اختتمت امس ندوة (اثر اليورو على اقتصاديات الدول العربية) التي نظمها صندوق النقد العربي واستمرت يومين بفندق انتركونتننتال بأبوظبي . وقد عقدت امس جلستي عمل تم خلال الجلسة الاولى مناقشة ورقة عمل حول انعكاسات اليورو على سياسات الاستثمار وإدارة الاصول والمطلوبات في الدول العربية قدمها روبرت ماكوي من بنك التسويات الدولية وعقب عليها هشام البساط. وفي جلسة العمل الثانية تمت مناقشة ورقة عمل حول التعاون النقدي العربي والدروس المستفادة من انطلاقة اليورو قدمها فارس بن جرادي من صندوق النقد العربي وعقب عليها سمير مقدسي. وقد اكدت ورقة صندوق النقد العربي ان الدول العربية بذلت جهودا متواصلة منذ بداية العمل الاقتصادي العربي المشترك من اجل تحقيق التعاون النقدي فيما بينها, مشيرة الى ان هذه المبادرات توقفت عمليا في بداية العقد الماضي دون الوصول الى النتائج المنشودة منها. وأرجعت الورقة ذلك الى عدة امور اهمها الاختلافات في اوضاع الاقتصادات العربية وضيق وأحادية قواعدها الانتاجية والضعف الكبير في الترابط فيما بينها والاختلافات في الفلسفات الاقتصادية المتبعة وما نتج عن ذلك من اختلافات في السياسات والنظم المعمول بها في مجالات المالية العامة والنقد والتجارة الخارجية وأسعار الصرف مما جعل من غير الممكن التنسيق فيما بينها وأدى الى عدم توفر المقومات التي تجعل من التكامل النقدي العربي امرا ذو منفعة وجدوى. كما أرجعت ذلك الى عدم توفر الادارة السياسية الكافية وإلى تعدد الجهات التي تبنت تلك الخطوات وعدم الاتساق فيما بينها والانتقال من مبادرة الى اخرى دون تحقيق اهداف المبادرة السابقة أو معالجة القصور فيها. تحولات جذرية وأشارت ورقة العمل الى انه منذ العقد الماضي شهدت الاقتصادات العربية تحولات جذرية في اطار مسيرة الاصلاح الاقتصادي ادت الى دفعها في اتجاه توافقي نحو بعضها البعض في اطار فلسفة اقتصادية تحررية تعتمد على آلية السوق في تخصيص المواد وإيلاء القطاع الخاص دورا اكبر في الاقتصاد والانفتاح على الاقتصاد الدولي, موضحا ان النتائج الايجابية التي تم تحقيقها على صعيد الاستقرار الاقتصادي الكلي والتصحيح الهيكلي والتوافق بين السياسات الاقتصادية المتبعة في الدول العربية بالاضافة الى ارتفاع التدفقات الاستثمارية فينا بينها تمثل العوامل التي تجعل من البيئة الحالية اكثر ملاءمة للتنسيق بين الاقتصادات العربية, الا ان الترابط فيما بينها, كما تظهره التجارة العربية البينية, لا يزال يعتريه الكثير من الضعف, فنسبة هذه التجارة لا تزال دون 9% من التجارة الخارجية العربية. كذلك, فإنه لا يبدو انه تتوفر للتعاون النقدي العربي خلال هذه المرحلة الحماس أو القبول السياسي بالصورة الكافية لانجاحه. واقترحت الورقة اتخاذ خمس خطوات تمهيدية يمكن لها ان تشكل بالاستناد الى ما تم تحقيقه خلال المرحلة السابقة, ارضية ثابتة وواقعية للتعاون النقدي خلال هذه المرحلة, وان تؤدي في ضوء النتائج المحققة الى ظهور المنافع والمصلحة الواضحة لايجاد تعاون نقدي عربي اوثق. وتشمل هذه الخطوات الاستمرار في جهود الاصلاح الاقتصادي والتصحيح الهيكلي وتعميقه, والعمل