طالبت دراسة نفطية عربية حديثة بتكوين فريق قائد من الدول المصدرة الرئيسية للنفط عربية وغير عربية اعضاء في اوبك وغير اعضاء في اوبك تكون مسؤوليته الدفاع عن هيكل اسعار النفط ووضع استراتيجيات طويلة الأجل مع ادخال قدر من المرونة التي تضمن استقرار السعر داخل مستويات معقولة وقابلة للتطور تبعا للظروف التي يمر بها الاقتصاد العالمي وغيره من العوامل الحاكمة في صناعة النفط. واكدت الدراسة ان هذا الفريق القائد سوف ينطلق من النقطة التي تلتقي عندها مصالحه الوطنية. واشارت الدراسة التي اعدها الدكتور حسين عبد الله وكيل اول وزارة البترول المصرية سابقا ووردت بالعدد الجديد من مجلة (الشؤون الاقتصادية) التي تصدرها ادارة البحوث والدراسات بديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي الى ان اسعار النفط لا يمكن ان تستقر الا بتنسيق المعروض من النفط في الاسواق العالمية موضحة ان هذا ما فعلته الشركات العالمية عندما كانت تسيطر على تلك الاسواق. كما كانت بعض الولايات الامريكية المنتجة للنفط تقوم بتحجيم الانتاج حفاظا على مستوى معين للاسعار ومداخيل المنتجين. ويأتي هذا التنسيق متسقا مع المادة 20 من اتفاقية الجات التي تبيح للدولة اتخاذ ما تراه من اجراءات للحفاظ على الموارد الطبيعية الناضبة والنادرة. وأكدت ان وضع حد اعلى لانتاج النفط بقصد الحفاظ على معدل معقول لنضوبه لا يصح تفسيره على انه ممارسة لاحتكار تجاري مقيد لحرية التجارة كما يدعى انصار اخضاع النفط لقوى السوق والمنافسة. واضافت الدراسة ان الدول الغربية المستهلكة للنفط لا تحجم عن تنسيق سياساتها. في مجال الطاقة عموما وفي مجال النفط بصفة خاصة. فقد اقامت تلك الدول العديد من الاذرع التخطيطية والتنسيقية ممثلة في اجهزتها المحلية, وفي وكالة الطاقة الدولية, فضلا عن اذرعها التنفيذية ممثلة في الشركات العالمية للنفط والتي تضطلع, بالاضافة الى تكوين وادارة مخزونها التجاري من النفط, بمسؤولية تكوين وادارة المخزون الاستراتيجي للعديد من هذه الدول, مشيرة الى ان تلك الدول لا تسمح بانتقال الانخفاض في اسعار النفط الخام الى المستهلك النهائي مما كان سينعكس اثره في ازدياد الطلب على النفط. ومن دلائل ذلك ارتفاع الضرائب النفطية في اوروبا من نحو 22 دولارا الى 66 دولارا للبرميل خلال الفترة 1985- 1995, وهي الفترة التي شهدت انخفاضا مطردا في اسعار النفط الخام. ولعل في ذلك ابلغ اجابة على من يساندون بقاء اسعار النفط عند مستواها المتردي املا في ان يؤدي الانخفاض الى زيادة الطلب على النفط. طمأنينة.. واسترخاء واوضحت الدراسة ان سعر النفط ارتفع معبرا عنه بسعر سلة اوبك من نحو 19 دولارا خلال الفترة مايو- اغسطس 1996 ليبلغ ذروته خلال يناير 1997 عند 24 دولارا, وكان العامل الرئيسي في ارتفاع السعر, المستوى المتدني الحرج الذي وصل اليه مخزون النفط التجاري في الدول الصناعية المستهلكة وعجز نفط اوبك عن الاستجابة للطلب العالمي المتزايد عليه, وبدخول النفط العراقي الى الاسواق العالمية في مستهل 1997, في ظل اتفاقية النفط مقابل الغذاء وفقا لقرار مجلس الامن رقم 986, ومع ما تحقق من اعادة بناء المخزون في اواخر 1996, ساد الاسواق شيء من الطمأنينة فأخذ السعر في الاسترخاء لكي يتراوح حول 18 دولارا حتى الربع الثالث من 1997, ثم اخذ في الانهيار اعتبارا من اكتوبر 1997 بحيث انخفض الى اقل من 12 دولارا على مدى عام 1998, وتراوح حول عشرة دولارات في مطلع عام 1999, وهو مستوى غير مسبوق منذ الانهيار التاريخي عام 1986. واشارت الى ان دراسات التنبؤ السائدة قبيل اجتماع اوبك في جاكرتا خلال نوفمبر 