تابع كافة المهتمين باهتمام بالغ ما نشر حول مناقشة المجلس الاستشاري الوطني في جلسته يوم 10 مايو 1999م لتقرير اللجنة الخاصة بشأن سوق الاسهم المحلية . ونحن نؤيد ما ذهب اليه المجلس من توصيات والتي تصب جميعها فيما يفيد, حسب فهمي لها, بضرورة قيام جهات الاختصاص باجراء دراسة علمية ميدانية لتقييم ماحدث في سوق الاسهم المحلية في اغسطس عام 1998م وضرورة تناوله من جميع جوانبه وأبعاده, حيث ان ما حدث كانت له أبعاد قانونية ترتبط, بالقوانين التي تحكم وساطة الاسهم وتداول الاسهم وتحكم عملية التصريح عن بيانات ومعلومات الشركات وطريقة الاعلان عنها في الصحف المحلية وتحكم عملية التزام البنوك بضوابط واحكام وتعليمات المصرف المركزي, وتحكم آلية الضبطية القضائية للمخالفين الذين قد لا يخالفون بشكل مباشر وانما تتم مخالفاتهم بشكل غير مباشر في الغالب هروبا من قبضة القانون وهو ما يسمى في مفاهيم علم الاقتصاد (الاقتصاد الخفي) ومثال على ذلك ما أشار اليه تقرير اللجنة من قيام بعض المتعاملين بالمضاربة بالاسهم عن طريق التنازلات المفتوحة, اي بمعنى آخر تداول الاسهم دون تسجيل اسماء على الاوراق المتداولة. وهذا يؤدي بدوره من الناحية الاقتصادية الى زيادة عرض النقود وذلك عن طريق تحول تلك الاوراق المتداولة بطريقة غير قانونية الى شبه نقود. ومن الأمثلة على ذلك ايضا التمويل الخفي وغير القانوني الذي تقدمه البنوك لسوق الاسهم متجاوزة به ضوابط وتعليمات المصرف المركزي. ومن الامثلة الحية على الاقتصاد الخفي ايضا ظهور السماسرة غير المرخصين أو المرخصين اصلا لممارسة انشطة اقتصادية اخرى مثل سماسرة العقارات وسماسرة معارض السيارات المستعملة وغيرهم الذين نشطوا كثيرا في ممارسة عمليات الوساطة في سوق الاسهم في ذلك الوقت, هذا فضلا عن العمليات التي كانت تتم بدون وسطاء. ان هذا الاقتصاد الخفي لايدخل في حسابات الدخل القومي وذلك على الرغم من انه قد تم بالفعل وذلك نظرا لعدم وجود حسابات رسمية قانونية تحدده, ولكنه يؤثر تأثيرا فعليا في كافة المؤشرات الاحصائية عن الاقتصاد القومي. من هذا المنطلق فإن دعوة المجلس الاستشاري الوطني الى ضرورة تكليف جهات الاختصاص بتقييم آثار ونتائج ما حدث في سوق الاسهم وانعكاسات ذلك على الاوضاع المحلية ومدى مسؤولية الجهات التي شاركت في عمليات المضاربة وحجم الاضرار الناتجة عنها بهدف الاستفادة من هذا التقييم في تصحيح الاخطاء ومعالجة الاثار المترتبة عليها وتفادي تكرارها مستقبلا وذلك حسبما ورد في احدى توصيات المجلس. جاءت هذه الدعوة في وقتها لتعبر لنا عن مدى وعي وادراك واهتمام الجهات المسؤولة بهذه القضية الاقتصادية الهامة. ونحن في تصورنا ان توصية المجلس الاستشاري هذه تحتاج من جهات الاختصاص لتشكيل فريق بحث علمي متخصص ليقوم بدراسة الموضوع دراسة علمية ميدانية من جميع جوانبه وابعاده, حيث ان ذلك الموضوع له عدة ابعاد كما اشرنا. فبالاضافة الى البعد القانوني الذي سبق ايضاحه ان هذا الموضوع له بعد اقتصادي وبعد اداري وبعد مصرفي. وانا اعتقد ان فريق الباحثين الذي من الممكن ان يقيم ما حدث تقييما علميا ويضع بناء عليه توصيات علمية لابد وان يتضمن اخصائيين في تلك العلوم التي ذكرناها. وان جمع البيانات والمعلومات على الرغم من اهميته لا يعتبر كافيا, حيث ان جمع المعلومات يعتبر خطوة من خطوات البحث العلمي. ونحن نحمد الله تعالى على أن ما حدث من مضاربات لم يحدث في اثناء وجود البورصة الرسمية النظامية والا سوف يكون تأثيره النفسي اكبر مما هو عليه.. وربما يرجع السبب في ذلك الى كون ان الناس تعتقد بأن البورصة سوف تشكل سياجا نظاميا يحمي المستثمرين والمضاربين وتضع فيه ثقة متفائلة كبيرة فإذا ماحدثت مخالفات وتجاوزات في ذلك النظام فإنها تؤدي الى تأثر المتعاملين تأثرا كبيرا. اما في الحالة غير النظامية فالناس لاتستنكر كثيرا ويظل املها معلقا باحلال النظام محل اللانظام. وبتقريب هذا المفهوم الى الأذهان نقول ان غلطة العالم ليست كغلطة الجاهل. من هذا المنطلق فنحن نرى ان الاستفادة من دروس الماضي في نظام سوق الاوراق المالية الجديدة يتطلب منا اجراء دراسة علمية ميدانية لتقييم ماحدث واكتشاف نقاط الضعف الحقيقية بطريقة علمية منظمة ولايكفي ان نقول بأننا احطنا علما بكل ما حدث. وتجدر الاشارة الى ان البورصة النظامية لن تمنع تكرار ماحدث بصورة قطعية ولكنها سوف تعمل على الحد منه وضبطه والتقليل من احتمالاته وآثاره السلبية. وكلما تحرينا الدقة والموضوعية في احكام نظام البورصة المرتقب والاستفادة من دروس الماضي كلما كان النظام محكما بصورة دقيقة.