تثير الأوضاع التي تعيشها بورصات الاوراق المالية الخليجية العديد من القضايا الحساسة والحيوية فيما يخص سبل تطوير هذه البورصات وهي عموما قضايا تكاد تكون مشتركة مع وجود بعض الاختلاف . واذا كان متعذرا التوقف امام جميع هذه القضايا للحديث حولها, فإنه من المفيد التوقف أمام أهمها هنا وهي اهمية انشاء بورصة رسمية للأوراق المالية والسماح للشركات المساهمة العامة بشراء جزء من أسهمها من السوق والافصاح المالي والعوامل التي تحرك آلية تسعير الأسهم في أسواق الأسهم وأخيرا فتح هذه الاسواق أمام المستثمرين. ففيما يخص أهمية انشاء بورصة رسمية للأوراق المالية, فإنه يمكن القول ان الاطار الاقتصادي الكلي الذي يحتم قيام مثل هذه الاسواق في الدول النامية عموما يستند الى ما توصلت اليه الدراسات التي أجرتها مؤسسات التمويل الدولية لتجارب الكثير من الدول النامية. فلقد سبق للعديد من المنظمات الدولية المعنية القيام باجراء مسوحات شاملة ومعمقة للبيئة المالية العالمية, وقام الباحثون خلالها بتناول وبكثير من التفصيل تجارب الاصلاح المالي في الدول النامية, حيث تركز البحث على اجراءات التحرير المالي وخاصة اسعار الفائدة والصرف والتجارة وذلك بهدف خلق مناخ اقتصادي كفء يمهد الطريق لقيام رؤوس الاموال المحلية بلعب دور أكبر في التنمية الاقتصادية. ان الملاحظة الهامة التي برزت من خلال هذا المسح هو تعاظم حاجة الدول النامية للاعتماد على مواردها الذاتية في دفع عجلة التنمية. وبالنسبة لكثير من البلدان النامية فإن هذه الحاجة فرضها تراجع تدفق الاستثمارات الاجنبية مع تقلبها الواضح كما حدث في المكسيك حيث تبخرت خلال أيام قلائل مليارات من الاستثمارات الاجنبية التي يفترض انها كانت موظفة محليا. كذلك ازدياد صعوبة الاقتراض من البنوك الدولية وتراجع معدلات المعونات الدولية. أما بالنسبة للدول العربية النفطية فإن تلك الحاجة فرضها ولايزال التراجع المستمر في العوائد النفطية في كل الوقت الذي بلغت فيه هذه البلدان مرحلة متقدمة في تشييد البنى التحتية المتطورة والخدمات الاجتماعية الحديثة للمواطنين, كما بلغت جهود التنويع الاقتصادي منتصف الطريق تقريبا. وبالتالي فإن أي تراجع عن هذه الانجازات سوف ينطوي على آثار اقتصادية واجتماعية سيئة للغاية, ولا بديل من ثم سوى زيادة الاعتماد على الموارد الذاتية في مواصلة الطريق نحو النهاية. وبالنسبة للبلدان العربية النفطية, وخاصة الخليجية, فإن القطاع الخاص يملك موارد مالية كبيرة من شأن توظيف أجزاء مهمة منها في الاستثمارات الوطنية ان يضمن لها وبصورة مستقرة ان تواصل الطريق المرسوم. وفي هذا الاطار الكلي للتوجهات الاقتصادية يبرز الدور الذي يمكن ان تلعبه أسواق رأس المال. فهذه الاسواق توفر للاستثمارات المتداولة فيها خاصية السيولة والتوزيع الواسع للمخاطرة والتعرف اليومي والمنتظم على العوائد المتحققة. وهذه الخصائص الثلاث مجتمعة تمثل أهم حافز يتطلع رأس المال الخاص لتوفره لكي يقوم بالاستثمار. ان دول المجلس بدأت ومنذ العقد الماضي بايلاء اهتمام متزايد بانشاء وتطوير أسواق الاوراق المالية فيها نتيجة لقناعتها بالدور الهام الذي يمكن لهذه الاسواق ان تلعبه في مسيرة التنمية من خلال تعبئة المدخرات المحلية وتوجيهها نحو الاستخدامات الاكثر كفاءة وتوفير التمويل طويل الاجل للمشروعات الاقتصادية. وفي هذا الاطار, أنشأت أربع دول وهي الكويت والبحرين وعمان وقطر أسواقا منظمة للاوراق المالية, واستخدمت السعودية نظاما الكترونيا متطورا لتداول الأسهم بواسطة المصارف تديره مؤسسة النقد العربي السعودي, وتسعى الامارات لانشاء سوق منظمة للاوراق المالية حيث يتم التعامل بالاسهم حاليا عبر اسواق غير رسمية. وعلى الرغم من جميع الاجراءات المتخذة لتطوير أسواق الأسهم الخليجية, الا ان هذه الاسواق لاتزال تواجه العديد من الصعوبات تتمثل في ضآلة عدد الشركات المساهمة ومحدودية الاوراق المالية المعروضة القابلة للتداول والتي تقتصر في الغالب على الأسهم فقط. كما تركز تداول الاوراق المالية في أيدي عدد محدود من المستثمرين مما يعرض التداول الى ممارسات وتقلبات غير موضوعية. كما تفتقر هذه الاسواق الى وجود مؤسسات متخصصة تدعم وتعزز من دورها الاقتصادي كالوسطاء الماليين وشركات وبنوك الاستثمار وصانعي السوق التي تقوم باعداد الدراسات المالية اللازمة وتقديم الخدمات الاستشارية للمتعاملين في الاسواق المالية. اضافة الى ذلك هناك نقص حاد في التشريعات والقوانين التي تحمي المستثمرين والمتعاملين في الاسواق المالية وبما يؤكد الثقة بها ويقلل من مخاطر الاستثمار فيها. ان تجاوز هذه الصعوبات والعقبات يستدعي ضرورة تحسين شروط تشغيل أسواق المال من حيث أنظمة المتاجرة والمعلومات المتوفرة للمتعاملين والرقابة على التحركات السعرية والتداول الداخلي وسرعة تخليص التعاملات وقواعد الافصاح المالي وقوانين حماية المستثمرين فيها. اما على مستوى الاقتصاد الكلي فإن المطلوب اعادة النظر في مفهوم ودور أسواق المال بحيث يتم ربطها بأهداف أكثر عملية ووضوح وقابلية للتنفيذ بعيدا عن الشعارات المجردة.