يلحظ المتتبع لسيل الكتابات والتحليلات ذات الصلة بالمؤسستين الماليتين الدوليتين الاشهر: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ان القسم الاعظم من هذه الكتابات والتحليلات تغفل او تتغافل عن الطابع الدولي لهما , وتبعا لذلك يخيل للمرء ــ احيانا ــ ان كلتا المؤسستين وما يرتبط بهما من توجهات وسياسات ليست جميعها اكثر من سلعة غربية الصناعة انتجت في مناخ مؤامرة دولية بهدف تسريبها (او تهريبها) الى دول الجنوب لافساد سلامه الاجتماعي وكبح ازدهاره الاقتصادي! الا ان ولادة هاتين المؤسستين وواقع حالهما يقولان بخلاف ذلك, فكيف؟ في سياق الاجابة يمكن توضيح الآتي: الولادة: كما هو معروف فان كلتا المؤسستين قد تم تأسيسهما تنفيذا لمقدرات مؤتمر النقد والمال, الذي عقد في منتجع بريتون وودز (ولاية نيو هامبشا ير ــ الولايات المتحدة الامريكية) خلال الفترة (1 ــ 1944/7/22) عقد مؤتمر بريتون وودز ــ كما هو واضح من تاريخه ــ في الفصل الاخير من الحر ب العالمية الثانية, وقد شاركت فيه 44 دولة تشكل الغالبية العظمى من الدول التي كانت تعتبر مستقلة في ذلك الوقت, اي ان المؤتمر لم يقتصر على الدول الغربية فقط بل شاركت فيه معظم دول العالم المستقلة في حينه, جاء هذا المؤتمر في سياق الجهود الدولية المبذولة آنذاك لصياغة عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية, شأنه شأن مؤتمر سان فرانسيسكو (4/25 ــ 1945/6/26) الذي تم بنهايته التوقيع على ميثاق انشاء هيئة الامم المتحدة من قبل 51 دولة تأسيسا على ما سبق يمكن القول بان الطابع الدولي لمؤتمر بريتون وودز لا يختلف في الجوهر عن الطابع الدولي لمؤتمر سان فرانسيسكو, وبالتالي فولادة المؤسستين (الصندوق والبنك) شبيهة بولادة هيئة الامم المتحدة, فكلتا الولادتين دوليتا الهوية. المهام والاعضاء: للصندوق والبنك مهام دولية, فالصندوق يعني بتوجيه السياسات المالية والنقدية ومراقبتها على الصعيد العالمي كما تهتم مجموعة البنك الدولي بتوجيه السياسات الاستثمارية على الصعيد الدولي ومراقبتها. في عام 1997 كان عدد الدول الاعضاء في صندوق النقد الدولي 181 دولة (من اصل 185 الدول الاعضاء في هيئة الامم المتحدة), اما بالنسبة لمجموعة البنك الدولي فهي تتكون من اربع مؤسسات مستقلة, هي: * البنك الدولي, وكان يسمى سابقا البنك الدولي للانشاء والتعمير ويبلغ عدد اعضائه حاليا 180 دولة. * الوكالة الدولية للتعاون المالي وقد تم انشاؤها في عام 1956 ويبلغ عدد اعضائها 170 دولة. * الوكالة الدولية للتنمية, وقد تم انشاؤها في عام 1959 ويبلغ عدد اعضائها 59 دولة. * الوكالة الدولية لحماية الاستثمارات, وتم انشاؤها في عام 1985 ويبلغ عدد اعضائها 134 دولة من العرض السابق يتضح البعد الدولي لكلتا المؤسستين سواء من حيث المهام او من حيث العضوية, شأنهما شأن اي من منظمات الامم المتحدة المتخصصة الاخرى (منظمة الامم المتحدة للتنمية الصناعية, او الاغذية والزراعة..). رأس المال والكادر الوظيفي: في عام 1997 بلغ رأسمال صندوق النقد الدولي 206 مليارات دولار امريكي, مع امكانية اقتراض 48 مليار دولار امريكي اضافية من 25 دولة عضوا حسب الاتفاقية الموقعة بين الصندوق وهذه الدول في عام 