ما أحوجنا في دول المنطقة الى مثل هذه الملتقيات والمنتديات التي تعمل على نشر الوعي حول استخدام الأنظمة الالكترونية في المجالات التجارية بشكل خاص, والاقتصادية بشكل عام, حيث يتبين من خلال ما يطرحه المختصون في هذا المجال سواء في هذا الملتقى أو في غيره , ان التجارة الالكترونية أصبحت واقعا لا مفر منه, وهي أداة مرنة ووسيلة من وسائل تحرير التجارة عالميا (أي العولمة), وهي هدف من أهداف منظمة التجارة العالمية. ومن أجل ذلك تسعى الأمم المتحدة جاهدة عبر برامجها المتخصصة لوضع الاطار التشريعي العام الذي ينظم هذا النوع من التجارة, ويناسب كافة دول العالم, ونقصد على وجه التحديد ما تم الاشارة اليه في الملتقى وهو (القانون النموذجي الذي أعده برنامج الأمم المتحدة للتجارة والتنمية منذ أكثر من 5 سنوات والخاص بالتجارة الالكترونية), فالتجارة الالكترونية مفهوم شامل يشمل كافة الأنشطة التجارية من بيع وشراء وما يرتبط بها من خدمات ووساطة ونقل وما ينظمها من أطر وقواعد تشريعية وعقود تتم الكترونيا عبر شبكات الانترنت, وقد تتم تلك الصفقات محليا وقد تتم عالميا, وهذا يعني في الحقيقة ان هذا الواقع الذي يفرض نفسه عالميا لا مجال لنا باختياره أو رفضه, ولكن يبقى الخيار لنا في كيفية تنظيم بيتنا من الداخل لاستقبال ذلك التغير الهيكلي العالمي في المجال التجاري, ان ذلك الواقع يحتم علينا تحريك الأجهزة التشريعية والقضائية والأمنية نحو نشر الوعي القانوني والتنظيمي الذي يحكم ذلك النشاط الاقتصادي ودراسة تجارب الدول الأخرى في مواجهة هذه القضية والاستفادة من الاطار التشريعي العام الذي وضعته الأمم المتحدة لهذا الغرض وذلك من أجل توفير الحماية لكافة الأطراف, أي توفير الحماية للمستهلكين (سواء أكانوا أفرادا أم قطاع أعمال أم قطاعا حكوميا أم غير ذلك) وللمنتجين وللتجار والموزعين بشكل عام وللشركات التي توفر خدمات تجارية (شركات التمويل والتأمين والشحن والنقل والتخزين والتخليص والوساطة التجارية) وتوفير الحماية كذلك للشركات المنتجة للبرامج الالكترونية التي تخدم مجال التجارة الالكترونية, والحقيقة ان الملتقى ركز فقط على التجارة الالكترونية كأمر واقع ولكن لم يطرح شيئا يذكر عن الجوانب القانونية وكيفية توفير الحماية للاطراف المشتركة في التجارة الالكترونية سوى بعض التساؤلات لرجال القانون والتي لم تلق الاجابات العلمية والعملية الوافية, والحقيقة ان دول الخليج العربية لابد لها من ان تبدأ في اعادة النظر في كافة قوانينها وتشريعاتها التجارية بشكل خاص والاقتصادية بشكل عام في ضوء المستجدات والتحديات والتغيرات التي يشهدها عالم اليوم, ولابد من وضع القوالب والقواعد القانونية الواقعية المرنة والتي تعطي في ذات الوقت الحماية الكاملة لكافة أطراف النشاط الاقتصادي والتجاري, فإذا كانت التجارة بأسلوبها التقليدي المادي الملموس لا تخلو من الغش والتلاعب والخداع والقرصنة على كافة المستويات وذلك على الرغم من مضي مئات السنين على تشريعاتها وتجارب الناس المتراكمة في هذا المجال فمن الطبيعي جدا ان نرى مثل ذلك في التجارة الالكترونية وليدة العصر, بيد ان وجود القواعد القانونية المحكمة سوف يعمل على تقليص الغش والتلاعب والخداع والقرصنة وزيادة ثقة البشر في التجارة الالكترونية, فالثقة هي الرصيد الرأسمالي المعنوي لأي نشاط اقتصادي والثقة لا تتوفر الا اذا توفر الأمن والامانة والصدق والاخلاص ولن يتوفر كل ذلك الا اذا وضعت الأطر والقواعد القانونية المناسبة له ووضعت موضع التنفيذ ووضعت الحماية السيادية لتنفيذها على كل فئات المجتمع. أما من الناحية الاقتصادية فالتجارة الالكترونية تعتبر ثورة في التغير الهيكلي للاقتصاديات العالمية برمتها فهي سوف تعمل على توفير السلعة للمستهلك الوسيط والمستهلك النهائي وللوسيط التجاري والموزع بأقل التكاليف وسوف توفر له الخيارات التي يبحث عنها بأقل التكاليف وأقل مجهود وأقصر فترة زمنية, ومن هذا المنطلق فإنها سوف تعمل على ضغط التكاليف وبالتالي انخفاض الأسعار وتقلص معدلات التضخم العالمي, وسوف تعمل على تقليص دور الوكالات التجارية وانحساره وانحسار دور الجهات الاحتكارية, كما ستعمل التجارة الالكترونية على زيادة الطلب العالمي على السلع والخدمات وسوف تخلق رواجا اقتصاديا كبيرا على المستوى العالمي وذلك لسهولة التسوق, وسوف توفر في حجم المكان المستخدم للتسوق وللتخزين كذلك, وسوف تعمل على تقليص التخزين السلعي وذلك بسبب سرعة وصول طلبات الشراء وسرعة استجابة المنتجين والعارضين لها, وبالتالي لم يعد هناك ضرورة لاستخدام المواد الحافظة للسلع الغذائية لفترات طويلة وخصوصا الأدوية, والحقيقة ان الثورة التجارية والاقتصادية التي من الممكن ان تخلقها التجارة الالكترونية في تغيير الهياكل الاقتصادية واعادة النظر في النظريات الاقتصادية التقليدية ثورة لايمكن تصورها, حيث ان التقاء العرض والطلب بسرعة الالكترون وعلى مستوى عالمي وفي كافة اسواق السلع والخدمات والاسواق المالية والنقدية يحتاج الى ثورة في النظريات الاقتصادية القائمة, ومن هذا المنطلق فنحن لابد من ان نعد العدة لذلك ليس على مستوى الخليج العربي فحسب ولكن على مستوى الوطن العربي قاطبة حيث ان انتشار هذا النوع من التجارة قد يكون احدى الوسائل الهامة التي تنشط الاسواق على مستوى العالم العربي كله.