1997 كانت تتوقع استمرار نمو الطلب العالمي على النفط بنفس المعدلات التي شهدتها السنوات الاخيرة, مما شجع اوبك على رفع سقف الانتاج بمعدل 10% من نحو 25 مليون برميل يوميا الى نحو 27.5 مليون برميل يوميا. كذلك ساد الاعتقاد في بداية الازمة العالمية التي بدأت في منطقة جنوب شرق اسيا بتعويم العملة التايلاندية في 2 يوليو 1997 انها سوف تنحصر في اطار محدود. غير ان العدوى لم تلبث ان اتسعت لكي تصبح ازمة مالية اقتصادية ثم انتشرت لكي تصيب غالبية دول جنوب شرق اسيا, كما تناثرت اثارها الى روسيا وامريكا اللاتينية وخاصة البرازيل. ومازالت التكهنات تحيط بمدى وسرعة ذلك الانتشار على اختلاف بين متفائل ومتشائم. اما متى تنحسر الازمة ويسترد الاقتصاد العالمي عافيته, فمازال يشوبه قدر كبير من اللايقين واختلاف التقدير. وذكرت ان وجه الاهمية لهذه الازمة بالنسبة لصناعة النفط ان منطقة جنوب شرق اسيا (او ما يطلق عليها اسيا باسفيك بعد ضم استراليا اليها) كانت تمثل المصدر الاساسي للنمو السريع في الطلب العالمي على النفط خلال السنوات الاخيرة, كما كانت المستورد الرئيسي للصادرات النفطية من الخليج العربي. ومع اتساع نطاق الازمة في تلك المنطقة قدر انخفاض استهلاكها من النفط خلال 1998 بنحو 120 الف برميل يوميا بالمقارنة بعام 1997 بدلا من زيادة في عام 1998 كانت تقدر بنحو 700 الف برميل يوميا في ظل النمط السائد قبل الازمة. وبذلك يبلغ اثرها الانكماشي بالنسبة للطلب العالمي عام 1998 نحو 800 الف برميل يوميا. اسباب الانكماش واضافت انه يأتي في مقدمة اسباب الانكماش النفطي في تلك المنطقة استمرار الانكماش الاقتصادي في اليابان والتي تمثل نحو 30% من استهلاك النفط في المنطقة. فقد شهد النصف الاول من عام 1998 انكماش الطلب الياباني على النفط بنحو 5% وهو ما يمثل نحو 280 الف برميل يوميا. اما كوريا الجنوبية فقد انخفض استهلاكها من النفط بمعدل 15% خلال النصف الاول من عام 1998 مقارنا بنظيره في العام السابق. ولم يفلح انخفاض اسعار النفط في وقف ذلك الانخفاض, اذ تلجأ الحكومة دائما لزيادة الضرائب النفطية كلما انخفضت اسعار النفط الخام. كذلك انخفض استهلاك تايلاند من النفط بنحو 10% خلال الشهور الاربعة الاولى من عام 1998. اما في الهند فيقدر نمو الطلب على النفط خلال عام 1998 بنحو 4% نتيجة لنمو القطاع الصناعي فيها بنحو 6.2% وذلك ما لم يشهد الاقتصاد الهندي في مجموعة تباطؤا في نموه. وتشير الدلائل الى ان معدل النمو في طلب الصين على النفط لن يتجاوز 5.5% خلال عامي 1998, 1999 وهو ما يقصر عن نظيره خلال الفترة 1995- 1997 والذي تراوح حول 8.5%. واشارت الى ان منطقة جنوب شرق اسيا تلعب دورا محوريا في تحديد الطلب العالمي على النفط, وبصفة خاصة في حجم الواردات العالمية من النفط, ومن ثم في اتجاه حركة اسعاره. فبينما كان استهلاك المنطقة من النفط خلال الفترة 1993- 1997 ينمو بمعدل 5.4% سنويا في المتوسط, لم يتجاوز معدل نحو انتاجها منه 2.3% خلال الفترة المذكورة. بذلك ارتفع حجم العجز في احتياجات المنطقة ممثلا بالفرق بين انتاجها واستهلاكها من النفط من نحو 9 ملايين برميل يوميا عام 1993 الى نحو 12 مليون برميل يوميا في عام 1997. بذلك تبلغ نسبة العجز نحو 30% من حركة التجارة العالمية في النفط والتي بلغت نحو 40 مليون برميل يوميا عام 1997. غير ان تلك النسبة تزيد على ذلك في واقع الامر, اذ بلغت جملة الواردات النفطية في المنطقة عام 1997 نحو 15 مليون برميل يوميا منها نحو 2.6 مليون برميل يوميا تم تداولها من والى دول داخل المنطقة. وباستبعاد تلك الحركة الداخلية من