أكدت دراسة لمجموعة (اتش اس بي سي) (البنك البريطاني) ان متوسط نسبة النمو في الناتج المحلي الاجمالي للامارات قد بلغ 5% سنويا خلال الفترة من 1972 - 1997 وان نسبة النمو في القطاعات غير النفطية تعتبر أفضل من قطاع النفط . وذكرت الدراسة التي نشرت في النشرة الفصلية للمجموعة في عددها الأخير ان مجمل الانفاق على الاستثمار خلال 23 عاما هي عمر الفترة التي امتدت من 1975 - 1997 بلغ 672 مليار درهم. النظرية الاقتصادية وذكرت الدراسة ان النظرية الاقتصادية تقول ان الاستثمار عنصر رئيسي, أو في الواقع مطلب ضروري, للنمو الاقتصادي, والمنطق هنا واضح ومباشر, فالانتاج الاقتصادي يتولد مما يسميه خبراء الاقتصاد (عوامل الانتاج) كالعمالة ورأس المال والمهارات والتكنولوجيا, على سبيل المثال وكلما توفر أي عامل من هذه العوامل بصورة أكبر كلما حصلنا على مزيد من الانتاج, وإذا قمنا بتغيير هذا المزيج من عوامل الانتاج فإنه يمكننا أيضاً تغيير تركيبة النمو الاقتصادي لدينا. ورأس المال, بهذا المفهموم, يعني الموجودات الثابتة التي يتولد منها الانتاج: بعبارة أخرى انه الأرض المنتجة والمباني والمصانع والماكينات والسيارات التجارية, وإذا أضفنا إلى هذه الموجودات عناصر أخرى فإننا نكون قد قمنا وفقا لما يطلق عليه في المصطلح الاقتصادي, بعملية (تكوين رأس المال الاجمالي الثابت) أو (الاستثمار الاجمالي) وبذلك فإن رجل الأعمال عندما يقوم بالاستثمار فإنه يضيف إلى رأس المال وينشيء الامكانية لايجاد الثروة والأرباح وفرص العمل. وهناك طريقة يمكن أن نقيس بها التزام أي دولة بالنمو الاقتصادي وهي ان ننظر الى النسبة التي يتم تخصيصها من ناتجها المحلي الاجمالي للاستثمار, وهذه النسبة يمكن أن نطلق عليها نسبة الاستثمار, وتعني نسبة الاستثمار العالية ان الدولة تضع كثيرا من مواردها في تكوين رأس المال, أما نسبة الاستثمار المنخفضة فتعني ان معظم موارد الدولة تتجه نحو الاستهلاك, لذلك فإنه من الطبيعي ان تعطينا نسبة الاستثمار العالية معدلا عالياً من النمو الاقتصادي, وليس من قبيل الصدفة, على سبيل المثال, ان اليابان قد خصصت أكثر من 30% من ناتجها المحلي الاجمالي للاستثمار على مدى الأربعين عاما الماضية. سجل الامارات ما مدى تطبيق دولة الامارات العربية المتحدة لمعايير الاستثمار؟ تغطي الحسابات الوطنية للامارات الفترة من عام 1972 حتى عام ,1997 مما يوفر لنا بيانات لفترة 26 عاما, وخلال هذه الفترة ارتفع الناتج المحلي الاجمالي لدولة الامارات من سبعة مليارات درهم الى 176 مليار درهم بالأسعار الحالية, وبعد طرح آثار التضخم نحصل على نسبة نمو تقدر في المتوسط بحوالي 5% في السنة (رغم اختلاف النسبة كثيرا بالطبع من سنة إلى أخرى), وتعتبر هذه النسبة عموما لا بأس بها رغم انها لا ترقى إلى مستوى بعض الدول الصناعية كدول شرق آسيا. ولو نظرنا إلى اقتصاد القطاعات غير النفطية, أي كافة القطاعات ما عدا قطاع النفط الخام, كالتجارة والصناعة والانشاءات والخدمات, نجد أن نسبة النمو فيها تعتبر أفضل من قطاع النفط, فمنذ عام 1972 ارتفعت المكونات غير النفطية للناتج المحلي الاجمالي من أقل من خمسة مليارات درهم الى 123 مليار درهم, وكان متوسط نسبة النمو للقطاعات غير النفطية, بعد طرح آثار التضخم, حوالي 8% في السنة, وهو انجاز كبير على امتداد هذه الفترة الطويلة من الزمن, حتى وإن كان قد بدأ من قاعدة صغيرة. وهناك عدد من الاسئلة التي قد تتبادر الى الذهن الآن: ما هو متوسط نسبة الاستثمار في الامارات العربية المتحدة؟ وهل هناك علاقة بين نسبة الاستثمار ومعدل النمو الاقتصادي؟ وهل العلاقات مختلفة في القطاعات النفطية وغير النفطية؟ من حسن الحظ ان الحسابات الوطنية تمكننا من الإجابة على هذه الاسئلة. ولنأخذ أولاً اقتصاد دولة الامارات بصفة عامة: فعلى مدى 23 عاما هي عمر الفترة التي امتدت من عام 1975 حتى عام ,1997 بلغ مجمل الانفاق المجمع على الاستثمار 672 مليار درهم, وبلغ مجمل الناتج المحلي الاجمالي المجمع 2.502 مليار درهم, وبذلك يكون متوسط نسبة الاستثمار 27%, أي ان ذلك كان متوسط الجزء المخصص للاستثمار من الناتج المحلي الاجمالي خلال هذه الفترة, وتعتبر هذه النسبة في الواقع عالية نسبيا لو قارناها باليابان كما رأينا, وتساعدنا على أن نفهم كيف حققت دولة الامارات سجلاً جيداً من النمو الاقتصادي على مدى فترة طويلة من الزمن. وتتأكد لنا هذه النتيجة عندما نلقي نظرة على الاقتصاد في القطاعات غير النفطية, فنحن هنا نقارن الاستثمار في القطاعات غير النفطية بالمساهمة التي تقدمها هذه القطاعات للناتج المحلي الاجمالي, في الفترة من عام 1975 حتى عام 1997 بلغت نسبة الاستثمار في القطاعات غير النفطية 40% في المتوسط, لذلك ليس من الصعب أن ندرك لماذا تجاوزت القطاعات غير النفطية في أدائها قطاع النفط الخام, ولماذا تمثل هذه القطاعات الآن حوالي 70% من الناتج المحلي الاجمالي. مقارنات هل تشترك الدول الأخرى في هذه التجربة؟ وهل صحيح, كمبدأ عام ان الدول التي تلتزم بصورة أكبر بالاستثمار, تشهد نموا اقتصاديا أسرع؟ لقد قمنا باختيار عدد من الدول كعينة يمكن مقارنتها بالامارات بشكل أو بآخر, من ناحية عدد السكان على سبيل المثال أو حجم الاقتصاد أو درجة التصنيع, وتشمل العينة بلجيكا وهونج كونج وايرلندا وماليزيا وسلطنة عمان وسنغافورة, ويتراوح عدد سكان هذه الدول من 2.3 مليون الى 22 مليون نسمة, وناتجها المحلي الاجمالي من 16 مليار دولار أمريكي الى 200 مليار دولار أمريكي. خلال الفترة من عام 1955 حتى عام 1993 بلغ متوسط نسبة الاستثمار في بلجيكا وايرلندا وسلطنة عمان من 20 الى 22 % تقريبا, وفي الفترة نفسها بلغ متوسط نسبة الاستثمار في ماليزيا 29% وفي سنغافورة 38%, ليس من المفاجيء إذن ان يكون اقتصاد ماليزيا وسنغافورة من بين الأسرع نموا في العالم. البيئة التنظيمية اذا سلمنا الآن بأن الالتزام القوي والمتواصل بالاستثمار يعتبر أحد الأهداف الاقتصادية المرغوبة, فمن الجدير ان نسأل ما هي أفضل السبل التي تستطيع الامارات أن تحقق بها هذا الهدف, وما هي أدوات السياسة المتوفرة لهذه الغاية. بصفة عامة, يوجد لدى الحكومات مجموعة من السياسات المالية والنقدية والتنظيمية التي تستطيع من خلالها التأثير في النشاط الاقتصادي الخاص, تشمل السياسات المالية استخدام الضرائب والدعم والانفاق الحكومي المباشر, أما السياسات النقدية فتشمل تنظيم أسعار الفائدة والصرف, ولكن الامارات لا تفرض ضرائب على الشركات أو الأفراد إلا بقدر يسير للغاية, لذلك لا يمكنها استخدام النظام الضريبي لتشجيع الاستثمار مثلما تفعل الدول الأخرى, كما أن الامارات لا تستخدم ايضا أسعار الفائدة أو أسعار الصرف بصورة رئيسية كأدوات في سياساتها, وبذلك يكون الجهاز التنظيمي هو الآلية الرئيسية التي يمكن من خلالها تشجيع الاستثمار في دولة الامارات. وعلى الرغم من ان البيئة التنظيمية في الامارات تعتبر مواتية بصورة عامة بالنسبة لمؤسسات القطاع الخاص, الا انه ما زال هناك الكثير من القيود التي يتم تطبيقها على الاستثمار, فالاستثمار الأجنبي على وجه الخصوص يخضع لقوانين وقواعد للترخيص تحد من الملكية الأجنبية للاراضي والعقارات والشركات أو تحظرها, أو تفرض وجود شركاء أو وكلاء خدمات محليين, ويعتبر الاقبال الهائل على المناطق الحرة في الامارات, حيث لا تسري هذه القيود, شاهدا على رغبة المستثمرين في ممارسة حرية الملكية والادارة. وربما تشهد الأعوام المقبلة مزيدا من المنافسة الحادة بين دول الخليج ومراكز الأعمال الأخرى لاجتذاب الاستثمار, ومن المحتمل ان تقوم الدول الأخرى الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بإلغاء القوانين والأنظمة التمييزية لاجتذاب المستثمرين الأجانب, وربما كانت الامارات ايضا بحاجة الى تخفيف القيود المطبقة حاليا للحفاظ على معدل الاستثمار الخاص, لاسيما القادم من الخارج. الحاجة الى النمو ولنعد الى قضيتنا الأصلية: لاشك ان دولة الامارات بحاجة الى تحقيق نسبة أعلى من النمو الاقتصادي, وليس من قبيل الصدفة ان نسبة النمو للقطاعات غير النفطية هبطت خلال حقبة التسعينات في الوقت نفسه الذي هبطت فيه نسبة الاستثمار في الدولة, وهناك حاجة ملحة لايجاد المزيد من الوظائف للشباب من المواطنين (فأعداد الشباب الذين يدخلون سوق العمل سنويا تتراوح ما بين عشرة آلاف و15 ألف شاب مواطن) كما ان الدولة بحاجة الى تخصيص المزيد من مواردها للاستثمار, ويقتضي تحقيق ذلك إزالة الحواجز بكافة أشكالها في طريق الاستثمار, وكذلك الترحيب بالاستثمار الأجنبي ومعاملة المستثمر الأجنبي على قدم المساواة مع المستثمر المحلي, فكلاهما لديه الكثير الذي يمكن أن يقدمه لاقتصاد الامارات, ومع تجديد الالتزام بالاستثمار يمكن أن يعاود الاقتصاد مساره على طريق النمو الثابت والمتواصل.