باتت برامج التخصيص بدول مجلس التعاون الخليجي تأخذ ابعاداً اكثر جدية بالنظر الى اعلان عدد من هذه الدول عن عزمها اخضاع المزيد من المشروعات الحكومية الرئيسية في قطاعات الطاقة والخدمات والصحة والصناعة حيث ترتبط هذه البرامج بالتوجهات الحثيثة لهذه الدول من اجل تحسين كفاءة اداء انشطتها الاقتصادية, كما ترتبط بالجهود المتواصلة الهادفة الى توفير ارضية ملائمة كي يقوم القطاع الخاص الخليجي بلعب دور اكبر في التنمية الاقتصادية. ولعل ابرز ما يميز التجارب الخليجية ــ التي لا تزال تعتبر حديثة وقليلة الخبرة ــ في مجال التخصيص حتى الآن هي الحرص على الاخذ بالاعتبار الجوانب الاجتماعية لعملية التخصيص, فمن المعروف ان تنفيذ برنامج التخصيص يثير عادة العديد من المخاوف لدى فئات وقطاعات عديدة, وهذه المخاوف تنصب على اربع قضايا هي: تقليص العمالة في المشروعات المخصخصة, واحتمال ارتفاع اسعار الخدمات التي تقدمها هذه المشروعات, وفقدان السيطرة على المشروعات المخصخصة, وآلية تسعير هذه المشروعات. ولقد استطاعت الدول الخليجية حتى الآن عدم الاصطدام بهذه المشاكل من خلال التعامل معها تعاملاً سليماً. الا انه ومع استمرار التوسع في تخصيص المشروعات العامة في عدة قطاعات, فإنه من المؤكد بروز صعوبات ومخاوف اخرى يستدعي التعامل معها خبرة ودراية اكبر. ان التخصيص بات يمثل اتجاهاً عالمياً تتبناه مزيد من الدول في العالم, خصوصاً بعد انهيار تجارب الدول الاشتراكية, لذلك فإننا نقرأ ونتعلم بشكل دائم دروساً وخبرات جديدة من هذه التجارب, من المفيد ان يتوقف المسؤولون الخليجيون عن برامج التخصيص امامها ودراستها. فمن خلال استعراض تجارب التخصيص العالمية, يتضح ان هناك اجماعاً على ان قرار التخصيص هو بالدرجة الاولى قرار سياسي, اي انه يصدر من اعلى سلطة سياسية في البلاد لكي يأخذ صفة التنفيذ الجدي والشامل وبحيث يحدد هذا القرار الجهات التي سوف تتولى الاشراف على تنفيذه مع اعطائها الصلاحيات اللازمة للقيام بذلك والقطاعات والانشطة التي سوف يشملها قرار التخصيص, ان القرار السياسي الذي يعطي الضوء الاخضر لتنفيذ هذه الخطوة ضروري, وخصوصاً في الدول النامية نظراً لاحتمال غياب المؤسسات الدستورية والتشريعية او التنفيذية التي تملك السلطات الفعلية لاصدار مثل ذلك القرار. والملاحظة الثانية التي ابرزتها التجارب المذكورة ان قرار التخصيص يجب ألا يمثل خطوة معزولة وقائمة بذاتها, بل ان يمثل جزءاً من برنامج للاصلاح الاقتصادي. ان التخصيص ليس عصا سحرية تشفي علل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية, فهذه الخطوة تهدف في جوهرها الى توسيع مشاركة القطاع الخاص في ادارة المؤسسات الاقتصادية القائمة وذلك بهدف تحسين كفاءتها وانتاجها, الا ان هدف الدول النامية ومنها الدول الخليجية لا ينحصر في تحسين ما هو موجود من مؤسسات وانشطة بل وتوسيعها وزيادتها كما ونوعا. بالاضافة الى ذلك فإن برامج الاصلاح الاقتصادي يجب ان تطال السياسات النقدية والمالية والتسعيرية والتجارية والقانونية, وهي جميعها سياسات وعناصر تمثل خطوطا متوازية احياناً, ومتشابكة احياناً اخرى مع برنامج التخصيص. بطبيعة الحال هناك عدد من الملاحظات الاخرى مثل طبيعة وحجم المزايا التي سوف تقدم للمستثمرين في المشروعات المخصخصة, وكذلك التأكد من مقدرة هؤلاء المستثمرين على توفير مستلزمات انجاح تلك المشروعات في المرحلة اللاحقة للتخصيص, وهي كما ذكرنا ملاحظات يجب ان تحظى باهتمام ودراسة من قبل هؤلاء الذين يقومون حالياً بوضع ومراجعة برامج التخصيص في دول المنطقة.