على بناء الارضية الفنية اللازمة للتعاون النقدي من وجهة نظر اقليمية, وتعزيز الاتجاه الذي بدء في اطار اسواق الاوراق المالية العربية للادراج المشترك فيما بينها, وتطوير وتوسيع اعمال برنامج تمويل التجارة العربية, وأخيرا تشجيع التعاون النقدي على مستوى المجموعات الاقليمية العربية. وأضافت الورقة انه باستثناء انشاء صندوق النقد العربي فإن الحصيلة المباشرة للمبادرات والخطوات التي تمت في مجال التعاون النقدي العربي كانت في احسن حالاتها متواضعة جدا, مشيرا الى ان الآليات التي تم تبنيها في اطار هذه المبادرات لم تؤد الى النتائج المحددة التي استهدفتها. فالمبادرات الطموحة في السنوات الاولى من قيام جامعة الدول العربية لم تلق القبول وتم تجاوزها بسرعة. ولم يكن لاتفاقيتي عام 1953 وكذلك قرار السوق العربية المشتركة اسهام واضح في زيادة التبادل التجاري وانتقال رؤوس الاموال بين الدول الاعضاء. كذلك تم تجاوز مشروع اتحاد المدفوعات العربي قبل البدء بتنفيذه وتوقفت جهود التعاون النقدي بين دول الخليج العربية بعد فترة قصيرة من البدء بها, كما توقفت الجهود في اطار منظمة الدول العربية المصدرة للبترول المتعلقة بالوحدة الحسابية العربية قبل التوصل الى اتفاق بشأنها. وأخيرا لم يلق تصور الصندوق للتعاون النقدي العربي ومراحله المختلفة القبول, وتم تجاوز مشروعي انشاء نظام تسوية المدفوعات وتنسيق اسعار الصرف بين دوله الاعضاء وانشاء العملة العربية الموازية اللذين استهدفهما الصندوق في ضوء ذلك التصور. أسباب توقف المسيرة وحول الأسباب والعوامل التي ادت الى توقف مسيرة التعاون النقدي العربي وعدم نجاح المبادرات والخطوات التي تم اتخاذها في اطار هذه المسيرة أوضحت الورقة ان هناك جانبين لهذا الموضوع يتعلق الجانب الاول منهما بموضوع التكامل النقدي في صورته العامة والأوضاع الاقتصادية العربية وما اذا كانت قد توفرت للدول العربية في ظل تلك الاوضاع المقومات التي تجعل من السعي نحو انشاء تكامل نقدي عربي امرا ذا منفعة وجدوى. وما اذا كانت الدول العربية تمثل في ظل تلك الاوضاع الاقتصادية منطقة عمل مثلى بما يبرر السعي نحو اقامة اتحاد نقدي عربي للاستفادة من تلك المنافع. واستعرضت الورقة الجهود العربية في الكثير من الحالات واستهدفت اقامة صور جزئية من التكامل النقدي والخطوات وأسباب عدم نجاح الآليات التي ارتكزت عليها كل منها على حدة على اعتبار انها تمثل صورا مرحلة معينة من هذا التكامل وأهم العوامل التي ادت الى نجاح تطبيق هذه الآليات في اطار التجربة الاوروبية والدروس التي يمكن الخروج بها من تلك التجربة. وأشارت الورقة الى ان الاقتصادات العربية خلال النصف الثاني من عقد السبعينات اتصفت بضيق كبير في القاعدة الانتاجية, حيث تركزت بصورة رئيسية حول قطاعي النفط والزراعة وذلك بنسبة تقترب من 60% من الناتج المحلي الاجمالي في حين ان نصيب الصناعات التحويلية بلغ حوالي 6%. ويظهر من نمط استخدام الناتج المحلي الاجمالي ان الاقتصادات العربية اتصفت بدرجة ملحوظة من الانفتاح, فقد كونت الصادرات الجزء الاكبر من الناتج المحلي الاجمالي للدول العربية بصورة