تؤثر الحروب على اقتصاديات الدول تأثيرا كبيرا أثناء قيام الحرب واستمرارها وبعد أن تضع الحرب أوزارها . بعض تلك الآثار يكون ذو طبيعة ايجابية مفيدة وبعضها يكون ذا طبيعة سلبية. ففي حين نرى ان الحروب في كوسوفو وغيرها من الدول تخلق مآسي إنسانية فتدمر الاقتصاد والمنشآت والبنى الأساسية التي أنفق عليها موارد مالية ضخمة على مر السنين وتقتل الأبرياء وتشردهم من بلادهم إلى مستقبل مجهول تتحكم فيه استراتيجيات الدول العظمى ومصالحها القومية, نجد الحروب في الوقت ذاته تحرك الاقتصاد فتحرك الطلب الكلي وتحرك العرض الكلي ومن ثم تحرك الاقتصاد كله. من هذا المنطلق نجد ان الحروب تحرك كافة المؤشرات الاقتصادية ومنها مؤشرات الأسهم والسندات والفوائد المصرفية وأسواق العملات. فلماذا تعمل الحروب على تحريك الاقتصاد؟ من الممكن ان نورد بعض النقاط الأساسية التي توضح ذلك: 1 - تدمر الحروب اقتصاديات الدول التي تقع فيها وقد لاحظنا قبل فترة وجيزة اقتصاديات العراق ونلاحظ اليوم ما يحدث في كوسوفو ودول البلقان. ان هذا التدمير يحتاج بعد انتهاء الحرب إلى بناء من جديد. وهذا يعني تحريك الطلب الكلي على المواد اللازمة لبناء ما دمرته الحروب. وان تحريك الطلب الكلي في هذه الحالة يتم على المدى البعيد حيث ان البناء يستغرق زمنا طويلا. 2 - تبدأ الشركات التي لها مصالح في تلك الدول بالتوافد إليها بعد الحرب برعاية مصالحها وتبدأ الدول المدمرة بالنمو من جديد فتخلق فرص استثمار لا على المستوى المحلي فقط ولكن على المستوى الدولي أيضا وتخلق بالتالي فرص عمل جديدة. 3 - تحتاج الحروب إلى موارد مالية ضخمة لتمويلها وبالتالي فهي ترهق ميزانيات الدول المحاربة. وإذا لم يكن لها اعتمادات مسبقة في الميزانية أو ان الاعتمادات المخصصة غير كافية فإن الدول تلجأ إلى مصادر أخرى لتمويل الحروب. ومن تلك المصادر الاقتطاع من بنود أخرى في الميزانية القائمة لتمويل الحرب, والاقتراض من البنوك, واصدار سندات خزينة جديدة, وزيادة الضرائب, أو سياسة التمويل بالعجز. 4 - يقول الخبراء العسكريون ان الذخيرة الحية لابد من تدميرها بعد فترة من صناعتها وذلك لعدة أسباب منها تقادم هذه الذخيرة وعدم صلاحيتها بعد فترة من الزمن ومنها التقادم الفني لتلك الذخيرة وليس التقادم المادي فحسب. ويعني انه التقادم الفني ظهور أنواع أخرى من الأسلحة والذخيرة ذات مواصفات فنية أفضل وهذا يعني لابد من اعدام الذخيرة والأسلحة المتقادمة لاحلال الجديد محلها. فهي إذا لم تعدم بالحروب سوف يتم اعدامها بطرق أخرى مثل المناورات بالذخيرة الحية وغير ذلك. ومن هذا المنطلق فإن اعدامها بالحروب لا يعتبر تكلفة جديدة على الميزانية لانه تحصيل حاصل واعتماداته في بنود الميزانية محسوبة مسبقا. وبالتالي فإن اعدامها بالحروب الحقيقية مفيد لقوات الدفاع وذلك لانه يخلق لهم جو الحرب الحقيقية ليتدربوا عليها. 5 - إن احياء الحروب بين فترة وأخرى يخلق هاجسا نفسيا لدى كافة الحكومات بأن البشرية مهما تقدمت سوف تظل تتحارب. وان التقدم الصناعي والحضاري لدى الدول لن يعمل على الغاء الحروب والصراعات من قاموس البشرية. فطالما وجدت الحدود السياسية والدولة القومية ووجدت بالتالي الموارد الاقتصادية والمقدرات لتلك الدول وجدت الحروب. ومن هذا المنطلق فإن ذلك الهاجس النفسي يتم تثبيته وتدعيمه من خلال استمرار الحروب والصراعات واخطارها المحدقة. فيخلق ذلك نوعا من الشعور بالخوف والقلق الدائم لدى الدول من تلك الحروب وبالتالي تلجأ إلى التسلح الدائم وتقوية قواتها الدفاعية والهجومية على حد سواء وتحديث أسلحتها بصفة دائمة وزيادة الانفاق العسكري والانفاق على التسلح بصفة دائمة, ومن الناحية الاقتصادية يؤدي ذلك الى تحريك سوق السلاح وزيادة الطلب على المنتجات العسكرية وبالتالي زيادة العرض الذي يتناسب مع ذلك الطلب المتنامي ثم تحريك الطلب الكلي والاقتصاد الكلي برمته, حيث ان المنتجات العسكرية مترابطة هي الأخرى مع القطاعات الاقتصادية الأخرى ومتشابكة معها, وبهذا المفهوم الرأسمالي تصبح للحروب ايجابيات اقتصادية كثيرة. حسب القول المأثور (اطلب الموت توهب لك الحياة), والحقيقة فإنني أورد في هذه العجالة حقائق تعبر عن الواقع الاقتصادي الذي نعيشه سواء آمنا به أو لم نؤمن, حيث اننا ومن مفهوم الاقتصاد الاسلامي نؤمن بأن الطلب الكلي والعرض الكلي من الممكن جدا أن نحركهما ونحن ندعو الى السلم لا إلى الحرب غير ان المنطق الرأسمالي عكس ذلك تماماً.