اوجد تقلص الموارد المالية لدول مجلس التعاون الخليجي العديد من التحديات امام هذه الدول. وبات مطلوبا من هذه الدول خلق وتطوير الاجهزة والآليات التي تضمن تحسين ورفع كفاءة استخدام الموارد المتاحة من جهة, وتستطيع جذب موارد مالية جديدة وخاصة الاستثمارات الخارجية التي توظف في عملية النمو الاقتصادي من جهة اخرى . ولا شك ان بورصات الاوراق المالية اثبتت من خلال تجارب الكثير من دول العالم المتقدم والنامي انها قادرة على ادارة كلا الوظيفتين اذا ما احسن استخدامها وتم تطويرها وتزويدها بالاجهزة والامكانات الضرورية لهذا الغرض, كما ان طبيعة وآليات الاستثمار في بورصات الاوراق المالية تلبي الاحتياجات الخاصة للمستثمرين من القطاع الخاص, فهي تعطي استثماراته صفة السيولة لتحريكها زيادة ونقصانا اي وقت يشاء. كما انها تعطي هذه الاستثمارات سعرا يوميا يمكن اصحابها من تقدير عوائدهم المالية بصورة دائمة, واخيرا فانها تقلل مخاطر هذه الاستثمارات من خلال توزيعها على عدد اكبر من المستثمرين. وسعيا وراء تنفيذ هذه الوظائف والمهام, شهدت بورصة البحرين للاوراق المالية خلال العامين الماضيين اعادة هيكلة واسعة سعيا وراء تحديث اجهزتها وزيادة كفاءتها وفتح الاستثمار فيها للمستثمرين الخليجيين والعرب والاجانب. وصحيح ان بورصة البحرين التي بدأت انشطتها عام 1989 لاتزال تعتبر صغيرة الحجم نسبيا حيث يبلغ عدد الشركات المدرجة أسهمها 42 شركة ويقتصر التدول فيها بشكل رئيسي في الأسهم. كما ان نسبة الأسهم المتداولة من اجمالي الأسهم الصادرة لايتجاوز 9%. وتدار السوق من خلال مجلس ادارة يترأسه وزير التجارة ويضم في عضويته ممثلين عن مختلف الدوائر والاجهزة المعنية. وتملك السوق ادارة واجهزة ادارية وفنية مستقلة وتقدم خدماتها من 12 دلالا. إلا أن السوق تشهد منذ تأسيسها نموا متسارعا حيث بلغ معدل النمو السنوي 83% خلال الفترة من 1990 و 1998. كما انها حققت خلال العامين الماضيين قفزة كبيرة في حجم أنشتطها وتداولاتها وانفتاحها على المستثمرين الخليجيين والاجانب وهذا ما توضحه الأرقام التالية. ففي الفترة من 1989 إلى عام 1996 تراوح المعدل السنوي لتداول الأسهم في السوق 194 مليون سهم, ثم قفز هذا المعدل إلى 625 مليون سهم خلال العامين 1997 و 1998 أي بارتفاع نحو ثلاث مرات. كما قفز المعدل السنوي لقيمة الأسهم المتداولة من 52 مليون دينار الى 199 مليون دينار خلال نفس الفترة أي بارتفاع بنحو 4 مرات. وكذا الحال بالنسبة لعدد الصفقات الذي ارتفع معدله السنوي من 5 آلاف صفقة خلال الأعوام الثمانية 1989-1996 إلى 22 ألف صفقة خلال العامين 1997و1998 أي بارتفاع 4 مرات. وقد أدت هذه الزيادة إلى ارتفاع معدل دوران الأسهم (كمية الأسهم المتداولة إلى عدد الأسهم الصادرة) من 3.5% عام 1996 الى 8.5% عام 1998. وقد أدت زيادة حجم التداول والنشاط في السوق إلى احداث تحسن مضطرد في القيمة السوقية للأسهم المدرجة في السوق حيث ارتفعت من 1.897 مليون دينار نهاية عام 1996 الى 2.552 مليون دينار عام 1998 بزيادة نسبتها 35%. وبلغ متوسط النمو السنوي في القيمة السوقية للأسهم المدرجة 17% خلال العامين الماضيين مقارنة مع 7% خلال السنوات الثمانية 1989-1996. زيادة حجم التداول وكنتيجة طبيعية لزيادة حجم التداول. كما وقيمة وزيادة القيمة السوقية للأسهم المتداول فقد ارتفعت اسعار أسهم الشركات المتداولة مما أدى إلى ارتفاع مؤشر الاسعار من 1547 نقطة نهاية عام 1996 الى 2189 نقطة بنهاية عام 1998 أي بارتفاع نسبة 41% . وبالتالي