تعد صناعة الحديد والصلب كما يطلقون عليها هي (الصناعة الأم) وهي عماد معظم الصناعات الأخرى إن لم يكن كلها, وقد أطلق عليها في مطلع القرن وصف (الصناعة الثقيلة), وكان وجودها في أي دولة هو معيار أساسي لوصف هذه الدولة بأنها صناعية, وتقوم هذه الصناعة الأم على عنصرين أساسيين وهما الطاقة والخام, وبقت الطاقة وسوف تظل العنصر الأساسي لهذه الصناعة العملاقة بينما تغير وضع الخام فيها لينافسه تراكمات وبقايا ونفايات إنتاج المعادن على مدى سنوات طويلة, وهو ما يطلق عليه في الأسواق التجارية مصطلح (السكراب) أو (الخردة) من بقايا المعادن المستخدمة والقديمة, والتي يتراكم منها كل عام كميات هائلة في الأسواق العالمية تقدر بملايين الأطنان, وأصبحت الآن بعد تدويرها وإعادة صهرها وسبكها مصدراً أساسيا في صناعة الحديد والصلب يفوق بكثير أهمية خام الحديد نظراً لما يوفره من نفقات ومراحل التعامل مع الخام. تجارة السكراب وتشغل تجارة السكراب في السوق العالمية حاليا مساحة كبيرة, وتحظى باهتمام كبير من الدول الصناعية الكبرى التي تسعى شركاتها ومصانع الحديد والصلب فيها لتجميع أكبر كميات من السكراب من مختلف أسواق العالم لاستخدامه كبديل لخام الحديد في صناعة الحديد والصلب. وتشغل أسواق دولة الامارات العربية المتحدة أهمية خاصة في تصدير واعادة تصدير (السكراب) لمختلف أنحاء العالم وخاصة لبعض الدول الصناعية الكبرى مثل اليابان والولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا والهند وغيرها, ويأتي السكراب إلى دولة الامارات عن طريق الاستيراد, وأيضاً عن طريق بقايا ومخلفات الحديد المختلفة في داخل الدولة من بقايا المعدات والآلات والأجهزة القديمة والمستعملة وبقايا السيارات القديمة وغيرها من مصادر مخلفات الحديد. تجارة دبي وحسب الاحصاءات الرسمية فان تجارة السكراب في امارة دبي شهدت نمواً ملحوظاً خلال السنوات العشر الأخيرة واستقطبت التجار من كل أنحاء العالم, وحسب الاحصاءات في السنوات الأربع الماضية, بلغ حجم واردات دبي من السكراب عام 1995, 17 ألف طن بينما وصلت صادراتها في العام نفسه الى أكثر من 217 ألف طن, وفي عام 1996 بلغت صادراتها 157 الف طن بينما بلغت في عام 1997 حوالي 199 الف طن, وفي عام 1998 بلغت صادراتها حوالي 160 الف طن من السكراب هذا مع بقاء نسبة وارداتها من الخارج من السكراب في حدود لا تزيد عن 22 الف طن. تجارة الشارقة أيضاً شهدت تجارة السكراب في إمارة الشارقة نمواً كبيراً في السنوات الأخيرة حيث بلغت جملة صادراتها منها عام 1996 حوالي 65 ألف طن, وفي عام 1997 بلغت حوالي 54 الف طن, وفي عام 1998 بلغت حوالي 52 ألف طن, في حين لم تزد وارداتها طيلة هذه الأعوام من السكراب عن ألفي طن سنوياً. وتعكس هذه الاحصاءات بوضوح حجم وكميات (السكراب) الذي يخرج من دولة الإمارات كل عام, والذي ينتج في الأساس عن مخلفات وبقايا المعادن المستعملة داخل الدولة, وتستورده من أسواق الإمارات شركات امريكية ويابانية