عامة حيث بلغ نصيبها قرابة 61% عام 1980, وشكلت الواردات ما يقرب من 30% من الناتج المحلي الاجمالي في ذلك العام. ومن جانب آخر انعكس هيكل الناتج المحلي الاجمالي للدول العربية في هيكل الصادرات والواردات العربية وكذلك في وزن التجارة العربية البينية في مجمل التجارة الخارجية للدول العربية. ففي جانب الصادرات بلغ متوسط حصة الوقود المعدني والمواد الخام منها حوالي 96% للفترة ما بين عامي 1975 و1980 وبلغت حصة كل من الصناعات والمواد الغذائية دون 2%. وفي جانب الواردات بلغ نصيب الآلات ومعدات النقل والمصنوعات اكثر من ثلثي الواردات وبلغ نصب المواد الغذائية قرابة 14%. وأضافت انه وفي ضوء التركيب السلعي للصادرات والواردات العربية ازدادت أهمية الدول الصناعية كشريك تجاري للدول العربية, حيث اتجه إليها في عام 1980 ثلثي الصادرات العربية وكانت مصدر لثلثا الواردات إلى الدول العربية أيضا. وفيما يتعلق بالتجارة العربية البينية, أوضحت ان الدراسات أظهرت ان التجارة العربية البينية حققت خلال الفترة من 1950 إلى 1980 معدلات نمو كبيرة, إلا انها وعلى الرغم من ذلك ظلت تكون نسبة ضئيلة من مجمل التجارة الخارجية للدول العربية ففي عقد الخمسينات بلغ متوسط تلك النسبة 7.7 في المائة, بينما بلغ 7.9 في المائة خلال عقد الستينات ثم انخفض إلى 6.6 في المائة خلال عقد السبعينات, وقد تمركز هيكل التجارة حول النفط بصورة رئيسية ثم المواد الغذائية, وخاصة الفواكه والخضروات, وإلى درجة أقل السلع المصنعة الخفيفة. انقسام الفلسفة الاقتصادية وذكرت الورقة ان الدول العربية انقسمت من ناحية الفلسفة الاقتصادية لاستراتيجيات التنمية المتبعة فيها إلى مجموعتين رئيسيتين, شملت المجموعة الأولى منهما الدول التي انتهجت استراتيجية للتنمية ذات توجهات مركزية شمولية, وشملت المجموعة الثانية الدول التي انتهجت استراتيجية ذات توجهات تحررية, واتبع عدد من الدول العربية استراتيجية جمعت بعضا من سمات الجانبين. واستهدفت الاستراتيجية المتبعة في المجموعة الأولى تذليل عقبة فجوتي الموارد الداخلية والخارجية وانشاء القاعدة الانتاجية القادرة على تحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل للاعداد المتزايدة من الداخلين إلى أسواق العمل, وارتكزت تلك الاستراتيجية على التصنيع من خلال احلال الواردات والتوجه الداخلي لحماية الاقتصاد من المنافسة الدولية, والتخطيط من أجل التوجيه المركزي للموارد وللادارة الاقتصادية, على اعتبار ان ضعف وضيق القاعدة الانتاجية وهيمنة سلع أولية محدودة على هيكل الصادرات وغياب الأسواق المالية لا تسمح لآلية السوق ونظام الاسعار بالقيام بدورهما بكفاءة في تخصيص الموارد, وان عملية التنمية هي نتيجة لخطوات وسياسات مدروسة لتحقيق أهداف تم التخطيط لها وليست نتيجة لعوامل السوق التنافسية. ونتيجة لذلك تمثل الاتجاه العام في هذه الدول في هيمنة القطاع العام على النشاط الاقتصادي والغياب النسبي لآلية السوق , وتفشي القيود الادارية, والتدخل الواسع من قبل السلطات في تحديد ودعم الأسعار, وخاصة أسعار السلع الغذائية وأسعار منتجات المؤسسات العامة. أما دول