فقد قفز معدل النمو السنوي لمؤشر الاسعار العام من 7% خلال السنوات 1989-1996 إلى 21% خلال العامين 1997-1998. وعلى الرغم من كافة معدلات النمو التي شهدتها السوق فان الاستثمار فيها لا يزال مغريا حيث تتسم الاسعار عادة بالانخفاض. ويدل على ذلك معدل القيمة السوقية إلى العائد على الأسهم الذي انخفض من 11.3 مرة نهاية عام 1996 الى 9.8 مرات عام 1998. وبنفس الوقت ارتفع معدل العائد النقدي من 4.5% إلى 5.2% خلال نفس الفترة. إن انخفاض المعدل الاول وارتفاع الثاني يشيران بوضوح إلى ان معدل الارتفاع في صافي ارباح والارباح الموزعة للشركات المساهمة المدرجة ببورصة البحرين كان اعلى من معدل الارتفاع في اسعار أسهم هذه الشركات مما ادى إلى تحسن وضعية هاتين النسبتين ومما يغري بصورة اكبر على الاستثمار في السوق. تطوير البورصة وحول جهود تطور بورصة البحرين وفتحها امام المستثمرين الخليجيين والاجانب يقول وزير التجارة رئيس مجلس ادارة بورصة البحرين علي صالح الصالح: هناك العديد من التشريعات التي تم اصدارها, ولكن حسب اعتقادي فان مشروع قانون الشركات التجارية الجديد يمثل اهم هذه التشريعات, حيث استهدف في الاساس تطوير البيئة التشريعية المحلية كي تكون مؤهلة لمواكبة المنافسة على جذب الاستثمارات المحلية والخليجية والأجنبية لصالح عملية تمويل انشطة وقطاعات الاقتصاد الوطني عموما, والتركيز على قطاع الشركات المساهمة العامة تحديدا وذلك من خلال الاهتداء بالانماط والمعايير المنصوص عليها في التشريعات العالمية المتقدمة, ونتمنى ان تشهد الفترة القصيرة المقبلة صدور هذا القانون. أما فيما يتعلق بالتشريعات الخاصة بالاستثمار الأجنبي الذي أخذ حيزا كبيرا من الاهتمام والتركيز نتيجة للتطورات الهائلة التي شهدتها التشريعات الوطنية في غالبية الاقتصاديات العالمية بهذا الشأن, فقد تم اصدار المرسوم بقانون رقم (10) لسنة 1999, والذي نعتبره تتويجا لمستوى النضج الذي بلغته القاعدة التشريعية المحلية في هذا المضمار. لقد تعامل هذا القانون مع الاستثمار الأجنبي سواء من حيث التملك او التداول كتعامله مع الاستثمار المحلي دون اي تمييز في الحقوق أو الالتزامات باستثناء تحديده لنسبة أولية تصل إلى 49% من رؤوس أموال الشركات المساهمة العامة بالنسبة لتملك وتداول أسهم هذه الشركات من قبل المستثمرين الاجانب غير الخليجيين الذين سمح لهم هذا القانون بتملك وتداول نسبة تصل إلى 100% من أسهم الشركات المذكورة. وقد أعطى هذا القانون الصلاحية لوزير التجارة في رفع حجم الاستثمار الأجنبي غير الخليجي إلى مستوى يتجاوز نسبة 49% إن رأى في ذلك مصلحة للاقتصاد الوطني. لذلك فاننا نعتقد بأن صدور هذا القانون يمثل نقلة نوعية متميزة في البنية التشريعية والقانونية المتعلقة بالبيئة الاقتصادية والاستثمارية في البلاد عموما وفي قطاع رأس المال تحديدا الذي اصبح الآن مهيئا لأن يشهد هو الآخر نقلة نوعية متميزة. تهيئة السوق ولاينسى الصالح ان فتح بورصة البحرين امام الاستثمار الأجنبي يعني إلقاء اعباء جديدة على السوق مما يتطلب تهيئتها جيدا لمثل هذه الخطوة وهنا يقول الصالح: اننا في البحرين كما في الدول التي تمثل مراكز مال واعمال اقليمية ودولية, لم ولن نفكر في وضع معايير للاشراف والرقابة خارج اطار معايير الافصاح ومتطلبات تنظيم وضمان تدفق المعلومات حول الاستثمار في الاوراق والادوات والمشتقات المالية الصادرة او المتداولة في البحرين. واجمالا هناك العديد من القرارات التي اتخذت في الماضي وخلال الفترة التي اشرت