وأوروبية ومن كل أنحاء العالم تحصل عليه بأسعار رخيصة وتنقله الى بلادها وتعيد تدويره وتصنيعه في شكل سبائك حديد وصلب وتعيد تصديرها إلى كل دول العالم وعلى رأسها دول الخليج التي تستورد سنوياً ما يقرب من أربعة ملايين طن من الحديد والصلب تقدر قيمتها بما يقارب الاثنين مليار دولار, وتستورد دولة الإمارات وحدها سنوياً حوالي 1.5 مليون طن من الحديد. سؤال هام ومن أهم مقومات هذه الصناعة العملاقة الطاقة (الغاز أو النفط) والخام والذي يفوق ويتميز عليه السكراب لما يوفره من مراحل ونفقات تصنيع كبيرة, وهذان العنصران متوفران وبكميات هائلة كما ذكرنا في دولة الامارات بالتحديد وفي منطقة الخليج بشكل عام والتي تملك وحدها 14% من احتياطيات الغاز العالمي, ويبقى لدينا السؤال المهم لماذا لا نستغل توافر هذه المقومات الهائلة لبناء صناعة عملاقة في دولة الإمارات مثل صناعة الحديد والصلب؟ والتي إذا لم تتوافر لها الأسواق العالمية بسبب المنافسة الشديدة, فعلى الأقل تغطي حاجة الأسواق الداخلية والإقليمية على مستوى دول التعاون الخليجي. تحقيق البيان هذا السؤال المهم طرح نفسه في أعقاب قيام (البيان) في عددها الصادر يوم 13 فبراير الماضي بنشر تحقيق حول تجارة السكراب في دولة الامارات, وان كان هذا ليس أول تحقيق تنشره الصحف حول هذا الموضوع, وقد سبقه العديد من التحقيقات, إلا أن التوقيت الذي نشر فيه التحقيق ــ حسب قول أحد الخبراء ــ هو الذي أعطاه أهمية خاصة, حيث يأتي هذا التحقيق في أعقاب تضخم تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية وانخفاض أسعار النفط والبحث عن موارد أخرى غير النفط وأيضاً في أعقاب موجة إفلاس وانهيار العديد من الشركات وخاصة مصانع الحديد والصلب في العديد من الدول الصناعية الكبرى بسبب زيادة نفقات التصنيع وانهيار العديد من الأسواق العالمية, وخاصة أسواق جنوب شرق آسيا التي كانت تستورد وحدها 40% من الانتاج العالمي من الحديد والصلب, واستوردت عام 1997 حوالي 75 مليون طن في حين لم تستورد الدولة الصناعية الأولى, الولايات المتحدة الامريكية أكثر من 30 مليون طن, والتي تعد ثاني المستوردين في العالم وأولى المنتجين في الوقت نفسه. توجه الشركات والآن وفي أعقاب الأزمات الاقتصادية العالمية واحجام العديد من الدول الصناعية عن الاستيراد, أصبحت صناعة الحديد والصلب تواجه مشكلة كبيرة في زيادة نفقات الإنتاج, وهو الأمر الذي أدى إلى إفلاس العديد من الشركات, وتوجه العديد من الشركات الأخرى, وخاصة في الشهور القليلة الماضية إلى الدول التي تتوافر فيها مصادر الطاقة والأيدي العاملة الرخيصة والأسواق القريبة, مثل دول الخليج, تفكر في إعادة إنشاء مصانعها فيها واختيارها مركزاً لتوزيع الحديد والصلب لكل أسواق العالم. ومما لا شك فيه أن إنشاء هذه الشركات لمصانعها في دول الخليج أمر جيد, ولكن الأفضل منه بكثير استغلال الفرص المتاحة لإنشاء صناعة حديد وصلب وطنية عملاقة تعتمد في الأساس على المقومات