تحدثنا في المقالة السابقة عن أهمية قيام الشركات المساهمة العامة بالدفاع عن أسهمها بضوء عدم سير آلية تسعير الأسهم بالصورة الصحيحة في أسواق الأسهم الخليجية. وهذا يجرنا للحديث عن قضية اخرى وهي كيفية تسعير الأسهم في أسواق الأسهم , وهل الاسعار التي عليها اسهم الشركات المساهمة في أسواقنا المالية تمثل حقيقة المستوى السليم لها؟ من الملاحظ بالفعل ان تحركات أسعار الأسهم في أسواق الأسهم الخليجية تخضع لكثير من العوامل غير المحسوسة. ففي الآونة الآخيرة شاع تفاؤل بأن تستفيد هذه الاسواق من التطورات الايجابية التي تشهدها أسواق النفط حاليا, حيث من المؤمل ان تنضم هذه التطورات الى العوامل الايجابية الاخرى مثل الأداء المالي للشركات المساهمة وتدني أسعار الأسهم لتمثل قوة دفع موحدة تعمل على تحسين أداء هذه الاسواق ومع ذلك, فإن هاجس الريبة والتخوف من التقلبات الحادة في هذه الاسواق لايزال يراود هذه الأسواق بفعل العوامل غير المحسوسة والنفسية التي تحرك هذه الاسواق, خصوصا ان هذه العوامل تتحرك ــ بعض الاحيان ــ في اتجاهات غير متناغمة ــ وبعض الاحيان متعاكسة ــ مع العوامل الأساسية (Fundementals) لهذه الأسواق. وبقدر ما يجد الانسان نفسه عاجزا عن تجاوز العوامل النفسية لدى قيامه باتخاذ الكثير من القرارات في حياته اليومية, الا ان الامر يظل مع ذلك يعكس تغلب العواطف والمشاعر بدلا من سيادة التفكير الواعي والمنطقي لدى فئات واسعة لا يمكن الاستهانة بها من المستثمرين في أسواق دول المنطقة. ان التحولات السريعة والحادة ــ والتي كثيرا ما تكون غير مبررة ــ التي شهدتها أسواق الاسهم الخليجية خلال العام الماضي ولاتزال تشهدها قد أضفت بعض الشرعية والتسلط على الدور الذي تلعبه العوامل غير الحسية والنفسية والتي لاحظنا ان العديد من المستثمرين يتأثرون بها بدافع غريزي وبدون التدقيق في نتائجها. وقد طبعت هذه العوامل بطابعها على سلوكيات المستثمرين, فنرى بعضهم قد بات وأضحى أسيرا للشك والتخوف من التحركات السعرية للأسهم التي لا يهواها ولم تستطع أكثر الروايات الغرامية فك طلاسمهما. بينما وجدنا مستثمرين آخرين قد هاموا غراما في أسهم بعينها ودون سواها. فنجدهم يعمدون الى التعامل في هذه الأسهم مهما اختلفت الظروف في السوق, وحتى اذا اضطروا ان يتعاملوا بصورة مؤقتة في أسهم اخرى فإن افئدتهم وعواطفهم تظل معلقة بالأسهم التي حققوا معها بعض المكاسب في الماضي. ان خطورة هذا الولاء تكمن في كونها تكرس قناعة نفسية لدى المستثمرين بأن هذه الأسهم لابد ان تحقق لهم المكاسب التي يريدونها في النهاية حتى وان كانت تكبدهم الخسائر على المدى المنظور. وهم بذلك يتجنبون الأخذ بالاعتبار الحقائق الجديدة التي تبرز وتؤثر على قيمة هذه الأسهم, ويتناسون ان الأسهم التي يحبونها لا يمكن ان تبادلهم الشعور نظرا لفقدانها الاحساس والعواطف حيث تتصرف بعيدا عن تطلعات وعواطف من يحبونها. وهكذا نلاحظ ان التصرف السلوكي للمستثمر على هذا الصعيد هو الذي يحرك العوامل الفنية في السوق بدلا من ان يكون العكس. ان المستثمر الحصيف عليه ألا يدع عواطف الماضي تؤثر على نظرة المستقبل, فالأسهم هي دائما قطعة من الورق تمثل قيما متغيرة في عالم متغير. ومن التصرفات السلوكية التي برزت خلال العام الماضي في عدد من أسواق الأسهم الخليجية وأضرت بكثير من المستثمرين وخاصة الصغار منهم هي غريزة الركض وراء الجموع. وهكذا نجد المستثمر يتلقف أول اشارة لوجود اقبال على سهم معين ليبادر الى الانضمام الى الركب دون ان يتوقف لحظات كافية ليسأل نفسه لماذا هذا الاقبال ولماذا الانضمام الى الركب؟ بل انه يحاول الحصول على هذا السهم بأي ثمن مما يسهم في رفع سعره الى مستوى أعلى مما هو مقبول. ان خطورة هذه الاستراتيجية تتضاعف في أسواق أسهم مثل أسواق الأسهم الخليجية حيث يشهد العديد منها وجود نفر قليل من المتعاملين الرئيسيين الذي يعمدون الى خلق تداول مفتعل في بعض الأسهم بهدف رفع أو تخفيض أسعارها ومن ثم المبادرة الى بيعها أو شرائها لتحقيق مكاسب وفيرة في حين يتضرر المستثمر العادي الذي دخل الى وسط الحلبة دونما دراسة كافية بما يجري فيها. وحقيقة القول, ان المستثمر قبل كل شيء هو انسان يملك مختلف الاحاسيس والمشاعر التي تتأثر بما حولها من الظروف, ولا يستطيع عزل نفسه عن المحيط الذي يؤثر بصورة مباشرة على مستقبله وحياته ولاسيما في هذه الظروف التي تتسم فيها أسواقنا المالية بعدم الاستقرار والتقلبات المفاجئة في الاسعار. عند صعود السوق ترتفع معنويات المستثمر ويتحسن أداؤه وتزداد ثقته بنفسه. الا ان الهبوط في السوق يصيب البعض بخيبة الأمل ويزيد في عزلتهم وينتابهم السأم والاكتئاب. الا ان ما نخشاه انه مع تكرار وشيوع التقلبات والهبوط تتحول خيبة الأمل الى موقف دائم وبعبارة أدق الى استراتيجية دائمة للتعامل مع الاسهم وهنا تكمن خطورة الموقف. ان المستثمر المتزن والذي يهتم بتنمية مدخراته يمكنه تحصين نفسه ضد هذه المخاطر والانفعالات النفسية, فعليه أولا وقبل المباشرة في العملية الاستثمارية ان يتأكد انه متفهم لظروفه المالية الخاصة, عارف لمتطلباته الآنية واللاحقة وبالتالي هيأ نفسه لقبول النتائج والتعايش معها مهما بلغت. بعد هذه المرحلة من الاعداد النفسي تأتي مرحلة البرمجة والتخطيط ويعتبر التنويع في الاستثمار من أهم أسس هذه المرحلة فتنويع الاستثمارات على قطاعات متعددة بقدر الامكان يقلل من فرص الصدمات النفسية المفاجئة. ويوفر مرونة للتحول بين مراكز الاستثمار والمضاربة تبعا لتحولات السوق بين المد والجزر.