اجمالي حركة التجارة العالمية في البترول ترتفع النسبة الى نحو 33%. واوضحت ان الزيادة السنوية في استهلاك المنطقة تساهم مساهمة كبيرة في حجم الزيادة السنوية في الطلب العالمي على النفط, اذ تراوح نصيب المنطقة من تلك الزيادة حول 59% خلال السنوات 19940 1997, وان كانت تلك النسبة قد اخذت في الانخفاض, وكانت الزيادة في استهلاك المنطقة موجبة في عام 1993 بمقدار 660 الف برميل يوميا, بينما لم يحقق الاستهلاك العالمي اية زيادة في العام المذكور. التبادل النفطي واضافت الدراسة انه كما تشير العلاقات الاقتصادية التي تربط الشرق الاوسط بمنطقة جنوب شرق اسيا, فان كلا منهما يعتمد على الاخر في التبادل النفطي بدرجة مؤثرة. ففي عام 1997 بلغت واردات منطقة جنوب شرق اسيا النفطية من الشرق الاوسط نحو 10.9 ملايين برميل يوميا وهو ما يعادل نحو 88% من صافي واردات المنطقة في ذلك العام (12.4 مليون برميل يوميا). وبالمثل فان منطقة الشرق الاوسط تعتمد بدرجة كبيرة على اسواق الشرق الاقصى لتسويق نحو 60% من اجمالي صادراتها النفطية والتي بلغت في عام 1997 نحو 18.2 مليون برميل يوميا. ويتوقع ان يشهد المستقبل اتساع السوق في تلك المنطقة التي يميل انتاجها النفطي الى الانكماش وخاصة بعد ان تتحول اندونيسيا من دولة مصدرة الى دولة مستوردة كما هو متوقع. بل ان الاعتماد المتبادل بين المنطقتين لا يقتصر على تجارة النفط وانما يتجاوزها الى العديد من السلع والخدمات والاستثمارات. واشارت الى ان تلك الرابطة القوية هي التي شجعت الخبير النفطي الأمريكي فيليب فرلوجر لكي يقترح في اكتوبر 1998 ان تقوم الدول المصدرة للنفط بتخفيض الانتاج الى الحد الذي يرفع سعر النفط الى مستوى 20- 25 دولارا للبرميل, وبذلك ترتفع ايرادات تلك الدول بنحو 100 مليار دولار. وينصح الخبير الامريكي باستخدام حصيلة الزيادة في الاستيراد من الدول التي تأثرت بالازمة الاقتصادية مثل كوريا الجنوبية وتايلاند واندونيسيا وربما الصين والبرازيل, ومتى تدفقت تلك الحصيلة, بالاضافة الى ما يتدفق عبر قنوات اخرى, الى اقتصاديات الدول التي اصابتها الازمة, فان الانكماش الاقتصادي لابد ان يتوقف وربما انعكس الاتجاه الى النمو مرة اخرى, وبذلك يسترد الطلب العالمي على النفط عافيته في وقت اسرع. وتوقعت وكالة الطاقة الدولية في تقريرها الشهري الصادر في اكتوبر 1998 الا تتجاوز الزيادة في الطلب العالمي على النفط 550 الف برميل يوميا عام 1998. لكي يبلغ نحو 74.3 مليون برميل يوميا اما الطلب العالمي على النفط عام 1999 وفقا لتقديرات الوكالة فلا يتوقع ان يتجاوز 75.6 مليون برميل يوميا بزيادة 1.3 مليون برميل يوميا, وهو ما يقل عن تقديرات ادارة معلومات الطاقة الامريكية التي تبلغ 1.5 مليون برميل يوميا في تقريرها الصادر ايضا في اكتوبر 1998. كما تتوقع وكالة الطاقة الدولية ان تبلغ الزيادة في انتاج النفط عام 1999 من دول غير اعضاء في اوبك نحو 1.03 مليون برميل يوميا وذلك بالمقارنة بنحو 0.56 مليون برميل يوميا عام 1998. وتعزى تلك الزيادة اساسا الى بحر الشمال بنحو 610 آلاف برميل يوميا وامريكا اللاتينية بنحو 320 الف برميل يوميا. واذا اخذ في الاعتبار ان انتاج اوبك من سوائل الغاز الطبيعي (وهو مالا يخضع لنظام الحصص) سوف يرتفع بنحو 0.2 مليون برميل يوميا, فان ما تبقى للطلب على نفط اوبك خلال 1999 قد لا يتجاوز 0.4 مليون برميل يوميا. وبذلك يمكن ان يرتفع انتاج اوبك من النفط الى نحو 27.2 مليون برميل يوميا عام 1999. وتتفق تقديرات الوكالة مع تقديرات صندوق النقد الدولي في ان اسعار النفط سوف تنخفض بنحو 30% خلال 1998 