كشفت دراسة لمجموعة اتش اس بي سي (البنك البريطاني) ان حكومات دول التعاون قد اتخذت الاجراءات الكفيلة بالحد من آثار التقلبات في أسعار النفط, وان القطاعات غير النفطية تطور استقلاليتها الذاتية مما يدعم المعدل العام للنمو الاقتصادي . وتوقعت الدراسة التي نشرت بالنشرة الفصلية للمجموعة مزيدا من الاستقرار في اقتصاد المنطقة خاصة ان القطاعات غير النفطية تحقق نموا. وذكرت الدراسة ان مجمل الانفاق الاستهلاكي لحكومات دول التعاون قد حافظ خلال العشرين سنة الماضية على اتجاهه التصاعدي الثابت نسبيا بالرغم من تقلب أسعار النفط وانتاجه, وان الاقتصاد قد اتخذ من الناحية العملية طريقا أكثر ثباتا مما تمليه ايرادات النفط وحدها. وفيما يلي نص الدراسة: أي ركود؟ منذ منتصف عام 1998 تقريباً شاع اعتقاد بأن دول مجلس التعاون الخليجي تتعرض لركود اقتصادي قاس وعميق, وتشمل العوامل التي ساهمت في هذا الاعتقاد الإضطراب المالي الذي ساد دول شرق آسيا وروسيا في الآونة الأخيرة, وربما أيضاً وبصورة أكثر وضوحاً, تدني أسعار النفط, ما مدى دقة هذا الإنطباع؟ يعرف الركود في الدول الصناعية على أنه هبوط معدل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لربعين سنويين متتاليين, ولكي نعرف ما إذا كان هناك ركود أم لا ما علينا إلا أن نرجع للإحصائيات الخاصة بالحسابات الوطنية, في دول مجلس التعاون الخليجي لا تعتبر البيانات الإقتصادية متوفرة بسهولة على هذا النحو, فدول المجلس عادة ما تستغرق ستة أشهر الى سنة على الأقل لإعداد الإحصائيات الخاصة بالناتج المحلي الإجمالي, وفي معظم الأحوال لا تكون البيانات متوفرة على أساس ربع سنوي, وفي العديد من الحالات لا يظهر الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (أي بعد استبعاد معدل التضخم), لذلك فإنه من الصعب, بدون وجود إحصائيات حديثة, تكوين رأي عما إذا كان هناك ركود أم لا. وهناك لحسن الحظ عدد من المؤشرات الإقتصادية الحديثة المتوفرة التي يمكن أن تعطينا فكرة معقولة عن كيفية أداء الإقتصاد في الوقت الراهن, ففيما يتعلق بقطاع النفط, نستطيع عادة أن نحصل على الأرقام الحالية للأسعار والإنتاج, وتقدم لنا إحصائيات الجمارك صورة عن الإتجاهات في التجارة الخارجية, وإلى حد ما عن تجارة التجزئة والقطاع المصرفي وغير ذلك من الصناعات ذات الصلة, وتوفر الإحصائيات الخاصة بتصاريخ المباني مؤشراً لنشاط الإنشاءات والعقارات, كذلك تقدم لنا بيانات حركة السفر والشحن الجوي مؤشرات للتجارة والنقل وكذلك دليلاً على المعدل العام للنشاط الإقتصادي. ماذا تقول الأرقام؟ ماذا تقول لنا البيانات المتوفرة؟ أولاً, لا شك أن أسعار النفط قد تركت آثارها العميقة على إقتصاديات دول مجلس التعاون الخليجي, بالنسبة لعام 1998 بصفة عامة, بلغ متوسط السعر العالمي للنفط الخام, حسب تعريف صندوق النقد الدولي 07.13 دولاراً أمريكياً للبرميل, وإذا قارنا هذا السعر بمتوسط السعر لعام 1997 البالغ 27.19 دولاراً أمريكياً للبرميل, فإن ذلك يمثل هبوطاً بنسبة 32 في المائة على أساس سنوي, وهو أكبر معدل هبوط في سنة واحدة منذ عام ,1986 وقد استمر الهبوط طوال العام, وانخفض السعر الإرشادي لنفط دبي وبرنت الى أقل من 10 