السنوات الاثنى عشرة الفاصلة بين أزمتي أسواق النفط عام 1986 و 1998 اشتملت على الكثير من التغيرات الاقتصادية على المستويات المحلية والاقليمية والمحلية . وبالنسبة لدول مجلس التعاون وذلك طبقا لدراسة اقتصادية نشرتها مجلة اقتصاديات الامارات مؤخرا, فقد تأثرت الأوضاع الاقتصادية بهذه التطورات, إلا ان درجة التأثر هذه وانعكاساتها على القطاعات الاقتصادية غير النفطية تتفاوت إلى حد بعيد, وذلك من حيث شدة تأثر هذه القطاعات من جهة وقدرة دول المجلس على مواجهة انعكاسات الأزمتين من جهة أخرى. وبالاضافة إلى ذلك فانه يمكن استنتاج العديد من الحقائق الاقتصادية المتوفرة عن عام 1986 و 1998 والتي تتمثل في الآتي: ــ أصبحت اقتصاديات دول المجلس في عام 1998 أكثر قدرة على تحمل تقلبات أسعار النفط, ففي عام 1986 تعرض اقتصاديات دول المجلس على سبيل المثال إلى ركود اقتصادي عام طال القطاعات الاقتصادية غير النفطية دون استثناء, والتي تراجعت مساهمتها المطلقة في الناتج المحلي الاجمالي, أما في عام 1998 فانه على الرغم من الانخفاض الكبير في أسعار النفط فان القطاعات الاقتصادية غير النفطية واصلت تحقيق معدلات نمو ايجابية, كما ارتفعت مساهماتها في الناتج المحلي الاجمالي في دول مجلس التعاون الخليجي. في عام 1986 استغلت الاحتياطيات المالية الكبيرة في تغطية تراجع العائدات النفطية, حيث تآكل الجزء الأكبر من هذا الاحتياطي وبالأخص في دولة الكويت أثناء وبعد الغزو العراقي, مما دفع دول المجلس إلى معالجة التراجع الأخير في عائدات النفط 1998 من خلال اتخاذ خيارات أكثر واقعية, كتقليص النفقات بنسب كبيرة وتأجيل بعض المشاريع التنموية والاقتراض من الأسواق المحلية بصورة أساسية, مما يعكس مرة أخرى قدرة دول المجلس على التأقلم مع المستجدات في أسواق النفط العالمية. اتخذت دول المجلس في عام 1986 اجراءات تقشف صارمة انعكست آثارها على معظم الانشطة والفعاليات الاقتصادية, بما في ذلك قطاع الخدمات, أما في عام 1998, فانه لم تتخذ مثل هذه الاجراءات التقشفية, مما يعني ان ثقل الأزمة في عام 1986 كان أكثر وطأة عنه في العام الحالي. لقد أثبتت دول المجلس قدرة فائقة على التعامل مع ظروف الأزمة في الأشهر الاحدى عشر الماضية من هذا العام وتجنبت بكثير من المرونة العديد من الانعكاسات السلبية والتي لم تقتصر على أسعار النفط فحسب, وانما تعاملت بصورة مرنة أيضا مع انعكاسات سلبية أخرى تمثلت في أزمة الاقتصاديات الآسيوية والتي ترتبط دول المجلس معها بعلاقات تجارية واقتصادية وثيقة, وكذلك الانخفاض الحاد في البورصات العالمية, ولتأكيد هذه الحقائق فانه يتوقع ان تنمو أرباح البنوك بنسبة تتراوح بين 10 ـ 15% وان تنمو التجارة الخارجية غير النفطية بنسبة 5% وبالأخص في دولة الامارات. ومع ذلك فان هذا التماسك الذي أبدته الاقتصاديات الخليجية في عام 1998 مقارنة بعام 1986, مقارنة بعام 1986, لا يمكن ان يلغي المخاوف الخاصة بامكانيات التدهور في العام 1999, وإذا ما استمرت أسعار النفط في الانخفاض أو ثبتت عند مستوياتها المتدنية التي وصلت إليها في الوقت الحاضر, فالمرونة التي أبدتها الاقتصاديات الخليجية في هذا العام سيكون من الصعب التحكم فيها في العام المقبل, وذلك بسبب استمرار اعتماد الاقتصاديات الخليجية على نفط باعتباره المصدر الأساسي للدخل. وإذا كانت التغيرات تشير إلى ان الانخفاض في العائدات النفطية في العام سيصل إلى 35% عن حجمها في عام 1997 فان على دول المجلس ان تعيد ترتيب أولوياتها التنموية على المدى القصير لتتناسب وحجم الانخفاض الكبير في عائداتها النفطية. وضمن هذه الأولويات, تأتي مسألة العمل على ضبط العجز المعلن في بداية العام والذي بني على أساس أسعار تقدر بـ 13 ــ 15 دولارا للبرميل, في الوقت الذي تدنت فيه الأسعار عن هذا المعدل. أما على المدى البعيد فانه لابد من القيام باصلاحات اقتصادية هيكلية تؤدي إلى تقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل القومي وزيادة موارد الدولة من خلال تنشيط القطاعات الاقتصادية غير النفطية وزيادة مساهماتها في الناتج المحلي الاجمالي ووضع نظام ضريبي لتخفيف الأعباء الملقاة على عاتق القطاع الحكومي, وبالأخص تلك الأعباء المتعلقة بالخدمات المقدمة للعاملين في القطاع الخاص والتي تحمل ميزانية دول المجلس مئات الملايين من الدولارات سنويا. ويتطلب انجاح مثل هذه التوجهات العمل على تنسيق الجهود بين القطاعين العام والخاص في كل دولة خليجية على حدة من جهة وتكامل هذه التوجهات وتوحيدها على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى. وحتى اشعار آخر, فان دول مجلس التعاون سوف تتأقلم بشكل أو بآخر مع الهبوط الحاد في أسعار النفط, وبالتالي العائدات النفطية في هذا العام, إلا ان ترك مثل هذه القضية الهامة في المستقبل للظروف الوقتية سيؤثر سلبا على مجمل النمو الاقتصادي في دول المجلس, مما يتطلب وضع تصور شامل للتنوع الاقتصادي الرامي إلى التقليل من الاعتماد على النفط ووضع سياسة نفطية قائمة على أساس الاستفادة القصوى من الثروة النفطية كمصدر للدخل وكمادة أولية لتطوير العديد من الصناعات التحويلية التي تتوفر لها أفضليات انتاجية في دول مجلس التعاون الخليجي.