لكن خلال الربع الأول من العام 1999 سجلت الزيادات العامة في الرواتب أدنى معدلاتها خلال العقود الثلاثة الأخيرة. وهكذا, فإنه إذا كانت الرواتب تنخفض بمعدلات أقل سرعة من الإنتاجية, فذلك معناه أن تكاليف عمالة الوحدة الإنتاجية أو الخدمية تتراجع, وهو ما يستتبع انخفاضا في الأسعار كنتيجة مترتبة على الانخفاض في كلفة عمالة الوحدة الإنتاجية أو الخدمية. وفي الولايات المتحدة, هناك عامل هيكلي آخر يساعد على خفض معدلات التضخم, فخلال العقود الأربعة الماضية, قامت الولايات المتحدة بإقامة قطاع للخدمات ضخم للغاية تنخفض فيه الرواتب تماما, ويعمل به ملايين الأشخاص لبعض الوقت. وهؤلاء العاملون يفضلون بطبيعة الحال التحول إلى أعمال كاملة الدوام وبرواتب أعلى. ويبدأ التضخم على نحو تقليدي في مجال صناعة السلع المعمرة حيث إنه في أوقات الازدهار والرخاء ينفق الأمريكيون أموالهم على السلع المعمرة من سيارات, وتلفزيونات.. إلخ, وللحصول على القوى العاملة اللازمة لإنتاج هذه السلع, فإن الشركات المصنعة لها ستكون مطالبة بزيادة رواتبها وأجورها لإنتاج المزيد من هذه السلع. وهذه الزيادة في الأجور ستعني في المقابل رفعا في أسعار السلع. كان هذا هو التسلسل الطبيعي للأمور, أما الآن فالصورة مختلفة, إذ يمكن للشركات المنتجة لهذه السلع أن تحصل على كل ما تريده من أيد عاملة قطاع الخدمات من دون أن تحتاج إلى رفع الرواتب والأجور. وأمامها كثيرون ممن يرغبون في التخلي عن عملهم لدوام غير كامل في قطاع الخدمات للحصول على عمل لدوام كامل في قطاع التصنيع حيث الرواتب أعلى بطبيعة الحال. وانخفاض الأسعار في الولايات المتحدة يعني انخفاضا في الأسعار في العالم بأكمله, ومن الواضح أن مرحلة من انخفاض الأسعار قد حلت محل مرحلة التضخم. لكن بين الاثنين تعد مسألة انخفاض الأسعار أكثر خطورة. وفي اليابان شهد العام 1998 انخفاضا في الأسعار بنسبة 7%. وفي ظل هذا الانخفاض في الأسعار, ارتفعت القيمة الفعلية للديون بنسبة 7%, وأسعار الفائدة الحكومية هناك تكاد تقارب الصفر, لكن أسعار الفائدة الخاصة ستظل دائما أعلى بما يتراوح بين 2 و3% في ظل مخاطر عدم قدرة مؤسسات العمل الخاصة على عدم الوفاء بالديون. ويعني ذلك أن التكاليف الفعلية لحمل الديون تتراوح بين 9 و10% وإذا أضفنا ذلك إلى القيم الفعلية المتصاعدة للديون غير المدفوعة, فإن كلفة الديون ستصل إلى 16 ـ 17% سنويا. وفي ظل هذه التكاليف, يكون أكثر أنواع الاستثمار ذكاء لأي عمل من الأعمال هو تسديد الديون. لكن ماذا لو ركز الكل جهودهم على تسديد الديون؟ عندها لن يقدم أحد على ضخ أي من الاستثمارات التي تحافظ على وتيرة التوسع في الرأسمالية, وتكون النتيجة سرعة أكبر للغرق وانخفاضا أسرع للأسعار, وتبدأ بالتالي دوامة الهاوية, تماما مثلما حدث في أمريكا في فترة الكساد الكبير.