الدعوات التي يتكاثر اطلاقها من قبل المسؤولين في المنظمات القومية والاقليمية الاقتصادية العربية من اجل الاسراع في طريق التكامل الاقتصادي العربي لها ما يبررها على أكثر من صعيد سياسي واقتصادي عالمي وعربي واقليمي . وبالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي, فان دعواتها وجهودها لقيام السوق العربية المشتركة لها أسبابها الخاصة ــ اضافة الى الاسباب المشتركة العامة ــ مما يفرض ضرورة أن تأخذ تلك الدعوات والجهود طابعاً أكثر جدية وعملية بالنظر لما يمكن ان يلعبه قيام ذلك السوق من دور حيوي في تمكين دول مجلس التعاون الخليجي من تطوير اقتصادياتها الوطنية, وتوطيد التجارة البينية بينها وبين باقي اقطار الوطن العربي, طالما ان امكاناتها على توطيد التجارة البينية فيما بينها لا تزال وستبقى محدودة. ولننظر في البدء الى هذا الموضوع ــ أي التجارة الخليجية البينية, حيث تكفل الاتفاقية الاقتصادية الموحدة تبادل المنتجات والاعفاء من الرسوم الجمركية والعمل على وضع حد ادنى لتعرفة جمركية تطبق تجاه العالم الخارجي. كما تكفل الاتفاقية تسهيلات لمرور البضائع بطريقة العبور وتنسيق السياسات والعلاقات التجارية تجاه الدول الاخرى والتكتلات والتجمعات الاقتصادية. كل ذلك من شأنه تشجيع التجارة البينية الخليجية وتوسيع السوق ومن ثم تشجيع مساعي الدول الخليجية الى تأسيس الصناعات الوطنية وتنويع الاقتصاديات. غير ان التجارة البينية بين دول مجلس التعاون لاتزال متواضعة. وكما هو معروف فإن أحد الاسباب ضعف نسبة التجارة البينية الخليجية هو التركيبة السلعية الخليجية وتشابه السلع المنتجة في بلدان المجلس. ويعزا ضعف التبادل التجاري بين دول المجلس ايضا لوجود معوقات عديدة تقف في طريق انسياب التجارة, وتقوم لجنة التعاون التجاري ولجنة التعاون الصناعي بدراستها وتقديم المقترحات لمعالجتها. كما ان عدم اعتماد التعرفة الخارجية الموحدة حتى الان هو بلاشك عقبة رئيسية وذات تأثيرات سلبية على التجارة الخارجية وهناك جهود حثيثة مبذولة لتوحيد التعرفة بين دول المجلس تجاه العالم الخارجي. في الجانب الآخر نجد ان الحديث حول اقامة سوق عربية مشتركة يأخذ أبعاداً جدية في الوقت الحاضر بعد ان ظلت الدول العربية لأكثر من نصف قرن تتطلع الى تحقيق التكامل الاقتصادي فيما بينها. وقد انشئت من اجل تلك الغاية العديد من الأجهزة والمؤسسات وعقدت العديد من الاتفاقيات. وقد اصابت تجربة العمل الاقتصادي العربي قدرا من النجاح كما صاحبتها بعض الاخفاقات. ومع التطورات على الساحة العالمية التي تميزت بقيام تكتلات اقتصادية عملاقة في العديد من انحاء العالم برزت الاهمية الخاصة لاستغلال الدول العربية لفرص وامكانيات التكامل الاقتصادي فيما بينها لتعزيز قوتها التفاوضية في السوق الدولية وتحسين موقعها في تقسيم العمل الدولي, وبدت أهمية تنمية التجارة العربية من الارقام المنخفضة للتجارة البينية العربية ونموها البطىء بالمقارنة مع اداء التجارة على المستوى العالمي. وتجاوبا مع ذلك جاء قرار القمة العربية التي عقدت بالقاهرة في يونيو 1996 بإقامة منطقة التجارة العربية الكبرى. ولعل التجارة هي المدخل المناسب والواقعي للتكامل الاقتصادي العربي. وهي المداخل التي انتهجتها التكتلات العالمية الرئيسية. فما هو اذن الرابط بين الاثنين؟ والتكامل الاقتصادي العربي؟ ان دول الخليج العربية بامكانها الاستفادة من التوجهات العربية لاقامة سوق عربية مشتركة وذلك من خلال تبني وبصورة مشتركة استراتيجية فعالة وذلك لتعزيز وتوثيق تكاملها المادي والاقتصادي مع الدول العربية الاخرى. كما ان هذه الاستراتيجية تمثل ضمانة فاعله تساعد دول الخليج العربية ومعها الدول العربية الاخرى على التخلص من هشاشة علاقتها وبنائها على أسس اوطد. فمن المعروف ان دول الخليج العربية ونظرا لتشابه هياكلها الاقتصادية انتج العديد منها نفس الصناعات القائمة على النفط والغاز ومشتقاتهما, كما ان هناك المئات من الصناعات الخفيفة والغذائية المتشابهة في هذه الدول, واذا ما اخذنا بالاعتبار محدودية حجم الاسواق المحلية يصبح من الطبيعي ان تبحث منتجات جميع تلك الصناعات عن أسواق خارجية. ان هذه المنتجات ونظرا لملاءمة اسعارها وجودتها بامكانها ان تجعل من الأسواق العربية زبوناً رئيسياً لها خصوصا اذا ما تم اعادة صياغة البرامج التسويقية الموجهة لهذه الاسواق في اطار وجود أشكال أوثق من التعاون الاستثماري والتجاري والاقتصادي مع الدول العربية كوجود البنوك المشتركة والاتفاقيات المتبادلة لضمان الصادرات والاستثمارات ووسائط النقل والشحن والتأمين المشتركة. ان الأموال الخليجية يجب ان توجه بالدرجة الاولى الى هذه الأشكال لتخدم بصورة أكبر التوجهات التنموية الخليجية والعربية ومن ثم هدف اقامة سوق عربية مشتركة. وبهذا المعنى فان التكامل الاقتصادي العربي يصبح عنصرا رئيسيا في استراتيجية التنويع الاقتصادية والتنمية في دول الخليج العربية, وبالتالي أساسا حيويا لامنها الاجتماعي على المدى البعيد.