نحن في الحقيقة نؤيد ما ذهب اليه الدكتور عبيد صقر بوست رئيس مجلس جمارك الدولة مدير عام جمارك دبي حول موضوع التعرفة الجمركية عندما صرح بأنه لا يوجد توجه لدى الدولة لزيادة الرسوم الجمركية , وان السياسات الاقتصادية للدولة تهدف الى بقاء الرسوم منخفضة وبشكل خاص الرسوم الجمركية, حيث ان زيادة الرسوم الجمركية ليست من مصلحة الدولة في الوقت الراهن, ولقد صرح بتلك السياسات الاقتصادية أصحاب السمو الشيوخ في أكثر من مناسبة. وفي الحقيقة فإن الرسوم الجمركية أو التعرفة الجمركية هي في المفهوم الاقتصادي الدقيق نوع من أنواع الضرائب غير المباشرة, أو كما تسمى في بعض الدول المجاورة ضريبة السلعة أو المنتج. أما تسميتها رسما أو تعرفة فهي تسمية مجازية غير دقيقة, وذلك لأنها تنطبق عليها صفات الضرائب وليس الرسوم. ان السياسات الاقتصادية التي ترمي الى تخفيض الرسوم الجمركية وبشكل خاص في دول الخليج العربية هي في الحقيقة السياسات الاقتصادية الرشيدة, وذلك لأننا لو نظرنا في العصر الحديث لوجدنا ان كافة السلع والمنتجات المصنعة هي سلع تكون مرونة الطلب السعرية عليها مرتفعة, أي بمعنى آخر ان الطلب عليها يكون ذا حساسية عالية للتغير في سعر السلعة, فاذا ارتفع سعرها بمقدار 1% مثلا, نجد ان الطلب عليها ينخفض بمقدار أكبر من 1%, والعكس صحيح في حالة انخفاض السعر. والمعروف عن الرسوم الجمركية بأنها تعمل على زيادة تكلفة السلع المستوردة بنسبة من التعرفة الجمركية (أي حسب مرونة الطلب السعرية) وهذا ما يجعلنا نسميها ضريبة غير مباشرة لأنها في النهاية سوف يدفعها المستهلك النهائي للسلعة. ويرجع ارتفاع مرونة الطلب السعرية على المنتجات المصنعة لتوفر العرض من تلك السلع بسبب زيادة الطاقة الانتاجية للمصانع مع التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم اليوم وسهولة اجراءات وطرق الاستيراد والتخزين وتوفر البدائل السلعية بكميات كبيرة, فلا تكاد توجد سلع مصنعة ليس لها بدائل. ومن هذا المنطلق يصبح ليس من مصلحة الدولة اطلاقا زيادة الرسوم الجمركية, لأن ذلك سوف يؤدي مباشرة الى زيادة تكلفة السلع والبضائع المستوردة, ومن ثم ارتفاع أسعارها. وبما ان الطلب عليها عالي المرونة ـ كما أشرنا ــ فإن ذلك سوف يؤدي الى انخفاض الطلب على السلع والبضائع المستوردة بشكل كبير, مما سيؤدي بدوره الى خلق ركود اقتصادي في المنطقة. ومن هذا المنطلق تصبح عملية الابقاء والمحافظة على الرسوم الجمركية المتدنية وهي 4% هي الافضل, خصوصا وان هناك توجها من منظمة التجارة العالمية لتحرير التجارة العالمية من القيود الجمركية. ورب قائل يقول بأنه اذا كانت الرسوم على كل مجموعة سلعية موحدة في ذات الدولة الواحدة, فكيف سينتقل المستهلك الى البدائل السلعية الأقل كلفة؟.. نقول له ان هذا الكلام صحيح, ولكن المستهلك في هذه الحالة ينظر الى كلفة السلعة في الدول المجاورة, فإذا وجدها أقل, فسوف يلجأ الى استيرادها من الدول المجاورة خصوصا وان تكاليف نقلها تكون منخفضة جدا لقرب المسافة, أي بمعنى آخر لو قامت الدولة برفع التعرفة الجمركية الى نفس المستوى الذي هي عليه الآن في الدول الخليجية المجاورة, فإن تجارة اعادة التصدير قد تفقد أهميتها عندنا وتنشط في الدول المجاورة, وسوف تكون لذلك آثار اقتصادية سلبية على الاقتصاد. من جهة اخرى فإن الرسوم الجمركية العالية نسبيا اذا كانت موحدة على مستوى دول الخليج العربية, وذلك كما تم الاتفاق عليها بين وزراء المالية في هذه الدول في اجتماع الرياض الذي تم مؤخرا فإنها قد تحقق ايرادا جيدا لميزانيات تلك الدول, وذلك لكون ان المستهلك سوف لن يجد بدائل أقل كلفة في دول المنطقة, وبالتالي سوف يضطر الى شرائها بالكلفة المحددة. وفي هذه الحالة سوف تكون مرونة الطلب السعرية على تلك السلع منخفضة وذلك لأن المستهلك في هذه الدول قد اعتاد على نمط ترفي من الاستهلاك وليس من السهل تغيير ذلك النمط الاستهلاكي برفع كلفة السلع بنسبة بسيطة. وفي الوقت ذاته سوف يؤدي رفع الرسوم الجمركية الى تقلص تجارة اعادة التصدير على مستوى المنطقة, وبالتالي سوف تزداد نسبة الواردات المستهلكة محليا بالنسبة للمعاد تصديرها, أي بمعنى آخر ان هناك آثارا سلبية أخرى قد تظهر على الميزان التجاري لهذه الدول, ومن ثم ميزان المدفوعات, حيث من المتوقع في مثل هذه الحالة ان ترجح كفة الواردات كثيرا سبب تقلص تجارة اعادة التصدير على كفة الصادرات واعادة التصدير. وهذا بالطبع ليس في صالح دول المنطقة, ونحن نرى انه اذا كان الهدف من رفع التعرفة الجمركية هو ايجاد مصدر ايراد للميزانيات العامة فإن مثل هذا الاجراء قد تكون له سلبيات كثيرة كما ذكرنا, وبالتالي فلابد من التفكير في بدائل اخرى.