المتوافرة لدينا, وعلى رأسها (الغاز والسكراب) اللذان يكفيان وحدهما لبناء هذه الصناعة العملاقة. مؤتمر الدوحة ونترك الأمر بعد هذه المقدمة الطويلة لأهل الخبرة والمسؤولين في الدولة ليدلوا بآرائهم في هذه القضية الهامة جداً, والتي يعكس مدى أهميتها وبشكل واضح المؤتمر الذي سوف يعقد في الثالث والعشرين من مايو الجاري في العاصمة القطرية الدوحة, والمخصص لمناقشة التحديات الكبرى التي تواجهها صناعة الفولاذ على مستوى العالم, وفي منطقة الشرق الأوسط بالتحديد, وهو المؤتمر الذي سوف يستمر ثلاثة أيام, ويحضره ممثلون من أكبر الدول الشهيرة بصناعة الحديد والصلب, ومن أكبر الشركات العالمية في هذا القطاع مثل (ميرال لاينش) البريطانية و(إس. إم. إس) الألمانية, و(فوست ألين) النمساوية, و(كوب ستيل) اليابانية, ومن تركيا ومصر والبحرين والسعودية والجزائر وقطر, ومن (رولنج ميل برودكشن) الايرانية وغيرها من الدول هذا في الوقت الذي تغيب فيه عن المؤتمر دولة الامارات والتي لم يعلن حتى الآن عن مشاركتها بوفود رسمية او خاصة في المؤتمر, في حين أنها تعد أكبر مصدر للسكراب في المنطقة لمعظم مصانع الحديد والصلب في كل أنحاء العالم, ومن أكبر المستوردين في المنطقة للحديد, وهذا أمر آخر يثير التساؤل ويعطي لتحقيقنا هذا أهمية خاصة في هذا التوقيت بالذات. توافر المقومات من غرفة تجارة وصناعة دبي تقول الخبيرة الصناعية د. سهير السبع, ان صناعة الحديد والصلب التي تعتمد في الأساس على تدوير (السكراب) لها أهمية خاصة بالنسبة للاقتصاد الوطني في دولة الإمارات بالتحديد والمطروح عليه العديد من الصناعات بعضها مناسب وبعضها غير مناسب, وترجع أهمية هذه الصناعة بالتحديد لعوامل وأسباب متعددة منها: آ أولاً: أنها تحافظ على البيئة, كهدف أساسي تضعه دولة الامارات في مقدمة أهداف حركة التصنيع داخلها, حيث تخلو صناعة الحديد والصلب المعتمدة على تدوير (السكراب) بشكل كبير من التلوثات الناتجة عن صناعة الحديد المعتمدة على تصنيع الخام, وتتفادى الأولى مراحل عديدة في الصناعة الثانية وخاصة المراحل التي تسبب التلوثات للبيئة بشكل كبير, وان كانت الصناعتان تسببان نوعاً آخر من التلوث وهو (الضوضاء) إلا انه أمر بالامكان السيطرة عليه عبر التكنولوجيا الحديثة. آ ثانياً: وفي المجال نفسه فإن تراكم السكراب أو الخردة بكميات كبيرة في دولة الامارات في انتظار البيع أو التصدير يعد في حد ذاته مصدراً كبيراً للتلوثات للبيئة, وهو الأمر الذي يحكم في الأساس رواج أسواق التجارة أو عدم رواجها بينما لو توجهنا لهذه الصناعة فسوف نستهلك كل هذه الكميات الهائلة فيها ولن يبقى منها شيء يتراكم في المخازن. آ ثالثاً: ان لدى الإمارات كميات هائلة من السكراب لأن إستخدامات الحديد فيها يشوبه شكل كبير من الهدر والاهمال, ولابد من الاستفادة من هذه الكميات في التصنيع. آ رابعاً: هناك فارق كبير في الأسعار بين شراء الحديد المصنع في الخارج, وتدوير (السكراب) الذي يختصر مراحل عديدة