يتضح من تقرير البنك الدولي الاخير ان مشكلة ديون بلدان العالم الثالث تكمن في ارتفاع معدلات الفائدة على تلك الديون, فخلال الفترة مابين 1972 وحتى 1992 اقترضت دول العالم الثالث مجتمعة حوالي 1.935 تريليون دولار وبلغ مجموع ماسددته من اقساط وفوائد عن هذا الدين خلال نفس الفترة حوالي 2.237 تريليون دولار والمشكلة هنا ان دول العالم الثالث رغم ما سددته مازالت مديونة بنفس المبلغ السابق بنحو 1.7 تريليون دولار, وهو ما يعني ان اجمالي المبلغ المقترض والبالغ 1.935 تريليون دولار استحقت عليه الدول المانحة والمؤسسات المالية الدولية فوائد بلغت 2.002 تريليون دولار, وهو مايعني ايضا ان الدول المانحة ستستورد قروضها بـ 2.02 مرة من اصل المبلغ. ويتضح بذلك ان قضية الديون هي في المقام الاول قضية فوائد متراكمة مبالغ في تقديرها,وبعد ان كانت بسيطة او معتدلة عند منح القرض وحتى 1982 اصبحت باهظة, وهو ماتزامن ايضا مع ازدياد متطلبات الدول النامية لتمويل مشروعات التنمية الطموحة بعد الاغراءات التي قدمتها الجهات المانحة للقروض في بداية الامر مثل الفوائد المنخفضة وسهولة الاقراض والتي نتجت عن وجود فائض مالي ضخم في البنوك الغربية بسبب ارتفاع اسعار البترول في السبعينات وقيام الدول المنتجة للبترول بتحويل فائضها المالي الضخم الى تلك البنوك, خاصة وان تلك الدول لم تكن قادرة في تلك الفترة على استثمار تلك الوثائق او حتى استكمال مشروعات التنمية الداخلية ذاتيا. الكساد العالمي وفي الثمانينات اختلف الامر كثيرا عن الفترة السابقة, حيث ان الدول المدانة ازداد شغفها لاستكمال مابدأته من مشروعات, تنموية, ومن ثم زاد الطلب على الاقتراض وزادت معه المشاكل لاسباب عديدة اهمها الكساد العالمي, والفساد, وخطط التنمية الفاشلة, فبالنسبة للكساد العالمي الذي ساد العالم في الثمانينات نجد انه ادى الى تراجع حجم صادرات دول العالم الثالث والتي ضعفت قدرتها على سداد ديونها القديمة, في الوقت الذي استمرت فيه في تنفيذ خطط التنمية, وهو ما تطلب اقتراض مبالغ اضافية لتسديد اقساط الديون القديمة. ... والفساد اما بالنسبة للفساد فنجد ان سهولة الحصول على القروض ادت الى تفاقم الفساد في بعض بلدان الدول النامية حيث سال لعاب حكامها للاستيلاء عليها بصورة او باخرى, كما حدث في الفلبين عندما نهب الديكتاتور فريناندوماركوس اكثر من عشرة مليارات دولار من خزانة الدولة, ورفع من حجم الديون المستحقة على بلاده من 2.3 مليار دولار عام 1970 الى اكثر من 35 مليار دولار حتى الآن, وكذلك ماحدث في البرازيل عند انشاء سد ايتابو حيث كانت تكلفته المبدئية تصل الى حوالي مليار دولار, الا ان تكاليف الانشاء تعدت 25 مليار دولار, وهو ما ادى الى تراكم مديونيات قديمة بلغت حتى الآن حوالي 180 مليار دولار بخلاف القرض الاخير الذي وافق عليه صندوق النقد الدولي في نهاية العام الماضي والمقدر بنحو 43 مليار دولار اي ان مجموع ديونها يربو على 223 مليار دولار. خطط فاشلة والسبب الثالث والذي يعد اهم الاسباب التي دفعت الى تراكم مديونيات الدول النامية خلال العشرين عاما الماضية هو خطط التنمية الفاشلة لدى