على ما يبدو ان طرق توجه الاستثمارات العالمية التي كانت ممهدة وممتلئة بعلامات الارشاد الصادقة والواضحة طيلة ربع قرن مضى قد اصبحت وعرة وغير صالحة وممتلئة بالمطبات والمنحنيات الحادة التي جعلت الكثير من الاستثمارات تتراجع عن السير فيها , خاصة بعد ازمة النمور الآسيوية التي جاءت في اعقاب تدفق هائل للاستثمارات على دول جنوب شرق آسيا طيلة عقدين من الزمان, والأزمة الروسية التي خيبت الكثير من الآمال نحو السوق الروسية الكبيرة التي انفتحت في مطلع التسعينات, وانعكاس هذه الأزمات على معظم اسواق العالم وعبورها المحيطات الى اسواق ما وراء البحار في امريكا اللاتينية. كل هذه الازمات وضعت الاستثمارات العالمية على مفترق طرق ذات افرع عديدة, وكلها بلا استثناء محفوفة بالمخاطر والتوقعات المتشائمة. ويؤكد الخبراء على ان هذه الحالة من عدم القدرة على اختيار الطريق الصحيح للتوجه سوف تظل مستمرة طيلة عام 1999, وحتى اسواق الولايات المتحدة وأوروبا واليابان لم تعد تحوز الثقة الكبيرة لدى الاستثمارات العالمية مع توقع حدوث تقلبات في هذه الاسواق في العامين المقبلين. وأصبح من الصعب على المحللين وبيوت الخبرة العالمية اعطاء وصفات دقيقة لتوجه الاستثمارات العالمية, ولكن هذا لا يمنع من وجود بعض المؤشرات والعلامات المتفائلة التي تساعد الاستثمارات على التوجه لبعض الطرق والسير فيها مؤقتا حتى تتبين معالم الطرق الاخرى ويعاد تمهيدها للسير. السوق الأمريكية وما زالت اسواق الولايات المتحدة الامريكية هي الاكثر جذبا واستقرارا للاستثمارات العالمية, هذا على الرغم من تضخم العجز في الاقتصاد الامريكي والذي بلغ 150 مليار دولار في العام الماضي ويتوقع ارتفاعه الى 226 مليار في العام الجاري, ولكن هذا العجز لم يؤثر على مكانة الاقتصاد الامريكي القوي, ولا على قوة الدولار واحتلاله المقدمة باستمرار في اسواق العملات, وهو الامر الذي يستبعد معه وقوع اية كارثة في الاسواق الامريكية على مدى عشر سنوات مقبلة, هذا على الرغم من وجود بعض الآراء التي تحذر من هرولة الاستثمارات نحو السوق الامريكية على اعتبار ان هذه السوق مرتبطة بشكل كبير بالاسواق العالمية الاخرى وتتأثر بها اكثر من غيرها, والدليل على ذلك انه رغم الازمات العالمية في الدول الاخرى والتي دفعت بعدد كبير من الاستثمارات الى الاسواق الامريكية في الاعوام القليلة الماضية, الا ان الاحوال داخل الولايات المتحدة الامريكية ليست مطمئنة بشكل كبير, فقد انخفضت بشكل حاد مدخرات المواطنين الامريكيين, وزاد اقبالهم على الانفاق والاستهلاك مع الوفرة الطارئة على الدخول وتوفير كم كبير من فرص العمل, نتيجة تدفق الاستثمارات الاجنبية, وتراجع الاستثمارات المحلية عن الخروج للخارج, بسبب الخوف من الازمات الخارجية. ومع انخفاض المدخرات انخفضت قوة المصارف والبنوك الامريكية الى حد ما الامر الذي اضطرها الى خفض معدلات الفائدة ومن المتوقع استمرار هذا الوضع في العام المقبل. ويؤكد المحللون الاقتصاديون في مجلة (بيزنس ويك) الامريكية على انخفاض معدل النمو الاقتصادي في العام الجاري بسبب انخفاض التمويل المصرفي, ورغم النجاح النسبي في كبح جماح الازمة البرازيلية