اليها في البداية. ان اهم تطور يمكن الاشارة له هنا في هذا المجال هو مشروع معايير الافصاح الذي انتهى السوق من اعداده والذي سوف يرسي معايير معتمدة للافصاح من قبل جميع الاطراف ذات العلاقة بالاستثمار في الاوراق والادوات والمشتقات المالية سواء من قبل الشركة او الجهة المصدرة, او شركات الوساطة في السوق, او المستثمرين انفسهم او من قبل السوق ذاته والتي صيغت جميعها وفق احدث المعايير المتبعة في الاسواق المالية المتقدمة او من قبل المنظمات الدولة المتخصصة كمنظمة الايسكو مثلا, ونعتقد ان هذه المعايير عند صدورها في المستقبل القريب سوف تضع السوق في موقع متفرد ومميز اقليميا على الاقل. كذلك فإن السوق سوف يفرض في المستقبل القريب شرط توفر تقارير التصنيف الائتماني بالنسبة للشركات المصدرة للسندات كشرط من شروط ادراج هذه السندات في السوق. وينتقل الصالح للحديث عن التوجهات الاستراتيجية المستقبلية للسوق فيقول: لقد تم التأكيد ضمن الخطة الاستراتيجية للسوق على ضرورة الالتزام في كافة اوجه عمل واختصاصات السوق وقطاع رأس المال في البحرين عموما, بالمعايير والمتطلبات الدولية. وقد تم التأكيد بصورة استثنائية على ضرورة الالتزام بهذه المعايير ضمن البيئة الداخلية للسوق وقطاع رأس المال. كما سيتم منع الترخيص عن اي شركة وساطة ما لم يحصل ممثلوها على شهادة الدورة التدريبية المعروفة باسم 7 scrics وهي الشهادة المعتمدة للترخيص للوسطاء الماليين في السوق الامريكي وغالبية الاسواق الاوروبية, وذلك من اجل الارتقاء بمستوى التخصص الفني والعملي لهذه الشركات وتحسين نوعية خدماتها المقدمة لعملائها الى مستوى الخدمات المقدمة في الاسواق الدولية المعروفة. وكذلك التركيز على برامج التدريب المتخصصة سواء في داخل البحرين او خارجها التي من شأنها رفع القدرات والمهارات الفنية والادارية المتخصصة لدى الكوادر العاملة في السوق بجانب السعي للاستعانة بالخبرات الأجنبية المطلوبة والتعاون مع المنظمات الدولية المتخصصة في هذا الجانب. نظرة مستقبلية وحول نظرة السوق إلى المستقبل, يقول رئيس مجلس ادارة البورصة ان جميع القوانين والانظمة والاجراءات التي سبق ذكرها, بجانب العديد من القوانين والانظمة والاجراءات الاخرى سواء التي تم تنفيذها او بانتظار التنفيذ خلال الفترة القصيرة المقبلة, استهدفت جميعا تطوير القوانين والآليات والاجهزة اللازمة لعمل السوق المالي المنظم لكي يكون قادرا على لعب الدور المناط به في التنمية الاقتصادية في البلاد. ان هذه التطويرات بجانب الاداء الجيد للشركات المساهمة المدرجة في السوق ومستوى ربحية الاستثمار في أسهم هذه الشركات يهيىء الفرص الجيدة للقطاع الخاص المحلي بالتحديد والقطاع الخاص الخليجي والأجنبي عموما لاستثمار موارده وامواله بصور آمنة خصوصا وأن السوق عبر جميع مراحل ماضية وتجارية لم يسجل تجربة سلبية برغم من تعرض المنطقة خلال الفترة الماضية إلى العديد من الازمات والمصاعب, لذلك فإن الدعوة موجهة لهذا القطاع للاستفادة من الجهود التي بذلتها الدولة في تطوير هذا السوق والقطاع. اما فيما يخص المستقبل فإن مايدعو إلى الاطمئنان والثقة يتجلى في اهتمام المنظمات الدولية المعنية بتطوير بيئة الاستثمار العالمي كمؤسسة التمويل الدولية (IFC) التي قامت مؤخرا وبعد دراستها وزيارتها الميدانية للسوق بادخاله ضمن قاعدة بياناتها الموحدة والمؤشرات الصادرة عنها مما يعطي السوق المزيد من المصداقية والبعد الدولي ويوفر الثقة والطمأنينة لدى هؤلاء المستثمرين. المنامة البيان