1997, كما بلغ رأسمال البنك الدولي 170 مليار دولار امريكي في عام 1994, علما بان الارقام السابقة تقريبية وترتبط بشكل وثيق بسعر تعادل وحدة السحب الخاصة (الوحدة الحسابية في صندوق النقد الدولي) بالنسبة للدولار الامريكي (في عام 1997 كان وسطي سعر التعادل حوالي 1.4 دولار امريكي لكل وحدة سحب خاصة). يتكون رأسمال الصندوق والبنك من مساهمات الدول الاعضاء فيهما, وهما في هذا المجال شبيهان بمؤسسة مالية دولية كبيرة متعددة الجنسيات بخلاف ما قد يتبادر للذهن من ان للصندوق والبنك جنسية واحدة او عدد محدود من الجنسيات. كما ان هوية الكادر الوظيفي العامل في كلتا المؤسستين يعكس ذلك التعدد في الجنسيات, ففي اواسط التسعينيات بلغ عدد العاملين في صندوق النقد الدولي نحو 2300 موظف وفي البنك الدولي قرابة 6338 موظفا ينتمون الى 123 دولة في العالم, وقد يكون من الضروري الاشارة الى ان العضوية في كلتا المؤسستين او الاقتراض منهما قضيتان اختياريتان, فانضمام الدول الى هاتين المؤسستين او الاقتراض منهما هو قرار سيادي تتخذه الدولة المعنية وفق مصالحها الوطنية, اما عملية الاقتراض فترتبط بطبيعة الحال بشروط يتم التفاوض عليها بين الدولة المعنية وكل من الصندوق او البنك, كما هو الحال في العمليات المصرفية المشابهة حيث يتم الاتفاق على شروط التمويل بين المقرض والمقترض. الوضع القانوني: صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يعتبران من جهة القانون الدولي من المنظمات التي تتمتع بوضع قانوني خاص في اطار هيئة الامم المتحدة (بخلاف ما يكتب ويقال احيانا بان لا علاقة للامم المتحدة بكلتا المؤسستين). وبقصد التوضيح نورد الآتي: من الشائع عند الحديث عن الامم المتحدة المطابقة بين مصطلحين: هيئة الامم المتحدة U N, ومنظمة الامم المتحدة UNQ, وعلى الرغم من ان المصطلحين غير متناقضين فإنهما غير متطابقين ايضا, فهيئة الامم المتحدة هي تلك الوكالة الدولية المتعددة الاطراف, التي تم التوقيع على ميثاقها في 26/6/1945 في سان فرانسيسكو كما اشرنا سابقا وتتكون من: أ ـ الاجهزة الرئيسية للهيئة (جمعية عمومية ـ مجلس امن.. وغيرها) ب ـ الاجهزة والبرامج المتخصصة التابعة لها (برنامج الامم المتحدة للبيئة.. البرنامج الانمائي للامم المتحدة... وغيرها) . ج ـ المنظمات التي تتمتع بوضع قانوني خاص في اطار الهيئة, ومنها: صندوق النقد الدولي, مجموعة البنك الدولي, منظمة التجارة العالمية, منظمة الامم المتحدة للتنمية الصناعية, منظمة الامم المتحدة للاغذية والزراعة (الفاو) , منظمة الامم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) وغيرها. اما منظمة الامم المتحدة فهو مصطلح يشمل الاجهزة الرئيسية لهيئة الامم المتحدة والاجهزة والبرامج المتخصصة التابعة لها (أ + ب) تأسيسا على ما سبق يمكن القول بأن كلتا المؤسستين الصندوق والبنك لا علاقة لهما بمنظمة الامم المتحدة "UNQ", إلا انهما جزء من هيئة الامم المتحدة "UN" شأنهما شأن (اليونيدو, والفاو, واليونسكو.. وغيرها خلافا للرأي الشائع حول هذه القضية, هذا مع العلم بأن التنسيق بين المنظمات التي تتمتع بوضع قانوني خاص في اطار هيئة الامم المتحدة يتم من خلال المجلس الاقتصادي والاجتماعي