المجموعة الثانية فقد تبنت سياسة اقتصادية متحررة ساعدها في ذلك الفوائض في موازين مدفوعاتها بما وفرته من تمويل لانفاقها العام, الجاري والتنموي ولقد أدى غياب القطاع الخاص الفاعل إلى قيام الحكومات بدور المحرك الرئيسي في الاقتصاد الذي استهدف تحسين حالة السكان من خلال التوسع في الانفاق في مجالات الخدمات الاجتماعية المختلفة وانشاء البنية الأساسية من أجل توسيع القطاع غير النفطي, وتعزيز قدرات القطاع الخاص وتحفيزه على القيام بدور أكبر في النشاط الاقتصادي. وذكرت ان الاختلاف في السياسات الاقتصادية وتوجهاتها أدى إلى تباين الأوضاع المالية العامة والمدفوعات الخارجية والاحتياطيات الدولية والمديونية الخارجية لدول المجموعتين, واختلاف سياسات ونظم التجارة الخارجية المتبعة , وكذلك اختلاف نظم وسياسات الصرف المعمول بها. فبالنسبة لأوضاع المالية العامة, فقد سجلت الموازنات في الدول النفطية فوائض مستمرة (فيما عدا عام 1978) بلغت للفترة من 1975 إلى 1980 حوالي 6 في المائة من ناتجها المحلي الاجمالي, في حين ان الدول غير النفطية عانت من عجوزات مستمرة بلغت للفترة نفسها 10.2 في المائة من ناتجها المحلي. وقد أدت التطورات في الأوضاع المالية والنقدية إلى تباين كبير في معدلات التضخم مقاسة بالأرقام القياسية لأسعار المستهلك, فقد بلغت في الدول النفطية الخليجية 6.0 في المائة عام 1980 في حين انها تراوحت بين 12 و 37.5 في المائة في بقية الدول العربية. وبالنسبة لأوضاع موازين المدفوعات فقد بلغ الفائض في الوضع الكلي لموازين مدفوعات الدول النفطية قرابة 130 مليار دولار , وفي ضوء ذلك بلغت حصة دول المجموعة الأولى من مجمل الاحتياطيات الرسمية للدول العربية 87 في المائة عام 1980. التجارة الخارجية وفيما يتعلق بسياسات ونظم التجارة الخارجية فقد اتصفت السياسات والنظم المتبعة في دول العجز في أنها لم تستهدف تصحيح اختلال موازين المدفوعات بل التأثير على هيكل الأسعار لصالح القطاع الصناعي على حساب القطاع الزراعي من خلال اجراءات نقدية ومالية وجمركية تمييزية أخذت في الكثير من الحالات صور القيود الكمية أو الحظر المطلق مما أدى إلى عزل السوق المحلية عن الأسواق العالمية. كما قادت الاجراءات الحمائية إلى أسعار صرف مغالى فيها للعملات الوطنية وبالتالي إلى فرض نوع من الضرائب على الصادرات, وفي ضوء ضعف نظام الضرائب وضيق القاعدة الضريبية أصبحت الضرائب على التجارة الخارجية تشكل موردا هاما للموازنات الحكومية, وقد اتصفت هذه الدول بالنسبة لدرجة تحرر سياستها التجارية بدرجة عالية من التقييد. وأشارت إلى انه لم تتوفر للاقتصادات العربية أي مقومات كافية تجعل من التكامل النقدي العربي أمرا ذا منفعة أو جدوى بما يبرر التكلفة التي قد تنشأ عنه, فالارتباط الاقتصادي بين الدول العربية كما تظهره المبادلات التجارية , كان محدودا نظرا لضيق القواعد الانتاجية واحاديتها, كما اختلفت السياسات والأنظمة الاقتصادية المتبعة في هذه الدول كثيرا وتباينت أوضاعها بشكل كبير, مما جعل من التنسيق في مثل تلك الحالات أمرا يصعب تحقيقه إن لم يكن مستحيلا. أبوظبي ــ عبدالفتاح منتصر