العديد من تلك الدول, فخلال السنوات العشرين الماضية او قبل ذلك بقليل اعتقد حكام معظم الدول النامية ان مايطبقه الغرب من اصلاحات يصلح تطبيقه لديهم ونسوا اختلاف المناخ الاقتصادي بين النموذج الغربي ونموذج الدول النامية من جهات عديدة, بالاضافة الى عدم ادراك ان الغرب لم يبن حضارته بين عشية وضحاها كما اراد بعض حكام الدول النامية ان يفعلوا ـ والنتيجة بالطبع كانت فشلا ذريعا لتلك الخطة ترتب عنه الاتجاه لقروض جديدة لتبني خطط تنموية يراعى فيها الظروف المناخية لكل بلد من تلك الدول. ولم يكن الحكام وحدهم هم السبب الرئيسي في فشل خطط التنمية بل هناك جهات دولية ساهمت بصورة او باخرى في افشال تلك الخطط مثل صندوق النقد الدولي الذي احكم قبضته في السيطرة على التصرف في القروض الممنوحة, واقتراح النموذج التنموي الذي لابد ان تتبعه تلك الدول دون ادراك او وعي لانعكاسات الخطط المقترحة على الاداء الاقتصادي على المدى المتوسط والبعيد, وكانت النتيجة ما تعيشه تلك البلدان من فقر ومديونيات عالية لاتقوى على سدادها. وعلى الرغم من القيود التي فرضتها الجهات المانحة للقروض ذات الفوائد العالية خلال فترة الثمانينات , الا ان حجم القروض الممنوحة خلال تلك الفترة بصورة مطردة, وبعد مرور فترة قصيرة اكتشف العالم ان تلك الدول لا تستطيع ان تسدد ديونها, وبدأت تعيد حساباتها لاسترداد الاقساط المستحقة, اما باسقاط جزء من الديون او اعادة جدولتها, الى ان جاءت المكسيك عام 1982 واعلنت عجزها عن السداد وانها لن تسدد ديونها بالمرة لاي من الدول المانحة للقروض المستحقة عليها. ومن هنا بدأت النظرة تتبدل حيث الغت البنوك الصغيرة نسبيا تماما فكرة الاستمرار في تقديم قروض للدول النامية, بينما اشترطت البنوك الكبرى الحصول على ضمانات ائتمانية من دول كبرى او مؤسسات دولية لتقديم القروض المطلوبة. تراجع أسعار النفط وبخلاف ما سبق, نجد ان هناك اسبابا لاتقل اهمية عن سابقتها دفعت بديون العالم الثالث الى التفحل يأتي في مقدمتها تراجع اسعار النفط الى مستويات دنيا لم يشهدها من قبل وهو ماغير العلاقة الى حد كبير بين الدول المنتجة للبترول ومعظمها من الدول النامية وبين الدول المستوردة له وغالبيتها من الدول المانحة للقروض, فعلى سبيل المثال نجد ان واردات الدول المنتجة للنفط تراجعت على نحو ملحوظ عام 1985 لتصل الى حوالي 117 مليار دولار, مقابل حوالي 171.4 مليار دولار عام 1982. ولم تكن انعكاسات تراجع اسعار النفط على الدول النامية المنتجة له فقط بل امتدت لتطول غالبية البلدان النامية في العالم فقد ادى تراجع الاسعار في تلك الفترة الى قيام الدول المنتجة بالاستغناء عن ملايين العمال الوافدين من دول نامية مجاورة او بعيدة ومن ثم حرمان تلك الدول من تحويلات عمالها والتي كانت تقدر بالمليارات في بعض منها. بالاضافة الى تحويل رواتب العمال الى العملات المحلية بدلا من دفعها بالعملات الصعبة وهو ماحرم ايضا الدول النامية من مدخل اساسي للعملة الصعبة اليها. وبخلاف ديون العالم الثالث نجد ان هناك بعض الدول الكبرى تعاني هي ايضا من مديونياتها الخارجية, ولعل ابرز تلك الدول هي