التي كان من المتوقع لها ان تحدث اثرا سلبيا كبيرا على البنوك الامريكية العملاقة الضامنة للاقتصاد البرازيلي, الا ان اية ازمة جديدة في مكان جديد من العالم وخاصة في امريكا اللاتينية التي سوف يكون لها آثارها السلبية وبصورة اكثر قوة على الاقتصاد الامريكي, خاصة وان هناك ضغوطا كبيرة من قبل الجمهوريين على حكومة الديمقراطيين لخفض الضرائب بمعدل 600 مليار دولار في السنوات المقبلة وايضا هناك توجه لزيادة ميزانية الضمان الاجتماعي من الفائض الذي حققه الاقتصاد الامريكي من وراء ارتفاع اسعار الاسهم. كل هذه الامور تجعل الاستثمارات العالمية تتوخى الحذر قبل التوجه للسوق الامريكية اقوى الاسواق العالمية حاليا. السوق الاوروبية اما بالنسبة للسوق الاوروبية فإن كثيرا من المحللين ينصحون الاستثمارات العالمية بالتوجه اليها, والتعامل معها كوحدة واحدة اولا, وكبلدان متفرقة في المرتبة الثانية. ويقول الخبير الاقتصادي العالمي (مورتيز ليب) عضو الهيئة الاقتصادية لمجلة (تايم) الامريكية وعضو مجلس ادارة بنك دريسدنر الالماني, ان الاقتصاد الاوروبي, سوف يشهد ازدهارا ملحوظا قبل نهاية عام 2000. خاصة بعد عمليات اعادة الهيكلة في العديد من الشركات الاوروبية الكبرى التي اصبحت اكثر قوة وخاصة بعد الاندماجات الهائلة التي شهدتها بعض القطاعات مثل السيارات والتأمين والبنوك, واشار الى ان المصارف الاوروبية سوف تقود عمليات النهوض بالاقتصاد الاوروبي, خاصة في ظل الاندماجات الهائلة التي شهدتها وتشهدها هذه المصارف مثل اندماج مصرف (باريباس) و (سوسيتيه جنرال) الفرنسيين والتي تقدر قيمته بــ 17 مليار دولار واندماج مصرفي (بي سي اتش) و (ساناندر) الاسبانيين والذي بلغت قيمته اكثر من 31.6 مليار دولار. من ناحية اخرى تزهو بعض الآراء الى ان السوق الاوروبية ما زال يغلب عليها التعامل الفردي مع كل دولة على حدة, وان الدول الاوروبية ما زالت تواجه صعوبات كبيرة في توحيد الانظمة القانونية للتعامل فيما بينها ومع الجهات الاخرى وحتى الاندماجات في اوروبا ما زالت حبيسة حدود الدولة الواحدة الى حد كبير, ويعوق خروجها ووقوعها بين الدول الاوروبية عدم وجود اطار قانوني مشترك والامر في رأي البعض يحتاج الى عشر سنوات على الاقل حتى يتم وضع هذا الاطار, ومن خلال هذه السنوات العشر سوف تبقى الاندماجات محصورة بشكل كبير في اطارها المحلي داخل كل دولة على حدة, وهو الامر الذي لا يشجع الاستثمارات العالمية على التوجه اليها بشكل كبير, هذا وينصح العديد من الخبراء المستثمرين العالميين بالتعامل مع الدول الاوروبية كل على حدة طالما لم تتضح المعالم النهائية للاطار العام للسوق الاوروبية التي ما زالت تواجه صعوبات داخلية وخارجية كثيرة. اليابان اما بالنسبة لليابان فإن جدية تعامل حكوماتها مع الازمات الاقتصادية والمالية داخلها تبعث المستثمرين على التفاؤل رغم العثرات المالية والاقتصادية التي عانتها اليابان في السنوات الخمس الماضية, ويتوقع المحللون نموا اقتصاديا وانكماشا في العجز المالي في اليابان سوف يصل الى الصفر في نهاية عام 2000 خاصة بعد ان قررت الحكومة اليابانية تخصيص مبلغ 550 مليار دولار كدعم يساعد على انعاش