لا يمكن بحال من الأحوال مناقشة فلسفة التعليم والسياسات التعليمية بعيدا عن الاقتصاد والا فالمناقشة تصبح فارغة من مضمونها الحقيقي. ويرجع السبب في ذلك إلى كون أن الإنسان هو محور التنمية الاقتصادية . فالإنسان هو صانع التنمية الاقتصادية وبانيها من ناحية ومن ناحية أخرى فإن ذلك البناء وتلك الصنعة صنعت لأجله هو أيضا. فإن أتقن صنعها فسوف ينعم بالرفاه الاقتصادي وسوف يؤهل الأجيال القادمة لاتقان الصنعة والابداع فيها. لو نظرنا قليلا إلى المجتمعات الماضية لوجدنا ان فلسفة التعليم المهني كانت عندهم بالوراثة فابن النجار يصبح نجارا وابن الحداد يصبح حدادا وابن الصياد يصبح صيادا وهلم جرا ويرجع ذلك إلى أمرين: الأمر الأول هو تأثير البيئة ذاتها على الإنسان, والأمر الثاني وراثي فسيولوجي (أي جيني) في ذات الإنسان نفسه حيث تكون عنده الرغبة والاستعداد لتعلم تلك الصنعة أو الحرفة أو المهنة بدليل ان هناك حالات شاذة تخرج عن تلك القاعدة التي ذكرناها. أما التعليم الأدبي ونقصد بذلك الدين أولا ثم العادات والتقاليد الموروثة فيكتسبها الطفل من البيت والمدرسة الدينية والمجتمع. ومن هذا المنطلق فإننا يجب أن نفرق بين جانبين للنظام التعليمي أولا: التعليم الأدبي. ونقصد بذلك الدين الإسلامي واللغة العربية والأدب بكل فروعه وتخصصاته وهذا الجانب من النظام التعليمي لابد من وضعه من قبل خبراء متخصصين ويفضل أن يكون الخبراء من دول عربية مختلفة وذلك من أجل الاستفادة القصوى من كافة التجارب العربية في هذا المجال. أما الأنظمة الأجنبية في هذا الجانب فهي غير مفيدة على الاطلاق حتى في الجوانب الفنية منها وذلك لان الجانب الفني للموضوع يتطلب ان يتوفر لدى الخبير قدر أدنى من الدراية بذات الموضوع والاقتناع به. ويستثنى من ذلك الخبراء الأجانب المسلمون في حالة توفرهم بالطبع مع التحفظات اللازمة على أفكارهم وأطروحاتهم حيث انها قد لا تتناسب مع بيئة مجتمعاتنا. وهذا الجانب من التعليم لابد من التركيز عليه وتقويته وذلك لانه الغذاء الروحي للمجتمع حيث نلاحظ ان المجتمعات التي أهملت هذا النوع من التعليم ولم تعطه الاهتمام الكافي أصبحت غارقة في بحر من المشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي بات حلها أمرا معقدا للغاية. إن هذا الجانب من النظام التعليمي ليس بالأمر الهين السهل, وخصوصا ونحن مقبلون على القرن 21 وعصر العولمة وما يحمله في طياته من تبعات وتغيرات اجتماعية. ثانيا: التعليم العلمي. والتعليم العلمي يتطلب منا النظر بجدية إلى تجارب الدول الصناعية التي سبقتنا وخصوصا اليابان. حيث يعتبر النموذج الياباني من أنجح النماذج الموجودة على وجه الأرض. أما النماذج العربية في هذا الجانب فهي في حد ذاتها نماذج مقتبسة من دول أخرى وبالتالي قد لا تنفعنا كثيرا, ومن هذا المنطلق فإننا ندعو إلى أخذ التجارب من مصادرها الأصلية الأولية ودراسة أهدافها وأبعادها. وتعتبر الاستفادة من تجارب الآخرين في هذا المجال عنصرا أساسيا من عناصر التقدم والرقي. فلو أخذنا النماذج الماضية مثلا نجد ان ضعف الاتصال والترابط بين الشعوب والاقتباس من تجاربها كان عائقا كبيرا أمام تطوير المهن والحرف. فالصياد مثلا والغواص والمزارع والنجار وغيرهم على الرغم من معاناتهم الشديدة في مهنهم إلا ان ضعف اتصالهم بشعوب الأرض لم يمكنهم من تطوير الآلات والمعدات التي كانت بحوزتهم لتخفيف معاناتهم. ولقد بادرت الدول الأجنبية بدراسة بيئتنا وتفصيل الآلات والمعدات اللازمة لهذه البيئة. من هذا المنطلق فإننا يجب أن نستفيد من تجارب الدول الصناعية في صياغة نظام التعليم الجديد والاهتمام بالفئات المتميزة من الطلبة في سن مبكرة. واكتشاف قدرات الطلبة ومواهبهم وميولهم في سن مبكرة وذلك باجراء اختبارات علمية منظمة لهم في سن مبكرة. أما إذا لم نقم بوضع نظام لاختبار القدرات والمواهب والميول للطلبة في سن مبكرة في المدارس فكأننا في الحقيقة لم نغير شيئا في النظام التعليمي. وان الاختبارات ليست بالضرورة ان تكون مباشرة وبعلم الطالب نفسه, وإنما هناك أنواع من الاختبارات قد تكون غير مباشرة وتجرى للطلبة بدون علمهم بأنها اختبارات. أما طريقة فرض التعليم على الطالب طوال 12 سنة كلها نظام واحد ونسق واحد شاء الطالب أم أبى فهذه بالفعل طريقة لا تتفق ورح العصر الذي نعيشه. وان فرض التخصصات على الطلبة في الجامعات كذلك شاء الطالب أم أبى لا تتماشى أيضا مع روح العصر الذي نعيشه وهي طرق لم تألفها البشرية. الا في المجتمعات الاشتراكية ذات التخطيط المركزي التي تقوم فيها الدولة بتحديد احتياجاتها من التخصصات واجبار الطلبة عليها. ان التنسيق بين متطلبات سوق العمل ومخرجات التعليم لا يعني اطلاقا الزام الطلبة بدراسة تخصصات معينة وإنما يعني خلق الوعي الكافي لدى الطلبة عن متطلبات سوق العمل الفعلية والمتوقعة ثم ترك الطالب يختار التخصص الذي يراه مناسبا له.