في إنتاج الحديد باعتماده على حديد موجود وليس خاماً ولا يحتاج سوى لعمليات الصهر والتشكيل النهائية, مما يجعله أقل بكثير في نفقات الإنتاج, رغم كل ما سوف ينفق في إنشاء هذه المصانع الجديدة. آ خامساً: تدوير السكراب هام جداً لإنشاء صناعة حديد وصلب في دولة الإمارات التي تفتقر بشكل كبير إلى خام الحديد. آ سادساً: تدوير السكراب يحتاج لمصادر طاقة أقل من تصنيع الخام, والطاقة متوافرة في دولة الإمارات وبكميات كبيرة سواء الغاز أو النفط. آ سابعاً: موقع دولة الإمارات في منطقة الخليج وقربها من الأسواق العربية والعالمية يجعلها مركز جذب كبير ودائم للخردة والسكراب من كل أنحاء العالم مما يضمن توافر المادة الإنتاجية اللازمة والأساسية لصناعة التدوير وبشكل دائم ومستمر, وهناك في قطر مصنع كبير للحديد والصلب لكنه يعتمد في الأساس على الخام وليس على السكراب, وهذا يضمن تميزاً للإمارات في عرض منتج أقل تكلفة. آ ثامناً: صناعة الحديد القائمة على تدوير السكراب تحتاج لايدي عاملة أقل من تلك القائمة على الحديد الخام, ولهذا نسميها صناعة محدودة في رأس المال, وتتفق الى حد كبير مع توجهات السياسية التصنيعية في الإمارات. آ تاسعاً: صناعة الحديد القائمة على تدوير السكراب تتيح للمصانع الفرصة للحصول على سبائك وفورمات بأشكال خاصة أسهل من صناعة الخام الذي يصعب تشكيله بسهولة ويحتاج لعمليات ومواد أخرى حتى يخرج بالشكل المطلوب ويقاوم الصدأ, وهي الأمور التي توفرها صناعة تدوير السكراب. السوق موجودة وتضيف الدكتورة سهير قائلة بأن انشاء هذه الصناعة في دولة الإمارات ونموها لن يعوق إنتاج دول الخليج الاخرى من الحديد والصلب, وذلك لأن الانتاج الحالي لا يزال محدوداً جداً ولا يكفي السوق المحلية, والاستيراد في زيادة مستمرة, وتقول ان صناعة الحديد والصلب لا شك أفضل بكثير من تجارة السكراب حتى على المدى البعيد, لان التجارة بكل أنواعها تخضع للسوق, أما الإنتاج والتصنيع فيقدم فرصة للتحكم في الأسعار, والتصنيع وان لم يعطى أرباحاً في البداية فسوف يعطيها في المستقبل القريب, ويساهم في التنمية الاقتصاديةة بشكل أكبر وأكثر تأكيداً وثقة من التجار. ثروة مهدورة ومن منظمة التنمية الصناعية التابعة للأمم المتحدة (اليونيدو) يقول الخبير الصناعي المهندس يحيى جليلاتي: لقد لفت نظري مؤخراً التحقيق المنشور في (البيان) حول تجارة السكراب في دولة الإمارات, ورأيت انه من الضروري ان اشارك معكم في طرح هذه القضية الهامة التي يمكن ان تعطي الكثير لو تحققت أهدافها على أرض الواقع, ويقول جليلاتي من الملفت للنظر أن كميات السكراب التي تدخل دولة الإمارات (حسب الاحصاءات الرسمية) كبيرة والكميات التي تخرج منها أكبر بكثير, وهذه في حد ذاتها في رأيي ثروة كبيرة يجب عدم التفريط فيها بهذه السهولة ويجب الا تظل دولة الامارات مجرد معبر لهذه الثروة الهائلة لتستفيد منها دول أخرى بشكل جيد وتكون نهضة صناعية كبيرة, خاصة وان دولة الامارات تمتلك وبكميات وفيرة