المكون من 54 دولة عضوا في الامم المتحدة تنتخبهم جمعيتها العامة (في كل دورة للجمعية العامة يتم انتخاب 18 دولة لمدة 3 سنوات) . الاجهزة الرئيسية وآلية اتخاذ القرار: يعتبر مجلس الحكام (وزير المالية او حاكم المصرف المركزي بالنسبة لصندوق النقد الدولي, او وزير المالية او الاقتصاد بالنسبة للبنك الدولي) ومجلس الادارة المكون من 24 مديرا تنفيذيا اهم اجهزة اتخاذ القرار في كلتا المؤسستين, تعكس تشكيلة مجلس الحكام الطابع الدولي للمؤسستين, اما بنية مجلس الادارة وآلية اتخاذ القرار فيهما فتعكسان موازين القوى الاقتصادية السائدة على الساحة العالمية. فمن اصل 24 مديرا تنفيذيا في مجلس الادارة هناك 5 منهم تسميهم الدول التي تمتلك اكبر حصة في رأسمال الصندوق والبنك وكانت في اواسط التسعينيات: الولايات المتحدة الامريكية 18%, والمانيا واليابان ولكل منهما 6%, وفرنسا وبريطانيا ولكل منهما 5%. (البيانات السابقة خاصة بالصندوق وهي تختلف قليلا في حالة البنك) . أما بالنسبة لآلية اتخاذ القرارات, فلكل دولة عضو عدد من الأصوات مساو لنسبة مساهمتها في رأسمال كل من الصندوق والبنك, أغلب الظن ان الميزات التي احتفظت بها لنفسها الدول الصناعية الكبرى فيما يتعلق ببنية مجلس الادارة وآلية اتخاذ القرار في كلتا المؤسستين وراء اطلاق صفة التغريب, أو معاداة مصالح الجنوب عليهما, لاشك بأن في ذلك بعض الصحة, لكن ما هو صحيح ايضا هو ان السبب في ذلك ليس الطبيعة الفردية للمؤسستين بل الخلل الكبير في موازين القوى السائد عالميا, وهنالك فرق كبير بين أن تكون ظاهرة غربية معادية بطبيعتها, أو ان يتمكن الغرب من توظيفها بحكم الخلل السائد في موازين القوى بينه وبين الجنوب في لحظة تاريخية معينة, فالحالة الأولى تقتضي الخصومة الدائمة, والحالة الثانية تفتح امكانية المصالحة بإصلاح موازين القوى, فلو ساد منطق الحالة الأولى لوجب على الجنوب معاداة مالا يحصى من مؤسسات ومنظمات النظام العالمي القديم والجديد, فمثلاً في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي يملك الغرب المتقدم صناعيا (ومعه اليابان) ميزة تفضيلية تتناسب وحصته في رأس المال, لكن في مجلس الأمن تتمتع ثلاث من أكبر الدول الغربية (الولايات المتحدة الأمريكية, وفرنسا, وبريطانيا) بحق النقض (أي حق الرفض وليس حق التفضيل فقط), فهل يعني ذلك اعتبار مجلس الامن ايضا صناعة غربية ضارة بالجنوب معادية لمصالحه ينصح باجتنابها والابتعاد عنها؟ جملة القول ان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ليسا مؤسستين غربيتين بل هما مؤسستان دوليتان تملك بعض الدول الغربية ميزة تفضيلية في الآلية المعتمدة ـ حاليا ـ لاتخاذ القرارات فيهما, وعلى الرغم من ذلك ربما كان من مقتضيات الضرورة اهتمام الجنوب بالبحث عن صيغة تصالحية للتعامل معهما, فدورهما الحاكم فيما يتعلق بالسياسات النقدية والاستثمارية على المستوى الدولي وواقع الجنوب المحكوم بالازمات يبرران ذلك الاهتمام مع التوضيح بأن التعامل المبرر بالضرورة ـ اليوم ـ قد يصبح تعاملا مبررا ـ بالرضى ـ في الغد, اذا استطاع الجنوب تعديل موازين القوى السائدة عالميا (ولو بشكل جزئي) لمصلحته. فهل يعمل الجنوب لذلك؟ وهل يستطيع؟ كاتب سوري