يمر مشروع قانون البيئة في دولة الامارات هذه الايام في القنوات التشريعية وهو يشارف الوصول الى نقطة النهاية . وتتطلع كافة الانظار الى ذلك القانون الذي سوف يحدد الاطار التشريعي المتكامل لحماية البيئة بكافة مفاهيمها (البحرية والبرية والجوية) وما في باطن البحار والمحيطات وما في باطن الارض وما على سطحها وما في طبقات الجو, والحقيقة ان مفهوم البيئة يمتد ليشمل ابعادا ومفاهيم كثيرة جدا, منها مفاهيم مادية ومفاهيم معنوية, فالمفاهيم المادية معروفة لدى الجميع ويستطيع الانسان ان يدركها بحواسه. اما المفاهيم المعنوية فنقصد بها البيئة الاجتماعية مثلا والبيئة النفسية في العمل والبيت والمجتمع والبيئة الدينية والبيئة التربوية والبيئة الفكرية والبيئة العلمية والبيئة الاعلامية والبيئة الثقافية والبيئة الادارية والبيئة الادبية والبيئة الاقتصادية وغيرها, فإيذاء الجار لجاره يعتبر نوعا من انواع تلوث البيئة والضجيج والاصوات المزعجة تعتبر نوعا من انواع تلوث البيئة, والاتصال بالعملاء على هواتفهم الشخصية للترويج للبضائع يعتبر نوعا من تلوث البيئة, والحروب والصراعات التي يشهدها العالم اليوم تؤدي الى تلوث البيئة بكافة مفاهيمها. والحقيقة ان الانسان يستطيع ان يوسع من مفهوم تلوث البيئة او يضيقه بحسب اهدافه وتطلعاته ورغبته, غير ان مفاهيم حماية البيئة التي يذهب اليها الناس اليوم هي المفاهيم المادية بالدرجة الاولى والى حد ما وبدرجة بسيطة تدخل المفاهيم المعنوية ايضا.. ويذهب مفهوم حماية البيئة الى ما يسببه الانسان من تلوث للبيئة ناجم عن ممارسته للانشطة الاقتصادية بكافة صورها (الاستثمار والانتاج والاستهلاك والتسويق والتخزين والنقل والشحن والمواصلات) . وحتى عهد قريب لم يكن الانسان يولي اهمية كبيرة لما تسببه عملية ممارسته للانشطة الاقتصادية من تلوث للبيئة, غير ان الاثار الضارة الناجمة عن ذلك جعلت الانسان يولي اهمية اكبر للبيئة ومن تلك الآثار الضارة على سبيل المثال: 1 ـ ظهور وانبعاث الاشعاعات والمواد المشعة من كثير من الصناعات وتسببها في ظهور امرض خطيرة على البشر والكائنات والنباتات. 2 ـ ظهور وانبعاث الغازات السامة من كثير من الصناعات وتلويثها للهواء الجوي وتسببها في ظهور الكثير من الامراض الخطيرة. 3 ـ المخلفات السائلة والصلبة التي تؤدي الى تلوث البيئة وتسببها كذلك في ظهور الكثير من الامراض الخطيرة. 4 ـ الاتربة والغبار التي تسببها الصناعات وآثارها البيئية الخطيرة. 5 ـ الضجيج الصناعي وآثاره الاجتماعية والنفسية. 6 ـ تسبب الصناعات بارتفاع درجة حرارة الجو نتيجة اشتعال الافران والآلات والمعدات. 7 ـ تسبب الصناعات في قتل الكثير من الكائنات الحية المعروفة نتيجة ارتفاع درجة حرارة الجو او اصطدام تلك الكائنات بالافران والآلات الحارة. 8 ـ تسبب الصناعات في استنزاف الثروة المائية وكثرة استهلاكها لاغراض التصنيع. والحقيقة ان البشرية قد ادركت منذ عهد قريب اهمية المحافظة على البيئة التي يسكنها الانسان ويحصل منها على مصدر رزقه النباتي والحيواني والسمكي والماء والهواء, هذا فضلا عن كونها مكان سكنه وراحة باله, فبدأ الانسان في وضع القوانين والاسس والضوابط التي تحكم عملية المحافظة على البيئة وحمايتها من التلوث, غير ان نظافة البيئة وحمايتها مسؤولية الجميع ولا يمكن ان نقصرها على جهة بعينها او دولة بعينها, ونحن في دول الخليج العربية لابد لنا من تضافر جهودنا تجاه قضية حماية البيئة ونظافتها ولابد لنا من التنسيق في هذا المجال لكي تكون قوانينا التي تحكم حماية البيئة ونظافتها موحدة وتهدف الى اهداف موحدة. ان الهواء والماء لا يعرفان هوية ولا وطنا وان الحدود السياسية للدول لن تمنع الهواء من الحركة ولن تمنع الانهار ولا البحار والمحيطات من الحركة كذلك فالتيارات الهوائية والتيارات المائية بامكانها نقل التلوث من بيئة الى اخرى ومن دولة الى اخرى وان الثروات البحرية (نقصد بذلك الاسماك والروبيان والكائنات الحية البحرية) لا تعرف هوية ولا وطنا وكذلك الطيور بكل اشكالها وانواعها بامكانها الانتقال من بلد الى آخر ومن هذا المنطلق فإن قضية حماية البيئة ونظافتها تصبح مسؤولية الجميع وليس مسؤولية جهة بعينها. وتجدر الاشارة الى ان كثيرا من الشركات العالمية ذات السمعة العالية اصبحت لا تتعامل اطلاقا مع الشركات التي تعمل في بيئة ملوثة واصبح شرط شهادة الايزو الخاصة بالبيئة من الشهادات الهامة التي تشترطها كثير من الشركات على المتعاملين معها لانها اصبحت من اهم معايير قياس المحافظة على البيئة, من هذا المنطلق يصبح موضوع حماية البيئة من اهم الموضوعات في مجال التسويق وفي ظل اتجاهات العولمة الاقتصادية والدخول في عضوية منظمة التجارة العالمية سوف تجد الدول التي لا تهتم بقضايا البيئة صعوبات كثيرة قد تضطرها الى انفاق اضعاف ما ستنفقه اليوم من اجل اصلاح ما لم يتم اصلاحه في الوقت المناسب.