دولارات أمريكية للبرميل في مطلع ديسمبر, وفي نفس الوقت لم يكن هناك عملياً أي زيادة في انتاج النفط في دول مجلس التعاون الخليجي, فقد بلغ معدل الإنتاج خلال العام حوالي 3.14 مليون برميل في اليوم, وهو نفس معدل عام 1997. ولو ألقينا نظرة على قيمة الإنتاج النفطي في دول مجلس التعاون الخليجي لأمكننا الوصول الى حسابات تقريبية للآثار الاقتصادية على تلك الدول, فإذا ضربنا معدل الإنتاج في متوسط السعر العالمي لحصلنا على مؤشر لهذه القيمة, فبين عامي 1997 و1998 هبطت قيمة انتاج دول مجلس التعاون الخليجي من النفط من 100 مليار دولار أمريكي الى 68 مليار دولار أمريكي. بيانات صناعة النفط اذن لا تترك لنا مجالا للشك ان الناتج المحلي الاجمالي للمنطقة في عام 1998 قد هبط بحوالي 20 إلى 25 مليار دولار أمريكي. دعونا الآن نرجع إلى القطاعات غير النفطية من اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي (التجارة والصناعة والخدمات وخلافه) هذه القطاعات مجتمعة تمثل حوالي 65 في المائة من الناتج المحلي الاجمالي للمنطقة (150 مليار دولار أمريكي تقريبا من مجموع الناتج المحلي الاجمالي الذي يبلغ حوالي 240 مليار دولار أمريكي. ولا شك ان القطاعات الاقتصادية الأخرى تعتمد أيضا على النفط: بصورة مباشرة (مثل الحكومة) وبصورة غير مباشرة بدرجة أكبر أو أقل (مثل بعض عناصر التجارة والانشاءات). ومن خلال التحليل الاحصائي يمكننا ان نقدر بالتقريب إلى أي حد يؤثر القطاع النفطي على بقية القطاعات, كقاعدة عامة يبدو ان هذا التأثير يشكل نسبة تقدر بحوالي 4 إلى 1 بمعنى ان التغيير في الناتج المحلي الاجمالي النفطي بمبلغ 4 مليارات دولار أمريكي يحدث تغييرا في الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي بمبلغ مليار دولار أمريكي, ولكن القطاعات غير النفطية درجت دائما على ان يكون لها اتجاه ثابت من النمو الذاتي يفوق تأثير النفط, لذلك من المحتمل ان يكون نمو هذه القطاعات قد عوض إلى حد ما التراجع الذي شهده قطاع النفط. التجارة وربما كانت التجارة هي أهم قطاع اقتصادي في المنطقة بعد النفط, وهو الأكثر استقلالية بين القطاعات, بالنسبة لعام 1998 ولا تتوفر لدينا حتى الآن بيانات عن المملكة العربية السعودية, أكبر مصدر ومستورد في المنطقة, أما في الامارات, ثاني أكبر دولة تجارية, فإن بيانات الجمارك متوفرة فقط عن الربع الثاني من عام 1998, ولو ان هناك ما يشير إلى ان التجارة الخارجية وتجارة التجزئة شهدت تراجعا بصفة عامة خلال النصف الثاني من العام. وتعطينا البيانات الصادرة من المطارات الرئيسية في الدولة صورة اكثر اشراقا إلى حد ما, وغالبا ما تكون حركة السفر مؤشرا جيدا للنشاط التجاري, ففي مطار دبي الدولي, أحد أكثر المطارات حركة في المنطقة, ارتفع عدد القادمين بنسبة 8 في المائة في عام 1998 ليصل إلى 4.4 ملايين مسافر, وقام مطارا دبي والشارقة مجتمعين بمناولة 907000 طن من الشحن الجوي خلال عام 1998 بزيادة قدرها 10 في المائة عن العام السابق. ومن الصناعة الفندقية, لدينا أيضا مؤشرات عن نمو متواصل في النشاط التجاري, ففي دبي وصل عدد النزلاء في الفنادق والشقق المفروشة إلى 2.5 مليون شخص تقريبا في عام 1998, بزيادة