الولايات المتحدة الامريكية والتي تبلغ جمل ديونها حوالي 4.3 تريليونات دولار وهو مايعني 2.22 ضعف حجم ديون دول العالم الثالث مجتمعة. الديون الامريكية ... والمساعدات وتعد الولايات المتحدة الامريكية اكبر دولة مدينة في العالم, ويبلغ نصيب كل فرد امريكي من هذا الدين 14.813 الف دولار, وظلت الميزانية الفيدرالية تمول عجزها الدائم على مدار 30 عاما من خلال اصدار اذون او سندات خزانة. وخلال العام الماضي شهدت الولايات المتحدة اول توازن لميزانيتها منذ 30 عاما في الوقت الذي ازدادت فيه ديونها بمقدار 120 مليار دولار وهو ما يعني اضافة 450 دولارا على نصيب المواطن الامريكي من حجم الديون .. وتتزايد المخاوف الامريكية من تنامي حصة الدائنين الاجانب والتي تصل حاليا الى نحو 38% من اجمالي الديون المستحقة على الولايات المتحدة ويأتي في مقدمة تلك الدول اليابان والتي على خلاف دائم مع واشنطن بسبب اتساع فجوة العجز التجاري بينهما. والمهم هنا ليس حجم مديونيات امريكا بل انعكاسات تلك الديون على دول العالم الثالث والتي لها تأثير سلبي مباشر عليها, فبخلاف انها تؤدي الى رفع المعدلات الحقيقية لديون الدول النامية, نجد ان هناك اتجاها امريكيا واضح لتقليل مساعداتها الى تلك الدول, بل ان الكونجرس قد طالب بتقليص مساهمة واشنطن في ميزانيات المنظمات الدولية مثل الامم المتحدة وهو ما ادى الى تراكم ديون جديدة على امريكا بلغت حوالي مليار دولار لصالح الامم المتحدة. التقشف الكريه وبعد استعراض حجم الديون على دول العالم الثالث والآثار المترتبة عليها, بقي ان تتعرف على الحلول التي طرحتها جهات عديدة للخروج من تلك الازمة ان كانت غالبيتها متشابهة الى حد كبير حيث تركزت (الوصفات السحرية المدمرة) للبلدان المتقدمة او البنك الدولي في تبني خطط تقشف اقتصادي واسعة النطاق تشمل خفضا في الانفاق الحكومي وخصخصة القطاع العام ومرافق الدولة وفي كل مرة كانت هذه الوصفات تؤدي الى نتائج واحدة وهي زيادة العبء على الفقراء اكثر من من الاغنياء ( بالنسبة لدول العالم الثالث) لانهم بطبيعة الحال يمثلون النسبة العظمى من سكان تلك الدول. فمن المعروف ان كلمة تقشف تعني تقليص الانفاق على الخدمات مثل الصحة والتعليم وغيرها, والمستفيد الاول من هذه الخدمات هو المواطن الفقير, وهو ما يعني اضافة اعباء جديدة عليه لايقوى على تحملها. ومصطلح (التقشف) لم يظهر الا في عهد رئاسة ميشيل كامديسو لصندوق النقد الدولي الذي اصبح شخصية (مكروهة) في جميع البلدان وحاول الفرنسي كامديسو مرارا تحسين صورة الصندوق ولكنه فشل, وخاصة في الاقتراح الذي قدمه عام 1995 والخاص بقيام الصندوق ببيع جزء من احتياطاته من الذهب لمساعدة الدول الاكثر فقرا, الا ان المانيا عارضت هذه الفكرة. ولكن كامديسو نجح في احدى المحاولات لتحسين صورة الصندوق عندما اقترح تحديد الدول الاكثر فقرا في العالم ووضع شروطا لاعفائها جانبا من ديونها ولكن بشروط وبالفعل تم تحديد 41 دولة وجرى اختيار سبع منها لاعطائها جانبا من ديونها , وحتى الآن لم يتم الا اعفاء دولة واحدة وهي اوغندا من 350 مليون دولار من ديونها. القاهرة ـ احمد صفي الدين