من الظواهر التي ظهرت في السنوات الأخيرة وتشير إلى مفارقات ظاهرة ازدياد ونمو عدد الجامعات والكليات العلمية في الدولة, وفي الوقت ذاته ضيق فرص العمل للخريجين المواطنين . والنتيجة المترتبة على ذلك ظهور معادلة صعبة, حيث ان مخرجات التعليم لا تتناسب مع متطلبات سوق العمل. أي ان نوعية العرض من القوة العاملة لا تتناسب مع نوعية الطلب. إن ازدياد ونمو أعداد الجامعات والكليات بحد ذاته ظاهرة صحية وهي تعكس التطور والنمو والازدهار الحضاري الذي يعيشه المجتمع. فالعنصر النسائي بشكل خاص والطلبة بشكل عام يفضل أغلبهم الدراسة داخل الدولة وذلك نظرا لكثرة ايجابياتها وانخفاض سلبياتها وخصوصا بعد ظهور الشبكات الالكترونية وامكانية نقل العلوم والمعارف من أي مكان بالعالم بأقل جهد وأقل تكلفة وبسرعة. غير ان ظهور ونمو الجامعات كان ينبغي أن يقترن بالتركيز على الكيف والنوع والجودة لا على الكم, حيث ان المجتمع وفي هذه المرحلة من عمره بحاجة إلى تخصصات معينة أكثر من غيرها. وفي الوقت ذاته توجد بعض التخصصات التي يكون المجتمع بحاجة إليها, ولكنه لا يدرك أهميتها بعد ادراك تام, ومن تلك التخصصات الاحصاء والاقتصاد وعلم النفس وعلم الاجتماع والخدمة الاجتماعية والدليل على ذلك ان الطلب على هذه التخصصات من قبل سوق العمل ما زال ضعيفا على الرغم من أهميتها. أما التخصصات التي ما زال سوق العمل بحاجة إليها هناك اقبال كبير من الطلبة عليها غير ان الجامعات والكليات القائمة ليس لديها الامكانيات الكافية لاستيعاب كافة الطلبة الراغبين في تلك التخصصات والقادرين عليها. ولا أكون مبالغا إذا قلت بأن كليات العلوم الطبية والصحية والصيدلة والتمريض لا تستوعب أكثر من 30% من الطلبة الراغبين في تلك الدراسات والقادرين عليها. فلماذا لا يبادر رجال الأعمال في افتتاح جامعات أهلية للتخصصات المطلوبة والنادرة مثل الطب والعلوم الصحية والصيدلة والتمريض والهندسة بكافة فروعها وتخصصاتها والعلوم الفنية (أي الفنون مثل التمثيل والرسم والنحت وغيرها). إن هذه التخصصات نادرة والطلب عليها مرتفع. أما بالنسبة لارتفاع تكاليفها فلو نظرنا إلى ميزانيات الجامعات والكليات نجد ان حوالي 60% من بنود المصاريف الجارية في الميزانية تخصص للمرتبات والأجور وما يرتبط بها من بدلات وتعويضات وتأمينات اجتماعية. ومن هذا المنطلق تصبح أول خطوة نحو ضغط التكاليف لمثل هذه التخصصات هي البحث عن اليد العاملة الأقل كلفة. وتجدر الاشارة إلى ان الأقل كلفة لا يعني دائما الأقل جودة وخصوصا في هذا المجال, حيث تلعب السمعة الاعلامية والوسط البيئي الذي يعمل فيه الإنسان دورا بارزا في ظهور العالم أو الباحث واكتسابه للسمعة من وسطه البيئي الذي يعمل فيه. أي بمعنى آخر ليس كافة أساتذة الطب العاملين في الولايات المتحدة الأمريكية أو الدول الأوروبية بأفضل من كافة أساتذة الطب العاملين في الدول النامية غير ان الوسط البيئي الذي يعملون به هو الذي جعل عامة الناس وخاصتهم يفكرون ويعتقدون بذلك وان كانوا مخطئين. وقس على ذلك في كافة التخصصات الأخرى. وما نريد الوصول إليه هو ان الجامعات والكليات الجديدة فيما لو افتتحت وركزت اهتمامها على تلك التخصصات النادرة سوف تجد في الدول النامية عموما وفي الهند والباكستان بشكل خاص كوادر لتلك التخصصات لن تقل من الناحية النوعية عن غيرها من الكوادر الموجودة في الدول الصناعية وبأقل التكلفة. وتكون إدارة تلك الجامعات بعد ذلك هي المسؤولة عن كفاءة الأداء فيها. أما الأجهزة التكنولوجية والأصول الرأسمالية للبناء والتشييد فهي تكاليف طويلة الأمد والقطاع الخاص أحرص على ايجادها بتكاليف أقل وجودة معقولة. إن ذلك فيما لو تم سوف يعمل على تخفيف الضغط على الكليات الأخرى. غير انه لاستكمال تلك الرسالة السامية لابد للقطاعات الاقتصادية كل فيما يخصه من انشاء مراكز تدريب للخريجين بصورة أفضل مما هو موجود الآن وايجاد حوافز مالية وإدارية أفضل للتخصصات النادرة والتخصصات الصعبة.