أهم مقومات هذه الصناعة العملاقة وهي الطاقة سواء (الغاز أو النفط) ولا يخفى على أحد مدى ما يحققه انشاء مثل هذه الصناعة في دولة الإمارات من فوائد إقتصادية واجتماعية أيضاً حيث توفر العديد من فرص العمل للكثير من المواطنين وخاصة من خريجي معاهد التقنية في الدولة. الطاقة متوفرة ويضيف جليلاتي قائلاً: ان دول الخليج تستورد سنوياً حوالي 3.5 ملايين طن من منتجات الحديد والصلب من الدول الصناعية تقدر قيمتها بأكثر من إثنين مليار دولار, لادركنا مدى أهمية تكوين صناعة حديد وصلب تعتمد على تدوير (السكراب) في منطقة الخليج التي تخلو تقريباً منها, خاصة إذا علمنا ان كمية الطاقة المطلوبة في تدوير السكراب أقل بكثير من المطلوب للصناعة الأولى وتجميع سكراب الحديد والصلب أقل تكلفة بكثير من تجميع وتعدين خام الحديد. ويضيف قائلاً أن صناعة الحديد والصلب في أوروبا وبعض الدول الصناعية الأخرى تحتاج لنفقات كبيرة, وهم يستوردون النفط ويحولوله لطاقة كهربائية تستخدم في صناعة الفولاذ ونحن لدينا في الامارات المصدر الرئيسي والهام والرخيص للطاقة اللازمة لهذه الصناعة وهو الغاز فلماذا لا نقوم نحن بالاستفادة من الكميات الهائلة من السكراب الموجود لدينا وننشىء صناعة الفولاذ عندنا. الدول الأخرى ويقول (جليلاتي) ان المصاهر الحديثة تعتمد الأفران الكهربائية لإنتاج أنواع (الفولاذ الخلائطي) بقيمة وتكلفة تعادل أضعاف أسعار السكراب الذي يصدر إلى كافة مصانع الفولاذ في العالم, والموجود منه كميات هائلة في أسواق الإمارات, ويمكن أيضاً أن يتولد عنه صناعات لاحقة محلية لمنتجات هندسية نصف مصنعة (مسكوبة ومطروقة) وجميع هذه الصناعات وجودها محدود في منطقة الخليج ويمكن وبسهولة ان تكون أساساً لصناعات أخرى مثل السيارات والآلات والمعدات, وهذا ما يدفع شركات أوروبية كثيرة للتوجه لمنطقة الخليج للإستفادة من مصادر الطاقة والأيدي العاملة الرخيصة وتوافر السكراب وهي عوامل أساسية أثبتت الدراسات أن توافرها يخلق صناعة حديد وصلب كبيرة وعالمية, كما تؤكد الدراسات أن توافر هذه العوامل وخاصة مصادر الطاقة سوف يجعل العديد من المصانع الأوروبية تتوجه إلى دول الخليج, وقد سبق ان رأينا كيف تمت صناعة الحديد والصلب في دولة مثل أسبانيا بسبب انخفاض تكاليف الإنتاج فيها مما جعل الشركات الأوروبية والأمريكية تتوجه إليها, والظروف الآن مواتية لتوجه هذه الشركات لدول الخليج خاصة في أعقاب الأزمات الاقتصادية التي جعلت من الصعب على العديد من هذه الشركات الاستمرار في انتاجها العالي التكلفة في المناطق البعيدة عن مصادر الطاقة, ويضيف جليلاتي قائلاً: ان العديد من الشركات في مختلف انحاء اوروبا افلست واغلقت ابوابها بسبب ارتفاع نفقات الانتاج وانخفاض معدلات التسويق, وخاصة في قطاع الحديد والصلب وقد انهارت في بريطانيا وحدها في العام الماضي العديد من المصانع والشركات ومثلها في المانيا, هذا في الوقت الذي ظهرت فيه العديد من الشركات المشتركة في منطقة الخليج