لابد وان الامريكيين يشعرون بالزهو بعد ان ساهمت عملتهم (الدولار) في انقاذ الاقتصاد العالمي, فهاهي العديد من دول العالم الفقيرة تدرس اعتماد الدولار كعملة وطنية لها من اجل ضمان ــ هكذا يقولون ــ ارتفاع معدل النمو في ظل عملة قوية تمنع عنهم الازمات السابقة . وسوف يتمكن الامريكيون من السفر والترحال في هذه الحالة دون الحاجة لاستبدال عملتهم, بيد انه على الجانب الآخر هناك من يرى ان الاستغناء عن العملة هو بمثابة رفع الراية البيضاء, والاستغناء عن رمز الكرامة الوطنية, بالاضافة الى ذلك يفقد الدولة ــ اي دولة ــ قدرتها على السيطرة على الاوضاع الاقتصادية بها والقاء نفسها في غياهب سياسات مالية واقتصادية تتم حياكتها بعيدا عن التراب الوطني, ونتوقع ان تواجهنا المشكلات في حالة دولرة عملات هذه الدول لانهم سوف يلقون باللائمة علينا في حال تعرض اقتصادياتهم لبعض المتاعب, وسوف يحاولون التأثير على السياسات الاقتصادية للولايات المتحدة ودفعها لرفع او خفض سعر الفائدة. حتى هذه اللحظة فإن كل ما اشرنا اليه هو مجرد افتراضات باستثناء الارجنتين التي تدرس جديا اعتماد الدولار عملة لها. لكن المشكلة هي اننا قد نسمح بدولة واحدة ان تفعل ذلك, لكن لاخطار ستحدث بنا لو تركنا لاكثر من دولة ان تحذو نفس الحذو فبعض بلدان امريكا اللاتينية ابدت اهتمامها بالموضوع. صحيح ان الدولار يلعب دورا جوهريا الآن في الاقتصاد العالمي فهو العملة الرئيسية لادارة التجارة الدولية. كما ان اكثر من 60% من احتياطيات دول العالم يتم تقويمها بالدولار. كما ان الدولار يستخدم بصورة كبيرة في تسوية القروض ودفع مستحقات الديون. ونظرا لزيادة حاجة الناس للدولار من اجل التجارة والاستثمار, فإن هذا الطلب يدفع سعر الصرف للدولار مما يؤدي الى زيادة قيمة الصادرات الامريكية مقابل تخفيض قيمة الواردات التي تصل الى الاراضي الامريكية. يقول ادجار فيج احد الاقتصاديين المتقاعدين من جامعة ويسكونسن ان 44% من العملة الامريكية موجودة خارج الاراضي الامريكية وان التقديرات الحكومية ترفعها الى الثلثين. وفي المقابل فإن بلدا كالارجنتين يتم احتساب اكثر من نصف الودائع المصرفية بها بالدولار والخوف ان يؤدي ذلك الى انهيار كامل لعملة البيزو الوطنية. والآن لننظر الى المسألة من زاوية اخرى ان سعر صرف الدولار الامريكي يساوي عملة واحدة من البيزو الارجنتينية. وبما ان هناك نحو 25 مليار دولار في شكل احتياطيات بالعملة الصعبة. فإن الارجنتين بامكانها مثلا ان تطرح للبيع 15 ملياراً سندات خزانة من اجل شراء في المقابل 15 مليار دولار ويبدو ان ذلك امرا سهلا ومغريا غير ان هناك ايضا مجموعة ضخمة من السندات والودائع المصرفية المقومة بعملة البيزو فما الذي يمكن ان يتم بشأنها؟ الاجابة ببساطة هي ان الارجنتين ستعلن تحويلها الى الدولار ولو فعلت ذلك ستتبعها العديد من الدول الاخرى مما يؤدي الى ضخ كميات هائلة وضخمة من الدولار في قنوات التجارة العالمية, ولا يعلم احد كيف ستكون العواقب. والاكثر من ذلك, ان الدولرة لا يمكن ان تكون ضمانا لدعم النظم الاقتصادية في بلدان العالم, بل ان سلامة هذه النظم تعتمد على مدى انتهاج سياسات مالية واقتصادية سليمة اصلا, ربما تنخفض اسعار الفائدة, لكن ما يصلح مع الولايات المتحدة لا يصلح بالضرورة مع بقية الانظمة الاقتصادية في بلدان العالم. ومن هنا فإن الدولرة تبدو مثل تصدع عميق في الجدار, ولا ينبغي علينا ان نشجع الاخرين على دفعنا الى الحائط المتصدع بفضل هذه الدولرة. خدمة الواشنطن بوست