البنوك اليابانية واعادة تنظيم رؤوس أموالها وكسب ثقة عملائها فيها, كما قررت الحكومة تخصيص 250 مليار دولار لتحفيز الطلب المحلي وانعاش السوق وجذب الاستثمارات, ويتوقع الخبراء مزيدا من الدعم من الحكومة اليابانية لدفع عجلة الاقتصاد الياباني وانتشاله من ركوده, ويساعدها على ذلك الاحتياطي الياباني الهائل والذي يخصص منه جزء كبير يتعدى ثلاثة تريليونات دولار لمواجهة الازمات الاقتصادية الحادة وانهيارات المصارف العملاقة. ومما لا شك فيه ان انتعاش الاقتصاد الياباني سوف يعود بالفائدة على العديد من الاسواق العالمية وفي مقدمتها أسواق آسيا المجاورة التي تعتبر اليابان أكبر الممولين لها, وتعد اليابان المستثمرين من كل انحاء العالم بفرص كبيرة لتنمية استثماراتهم وتقدم لهم ضمانات هائلة, وتشجعهم على المغامرة وخوض التجربة من الآن قبل فوات الأوان. الدول النامية هذا كله في الوقت الذي ما زالت طرق الاستثمار في دول وأسواق العالم الثالث حافلة بالمخاطر والعوائق التي تحول دون اقدام الاستثمارات العالمية نحوها, وهو الأمر الذي يتوقع له المحللون الاستمرار لفترة طويلة قد تمتد لعشر سنوات خاصة وان تداعيات الأزمات في هذه الأسواق جعلت العديد من الدول النامية تتردد وتتراجع عن السياسات الأكثر انفتاحا على هذه الأسواق, وجعل استثمارات الدول الاخرى النامية التي لم تصل اليها الازمات بعد, تتوخى الحذر الشديد في توجهاتها, وتنحصر خياراتها بين اثنين إما التوجه لأسواق الدول الكبرى في قطاع انتاجية مضمونة, وإما التقوقع واستئثار البقاء في أسواقها المحلية بهدف الحفاظ عليها وحمايتها من الازمات. أسواق رائجة ورغم ان الازمات وتداعياتها ورغم حذر الجميع وتخوف الاستثمارات العالمية من المجازفة, الا ان هناك قطاعات استثمارية عالمية ما زالت نشطة وتشهد نموا ملحوظا وجذبا هائلا للاستثمارات, وخاصة تكنولوجيا الالكترونيات في قطاع الكمبيوتر والاتصالات, وهذا في حد ذاته يفسر ارتفاع اسعار أسهم وعائدات شركات مثل (أبل) و(مايكروسوفت) و(سيسكو) وما زالت أسهم شركات التقنية الحديثة في المقدمة في الاسواق العالمية. كما يتوقع الخبراء مزيدا من الاندماجات العملاقة في قطاعات البنوك وشركات صناعة الدواء. وبالنسبة لأسواق الدول النامية والدول الواقعة تحت الازمات الاقتصادية, فإن الخبراء ينصحون بتوجه الاستثمارات اليها الآن في القطاعات الانتاجية طويلة الأمد وخاصة قطاعات مصادر الطاقة, كما ينصح البعض بالتوجه لقطاعات السياحة والفنون في الدول النامية خاصة الدول الشهيرة منها, وتقديم الفنون العالمية, وقد قدر البعض عائدات اليابانيين من شراء الفنون الروسية المختلفة خلال السنوات التسع الماضية بأكثر من 22 مليار دولار, وقدرت صفقة لوحات لفنانين آسيويين في يناير الماضي في أسواق أوروبا بأكثر من عشرين مليون دولار, في حين لم يزد ثمن شرائها في بلادها على 5.1 مليون دولار. هذا الى جانب تكنولوجيا المعلومات والكمبيوتر والاتصالات والانترنت وصناعة الكاميرات الرقمية وغيرها من التكنولوجيا الالكترونية الحديثة والتي تشهد اقبالا كبيرا جعل أسهم شركات مثل (انتل) و(أي.بي.ام) تتصدر قائمة أسعار الأسهم في الأسواق العالمية.