والمنطقة العربية كلها والتي تعتمد الحديد والصلب أساسا لانتاجها, مثل المشروع المصري التركي لانتاج سيارات (فيات) ومشروع شركة بيجو لانتاج المحركات في مصر, ومشروع جديد لانتاج الحديد في السعودية, وتوجه الاتحاد العربي للحديد والصلب للدخول في مجال تصنيع قطع الغيار.. الخ. غياب الامارات ويقول جليلاتي: ان انعقاد مؤتمر الفولاذ في الشرق الأوسط في الدوحة قريباً حدث هام جداً وله أبعاد اقتصادية وسياسية كبيرة, ويأتي في ظل الأزمات الحادة التي تعانيها صناعة الفولاذ العالمية في اعقاب الأزمات الاقتصادية العالمية وانهيار الأسواق الاسيوية وتوجه الدول الصناعية الشهيرة بصناعات الحديد والصلب الى خفض إنتاجها وترشيده وتقليل نفقاته وهو الأمر الذي سوف يؤدي الى توجه العديد من هذه المصانع والشركات الى مصادر الطاقة الرخيصة وخاصة في دول الخليج حيث الكميات الهائلة من النفط والغاز, وربما هذا يعكس لنا مدى حرص الجهات العالمية على عقد هذا المؤتمر في منطقة الخليج بالتحديد, ومما يثير الدهشة والتساؤل هو غياب دولة الإمارات عن حضور هذا المؤتمر المهم وهي الدولة التي تتمتع بمقومات هائلة تساعد على تكوين صناعة الفولاذ الهامة والاستراتيجية, ولديها من السياسات والتوجهات والإمكانيات والبنيات التحتية والمناطق الحرة وغيرها ما يسهل بكثير على بناء هذه الصناعة العملاقة حيث يتوقع الخبراء العالميون ان تصبح منطقة الخليج مركزاً رئيسيا لها في القرن المقبل. القضية أكبر وإذا كان هذا هو رأي الخبراء فإن المسؤولين في الدولة أحيانا يكون لهم رأي آخر قد لا يكون مناقضاً لرأي الخبراء لكن تكون نظرته للأمور بشكل آخر ومن جوانب أخرى ربما تكون أكثر عمومية وشمولية. ويقول مدير عام دائرة التنمية الصناعية بالشارقة (عبدالحكيم مصبح السويدي) إن أي صناعة مهما كبر حجمها أو زادت أهميتها تحتاج لدراسات جدوى شاملة وليس فقط لأداء الخبراء الفنيين في هذه الصناعة بالتحديد, ولابد من دراسة كافة النواحي المرتبطة بهذه الصناعة سواء اقتصادياً أو اجتماعيا أو بيئيا وغيرها, وصناعة الحديد والصلب القائمة على تدوير (السكراب) لا شك أنها صناعة رائدة ولها شأنها في تنمية الاقتصاد, ولكن لابد علينا أولاً وقبل كل شيء دراسة مدى ملاءمة هذه الصناعة لبيئتنا وأيضاً مدى ملاءمتها لإقتصادياتنا كدولة الإمارات ككل وأيضاً بالنسبة لمنطقة الخليج كلها, والتي لا ينفصل اقتصاد الامارات عنها بل يرتبط بها في نواح كثيرة, وعلينا ان ندرس العملية ككل من ناحية التكلفة والارباح والتسويق المحلي والاقليمي والعالمي, وعلينا أيضاً وبالضرورة ان ننسق مع باقي دول الخليج والا ننفرد بمثل هذه القرارات الهامة في التصنيع بعيداً عنهم. بحث كل الأمور ويضيف السويدي قائلاً ان الأمر ليس مجرد إنشاء صناعة كبيرة وحسب بل لابد من بحث كافة الأمور اقتصادياً واجتماعياً ومدى تأثير هذه الصناعة على البيئة والعمالة في الدولة, وعلينا أيضاً ان نبحث ايهما أكثر ربحاً تدوير السكراب أم تجارته, وهل