بالمقارنة بعام 1997. وبمضي تقرير الوكالة في تشاؤمه الى القول بان عام 1999 سوف يرث سوقا نفطية تنوء بعبء ثقيل من المخزون النفطي العالمي, وبأزمة مالية مستحكمة في اسيا, وبطاقة انتاجية نفطية تتسع في دول غير اعضاء في اوبك وفي بعض دول اوبك, مع احتمال زيادة انتاج النفط العراقي. عدم وضوح المسار واوضحت الدراسة فيما يخص الناتج المحلي الاجمالي, حجما وبنيانا, ومعدلات النمو السكاني, تشير الوكالة الى ما يحيط بهذه المؤشرات في الدول النامية ودول الكتلة السوفييتية سابقا من عدم وضوح المسار, وخاصة في محاولات تلك الدول للتحول الى اقتصاد السوق. كذلك الحال بالنسبة لمعدلات التحسن التكنولوجي والرصيد الموجود من الاجهزة المستخدمة للطاقة, فبالاضافة الى صعوبة التنبؤ في المدى البعيد بحجم التحسينات التكنولوجية, فان استحداث اجهزة اكثر كفاءة في استخدام اجهزة اكثر كفاءة في استخدام الطاقة يتوقف اثرها في النهاية على معدل وسرعة دخولها الى حيز الاستعمال التجاري. ومع ارتفاع مستويات الدخل في العالم يختلف السلوك الانساني فيما يتعلق باقتناء السلع المستخدمة للطاقة مثل السيارات والاجهزة المنزلية المعمرة. وفي هذا المجال يصعب التنبؤ باتجاه وحجم التغير في السلوك الانساني. ومن العوامل المؤثرة ايضا في اسواق الطاقة ويصعب التنبؤ بمسارها وبحجم تأثيرها, تكلفة البحث عن مصادر جديدة للطاقة بما في ذلك تكلفة البحث عن النفط وانتاجه. وتختلف التوقعات في هذا المجال اذ يرى بعض الخبراء ان احتياطات النفط العالمية تتجه الى زيادة نتيجة لانخفاض التكلفة, بينما يرى بعض الخبراء ان الاحتياطات اخذة في الانخفاض نتيجة لارتفاع التكلفة لازدياد الصعوبات في المناطق المرشحة للاستكشاف, بريا وبحريا, وتستعرض الوكالة مؤشرات اخرى مؤثرة في اسواق الطاقة, ومن ذلك السياسات المستحدثة لتحرير تلك الاسواق, كما هو الحال في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وعدد من الدول الاوروبية, وكذلك السياسات الهادفة لحماية البيئة واخرها ما تم اعتماده في بروتوكول كيوتو واجتماع البرازيل. واضافت الدراسة الى ذلك ايضا الدعم الذي تقدمه بعض الدول في الاسعار المحلية للطاقة والاتجاه العام نحو خفض او الغاء هذا الدعم, وتستخلص الوكالة في نهاية هذا الاستعراض صورة هلامية لتوقعات الطاقة في المدى البعيد لتضع تقديراتها في اطار من اللايقين والاحتمالات المتضاربة. كذلك تستخلص الوكالة انه في غياب سياسات صارمة للحد من الغازات الملوثة للبيئة, فان الاستهلاك العالمي من الطاقة يمكن ان يرتفع خلال الفترة 1995- 2020 بنحو 65% وان نحو 95% من تلك الزيادة سوف يعتمد على المصادرالحفرية وهي النفط والغاز الطبيعي والفحم. واكدت الدراسة ان الوكالة اذ تساند الاتجاه القائل ان اسعار النفط سوف تظل متدنية في المدى القصير, فانها لا ترغب في التناقض مع توقعاتها السابقة على الازمة الحالية والتي تشير الى ان اسعار النفط سوف تأخذ في الارتفاع في المدى المتوسط والبعيد. واضافت الدراسة ان الطلب العالمي على النفط, والذي سيظل لبعض الوقت متأثرا بالازمة الاسيوية, سوف ينمو خلال الفترة 1997- 2005 من نحو 69.4 مليون برميل يوميا الى نحو 80 مليون برميل يوميا اذا ارتفع السعر الى معدله الطبيعي وهو 17- 18 دولارا للبرميل. اما اذا بقي السعر منخفضا عند معدله في عام 1998 وهو 12 دولارا فان الطلب العالمي على النفط يمكن ان يبلغ 82.3 مليون برميل يوميا, وبذلك يتسع المجال لزيادة نصيب اوبك من السوق ليس فقط على حساب غيرها من منتجي النفط بل ايضا نتيجة لزيادة حجم الطلب العالمي على النفط. أبوظبي ــ عبد الفتاح منتصر