من حيث الأمر الواقع نرى ان ظهور المناطق الحرة وانتشارها على مستوى الدولة دليل قاطع على الرغبة الشديدة لدى حكومات الامارات المحلية باستقطاب الشركات الاجنبية واستثنائها من قانون الشركات التجارية الاتحادي بما في ذلك نسبة تمللك المواطنين الى الاجانب في رأس المال والتي حددها القانون بــ 51% للمواطنين الى 49% للأجانب كحد اقصى تحت كل الظروف وفي كافة انواع الشركات, فهناك رغبة شديدة وهدف واضح لدى كافة الحكومات المحلية لاستقطاب الشركات الاجنبية والترخيص بتملك نسبة 100% من رأس المال, وقد تستثنى كل ذلك من قيد أو شرط الشريك المواطن في المناطق الحرة. غير انني كاقتصادي لا أرى اهدافا اقتصادية واضحة تجعلنا نتنازل عن حقوقنا كمواطنين وندعو الى تغريب هذا الوطن بهذه الصورة. فاذا كانت الدولة في بداية تأسيسها وعندما كانت في أمس الحاجة الى رأس المال الأجنبي وإلى الخبرة والتكنولوجيا الأجنبية لبناء البنية الأساسية للاقتصاد الوطني قد تمسكت بنسبة 51% للمواطنين الى 49% للأجانب كحد اقصى, فمن باب أولى ان تتمسك بتلك النسبة الآن حيث انها قد اصبحت حاجتها الى المستثمر الاجنبي اقل الحاحا مما كانت عليه. ومن هذا المنطلق نرى ان تلك النسبة من وجهة نظرنا كان يفترض بها ان تعدل لصالح المستثمر الوطني بالتدريج, أي بمعنى آخر بعد مضي فترة من الزمن تعدل النسبة من 51% الى 60% للمواطنين مثلا مقابل 40% للاجانب ثم الى افضل من ذلك, وهكذا بالتدريج نجد ان المواطنين وبعد فترة من الزمن يتملكون الشركات المحلية 100% ويبدأ الوطن باستعادة هويته العربية والاسلامية من الناحية الاقتصادية والاجتماعية. ان الدعوة الى زيادة نسبة تملك الاجانب في الشركات المحلية عن النسبة التي حددها القانون او اعطاء الاجانب فرصة اكبر للسيطرة على الاقتصاد والقطاع العقاري هي دعوة تدعو بالفعل الى الدهشة والاستغراب, وذلك لأنه حتى وان كان ذلك امرا واقعا نعيشه فإن ذلك لا يعني بأننا نقبل ذلك الوضع الشاذ والغريب في الوقت ذاته ونقننه ونفرضه, لأن هذه الظاهرة التي نراها اليوم كأمر واقع (سيطرة الأجانب على الاسواق والشركات) ليست ظاهرة ايجابية ولا عرفا ايجابيا قابلا للتقنين, بل هو ظاهرة اقتصادية سلبية أفرزتها الممارسات والأنشطة الاقتصادية وسمح بها القانون من خلال فجواته. ومن هذا المنطلق تصبح الدعوة الى اصلاح القوانين الاقتصادية بشكل عام وقانون الشركات بشكل خاص لا تعني تغييرها بحيث تصبح لصالح المستثمر الاجنبي, وانما يقصد بها تغييرها لتصبح في صالح المستثمر الوطني خصوصا واننا نلاحظ ان بعض الشركات الوطنية قد نجحت بالفعل في اقتحام مجالات وأنشطة اقتصادية عديدة, فلماذا لا نمنحها الفرصة لكي تنافس وتثبت وجودها. وبالتالي فلابد لنا من تشجيع المستثمر المواطن سواء أكان تاجرا فردا أو شركة لممارسة النشاط الاقتصادي بنفسه وتخصيص دعم مادي ومعنوي للمواطنين الذين يثبتون بالفعل انهم يمارسون النشاط الاقتصادي بأنفسهم. ولابد من العمل على تخفيف الرسوم عن هؤلاء المواطنين لكي يتمكنوا من المنافسة وإثبات وجودهم وخصوصا في بداية تكوين الشركة أو المؤسسة, وقد يصدر بذلك قرار من مجلس الوزراء يلزم كافة الامارات بذلك, وبالمقابل تشدد العقوبة على كل من يخالف ذلك ويوهم الحكومة بأنه يمارس النشاط بنفسه, ثم يتبين بأنه قد أجرّ الرخصة التجارية الى الاجنبي. ولابد من وضع حد لموضوع تأجير الرخص التجارية وتحديد حد اقصى من الرخص لفترة زمنية, ثم بعد ذلك يلغى موضوع التأجير نهائيا ويفسح المجال للمواطنين لممارسة الأنشطة الاقتصادية وتشجيعهم على ذلك بدلا من التركيز على التوطين الوظيفي فقط وتجاهل الجانب التجاري والمهني والاستثماري بشكل عام. ان الدولة يجب ان تحدد اهدافها الاقتصادية وبالتالي مدى حاجتها للمستثمر الاجنبي ولرأس المال الاجنبي ولا تترك المجال للمستثمر الاجنبي ليفرض ذاته سواء أكانت الدولة بحاجة اليه ام لا مثلما يحدث الآن. ومن هذا المنطلق فنحن نرى ان الدعوة التي يطلقها الكاتب محمد المر هي دعوة طموحة وواقعية في الوقت ذاته, وبالتالي لابد من حملها محمل الجد. وطالما اننا بصدد توطين القوة العاملة ونعمل جاهدين على ذلك فلابد من ان تكون لدينا نظرة وطموح لتوطين رأس المال أيضا. فلابد ان نحدد نحن ما نريد من العالم الخارجي لا ان نترك العالم الخارجي يفرض علينا ما يريده هو. وأرجو ألا يفهم من ذلك بأنني ضد العولمة أو الانفتاح أو غير ذلك من القوانين التي تدعو الى ايجاد المرونة للمستثمر الاجنبي. بيد انني أريد من الدولة ان تحدد أهدافا اقتصادية واضحة تسعى اليها بعيدة عن الدعوة الى تغريب المجتمع.