الأمر يستحق القضاء على تجارة السكراب وتصديره والتي يستفيد منها قطاع كبير من التجار والشركات في الدولة خاصة وان إنشاء صناعة الفولاذ أمر كبير له تكاليفه ونفقاته الباهظة, وهناك العديد من الورش والمصانع الصغيرة للفولاذ في داخل الدولة والتي سوف يكون لوجودها تأثير كبير على تسويق المصانع الكبيرة. ويقول (السويدي) نحن بالقطع لسنا ضد إنشاء صناعة استراتيجية هامة مثل الحديد والصلب في دولة الامارات, ولكن علينا ان ننظر ونبحث الأمر من كافة جوانبه, ونراعي إمكانيات الدولة ومساحتها الصغيرة وبيئتها, ونراعي وقبل كل شيء الأجيال القادمة التي من حقها علينا ألا نترك لها ما يضرها ويلوث البيئة الصغيرة التي سوف تعيش عليها. مشروع للأهلي ولم يفوتنا في تحقيقنا هذا ان نستطلع آراء رجال الأعمال المواطنين, وخاصة منهم العاملون في هذا القطاع وقد وجدنا بالفعل لديهم مفاجأة لم نكن نتوقعها عندما شرعنا في تحقيقنا هذا, وهي ان هذه المسألة بالتحديد محل بحث ومفاوضات في إطار مشروع عملي ربما يعلن عنه ويرى النور قريباُ في دولة الإمارات وخاصة في إمارة دبي فقد صرح لنا عبدالرحمن أهلي صاحب مصانع (أهلي) للفولاذ في دبي بأن مصانعه بصدد الدخول في مشروع كبير يقوم في الأساس على تدوير (السكراب) واستخدامه في صناعة الحديد وأنه لا يستطيع ان يصرح الآن بالجهات التي سوف تشارك في هذا المشروع الكبير والذي من المتوقع ان يصل إنتاجه من الحديد إلى حوالي 450 ألف طن سنوياً. ويقول أهلي: على الرغم من الأزمات الاقتصادية وهبوط الاسعار إلا ان الطلب على الحديد والصلب في اسواق الامارات قائم ونحتاج سنوياً إلى 1.5 مليون طن نستورد معظمها من الخارج, والإنتاج المحلي من المصانع الصغيرة لا يكفي, وكميات السكراب الهائلة التي تصدر للخارج من دولة الإمارات نحن في حاجة إليها ونستطيع ان نستخدمها في تكوين صناعة حديد وصلب كبيرة في دولة الإمارات, وأعتقد ان المشروع الجديد سوف يستوعب كميات كبيرة من السكراب الموجود في الامارات وأضاف أهلي بأنه على علم بمؤتمر الفولاذ الذي سوف يعقد قريباً في الدوحة وانه ينوي المشاركة فيه بالحضور. ونختتم تحقيقنا مع هذا البريق من الأمل في تكوين صناعة حديد وصلب كبيرة في دولة الإمارات تعتمد في الأساس على تدوير الكميات الهائلة من (السكراب) ومصادر الطاقة المتوافرة بشكل كبير في دولة الإمارات. برواز أرقام هامة آ تصدر دبي سنويا ما يقرب من 200 الف طن من السكراب بما قيمته 118 مليون درهم تقريباً. آ تصدر الشارقة سنويا حوالي 51 ألف طن من السكراب بما قيمته حوالي 22 مليون درهم. آ تستورد دول الخليج سنويا حوالي اربعة ملايين طن من الحديد والصلب بما قيمته اثنين مليار دولار تقريباً. آ تستورد دولة الإمارات سنويا حوالي 1.5 مليون طن من الحديد. آ تملك دول الخليج 14% من الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي. آ تشير التوقعات ان يصل انتاج الامارات من الحديد قريباً الى 450 ألف طن سنوياً. تحقيق: مغازي البدراوي