يقول المثل (الذي يلدغه الغول يخاف من الحبل), ويقول مثل آخر (الذي يعطي ماله بعقل يستوفاه بجنون). عندما يذهب الانسان ليقترض سواء من البنك أو من شخص ما يكون موقف المقترض ضعيفا جدا ويكون موقف المقرض قويا . وبمجرد تنفيذ عملية الاقتراض تنقلب المواقف رأسا على عقب. حيث يبدأ الدائن البحث عن المدين ويتوسله لاسترداد أمواله. ولقد تمكنت البنوك من تذويب هذه المشكلة وتجاوزها وذلك بوضع الأنظمة المصرفية الخاصة بخدمة الائتمان المصرفي موضع التنفيذ. وبالتالي فنادرا ما تحدث حالات تعجز البنوك معها عن استرداد أموالها التي سبق وان قدمت الى المتعاملين بشكل ائتمان مصرفي. وان اغلب الحالات التي يعجز فيها العميل عن سداد ديونه للمصرف تقع مسؤوليتها بالدرجة الاولى على المصرف ذاته وذلك لأنه بلا شك يكون في مثل هذه الحالات قد تجاوز الانظمة المصرفية المعروفة في القطاع المصرفي والتي تحكم وتضبط عملية تقديم القروض والتسهيلات الائتمانية وتحكم الخدمات والتسهيلات المصرفية بشكل عام. والحقيقة اننا نأخذ قضية التاجر الهندي الهارب الى خارج البلاد (مدهاف باتيل) الذي بلغت ديون المصارف عليه حسب التقديرات الأولية نحو 1.2 مليار درهم ترجع الى عشرين مصرفا كنموذج فقط لعله يكون درسا تجريبيا قاسيا على البنوك وتستوعبه الى الابد. لكن في الحقيقة لا توجد بوادر توحي بذلك فقد تلقينا في الماضي دروسا كثيرة شبيهة بذلك لم نستوعبها وأعتقد ان المستقبل سوف يحمل لنا كذلك دروسا من هذا النوع طالما اننا نعيش بفكر لا يتناسب مع روح العصر الذي نعيشه وطالما اننا لم نلتزم بالأنظمة والقوانين والضوابط والأعراف التي تحكم الأنظمة المصرفية وطالما اننا نعيش في اقتصاديات رأسمالية لا تعرف سوى رأس المال ولا تمجد سوى رأس المال وتعتبره سيد التنمية الاقتصادية ونحن نعيش بعواطفنا وأحاسيسنا الانسانية وحسن النية وتصديق كل ما نسمعه دون التثبت والتأكد من صحة الخبر المنقول قبل اتخاذ اي اجراء خصوصا وان كان ذلك الاجراء يتعلق بعمليات مصرفية وحقوق والتزامات. والحقيقة فإن بعض البنوك لدينا ما زالت تتصرف بالأموال المودعة لديها وكأنها أملاكها وتتحكم بها كيفما تشاء. فإذا تقدم اليهم العميل المواطن بطلب قرض أو تسهيلات ائتمانية لأغراض تجارية تم التحري والتدقيق بمركزه المالي الشخصي والسؤال عن والديه ووالد والديه ثم طلب دراسة الجدوى الاقتصادية للمشروع وذلك من اجل الحصول على الضمانات والاحتياطات الكافية وهذا مطلب رئيسي لا نلوم البنوك عليه بل نشجعها على ذلك وذلك لأن البنوك يجب ان تعمل بفلسفة ومفهوم ان الاموال المودعة لديها ليست اموالها وانما هي اموال المودعين وبالتالي فإن القوانين المصرفية توجب عليها ضمانها للمودعين. ومن هذا المنطلق فإن البنك لابد وان يحتاط لكافة عملياته ويأخذ الضمانات الكافية. غير اننا نلاحظ ان بعض البنوك في المقابل تتساهل كثيرا مع التجار ورجال الاعمال الاجانب وبشكل خاص الهنود والباكستانيين وربما يرجع ذلك لوجود اعداد كبيرة منهم من العاملين في ادارات البنوك. فالبنوك تلجأ الى هذه الجنسيات بالذات لانخفاض اجورهم مقابل ما يتمتعون به من خبرة مصرفية وحب وتفان في العمل الا انه في لحظة ما قد يقع حدث مصرفي كهذا يذهب بالأخضر واليابس. ولا نريد ان نطيل في ذلك غير اننا سوف نضع بعض المقترحات, وهي: 1ــ يتبين من هذه القضية والتي لم تحدث فجأة بل ان بعض البنوك كانت على علم منذ فترة بسوء المركز المالي للعميل. وهذا يعني ان بنوكنا الوطنية تفتقر الى ما يسمى (شبكة المعلومات المصرفية), حيث ان البنوك لابد وان تربطها شبكة معلومات تستطيع من خلالها معرفة حالة العملاء الجدد والعملاء المستمرين مع البنوك. ومن خلال هذه الشبكة يستطيع أي بنك ان يكشف حالة العميل المالية للقطاع المصرفي كله وبالتالي تتمكن كافة البنوك من أخذ الاحتياطات اللازمة والضمانات الكافية من العميل. فإذا لم توجد مثل هذه الشبكة فلابد من ايجادها. واذا وجدت فالحادثة تبين ان الشبكة ما زالت ضعيفة وتحتاج الى الخبرة والتدعيم من قبل الجهاز المصرفي والمصرف المركزي بشكل خاص. 2ــ يوجد خلل واضح في نظام التدقيق الداخلي للبنوك ونظام التدقيق الخارجي من قبل مراجعي الحسابات ونظام الرقابة والاشراف من قبل المصرف المركزي. ولا يعني ذلك اننا نقلل من الدور الذي يقوم به المصرف المركزي ولكننا نقول ان المبالغ الضخمة التي حصل عليها هذا التاجر لا شك تعكس ذلك, وبالتالي فالتقارير الدورية التي توافي بها البنوك المصرف المركزي لابد وان تكون مستمرة وفي فترات زمنية قصيرة. واذا كان ذلك يحدث شهريا مثلا فمعنى ذلك ان هناك قصورا في عملية تحليل البيانات الواردة الى المصرف المركزي من البنوك التجارية او ان هناك قصورا في عملية متابعة ذلك التحليل ومراقبته واتخاذ الاجراء اللازم بشأنه. 3ــ اذا كان التاجر قد حصل على التسهيلات بدعم من بني جنسيته في المصارف أو بالتعاطف معه فإن ذلك يرجع الى وجود خلل اداري في ادارة المصارف ذاتها ونظمها والمدققين كما اشرنا بالنقطة الثانية. وسوف نركز على الخلل الاداري في النقطة الرابعة المقبلة.