قدرها 17 في المائة عن عام 1997. وفي قطاع الانشاءات قام المستثمرون في دبي بتشييد 158 ألف بناية جديدة في عام 1998, بزيادة قدرها 27 في المائة عن عام 1997. من هنا ندرك انه ليست كل المؤشرات سيئة, فرغم انه لا مجال للجدال في ان قطاع النفط شهد تراجعا كبيرا, إلا ان القطاعات الأخرى من اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي يبدو انها تجاوزت هذه الأزمة بل وتحقق نموا ايضا. التعامل مع الركود كيف تتعامل حكومات دول مجلس التعاون الخليجي مع امكانية حدوث تباطؤ اقتصادي؟ في الدول الصناعية تعتبر السياسات المالية والنقدية وأسعار الصرف هي الأدوات التقليدية للتعامل مع الركود في دول مجلس التعاون الخليجي, معظم أسعار الصرف مرتبطة بالدولار الأمريكي, كما لا يبدو ان هناك استخداما واضحا لأسعار الفائدة لضبط النمو الاقتصادي أو التأثير فيه, ولكن خلال السنوات العشرين الماضية قامت معظم حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بصورة غير مباشرة باستخدام السياسة المالية للحد من التقلبات الاقتصادية كالاقتراض على سبيل المثال لسد النقص في ايراداتها. وتبين احصائيات صندوق النقد الدولي على سبيل المثال ان مجمل الانفاق الاستهلاكي لحكومات دول مجلس التعاون الخليجي قد حافظ خلال الأعوام العشرين الماضية على اتجاهه التصاعدي الثابت نسبيا بالرغم من تقلب أسعار النفط وانتاجه. ويمكن ان نلاحظ انه لا الارتفاع في ايرادات النفط خلال الأعوام 1980 ــ 1982 ولا هبوطها خلال الأعوام 1986 ـ 1988 قد انعكس في الانفاق الحكومي, (كان الارتفاع غير العادي في عام 1991 نتيجة انفاق الكويت على حرب الخليج), وبذلك فان اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي قد اتخذ من الناحية العملية طريقا أكثر ثباتا مما تمليه ايرادات النفط وحدها. لذلك, فاننا لو أخذنا في الحسبان بصفة عامة تأثير السياسات المالية الحكومية ومدى استقلالية القطاعات غيرالنفطية سنجد ان تأثير التقلبات في قطاع النفط ليس هو العامل المهيمن, وعندما تظهر بيانات عام 1998, ربما نجد ان أداء اقتصاد دول مجلس التعاون الخليجي قد سار بصورة أفضل مما كنا نتوقع. يجب ان نتذكر ايضا ان أسعار النفط يمكن ان تكون شديدة التقلب من يوم لآخر وحتى من شهر لآخر, ولكن المعدلات السنوية تتحرك داخل أطر اضيق, وحالة عام 1986 مثال على ذلك , عندما هبطت أسعار النفط إلى أدنى من 10 دولارات أمريكية للبرميل, خلال ذلك العام تراوح المعدل الشهري لسعر النفط الخام موربان أبوظبي ما بين 24.96 و 8.45 دولارات أمريكيا للبرميل, ولكن السعر هبط دون 10 دولارات أمريكية لشهر واحد فقط, وانتهى المعدل بالنسبة للسنة عند 13.91 دولارا أمريكيا. وفي عام 1986 هبط مجمل الناتج المحلي الاجمالي لدول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 17% ولكن في العام التالي عاد اقتصاد المنطقة الى مساره الطبيعي بمعدل نمو قدره 6%. نظرة مستقبلية نحن بحاجة في ختام هذا المقال, الى ان ننظر الى الوضع الاقتصادي الراهن في سياق التجربة السابقة, فقد شهد العام الماضي بالتأكيد هبوطا حادا في ايرادات المنطقة من النفط, ولكن البيانات التي تصدر الآن تشير الى ان الضباب الكثيف ربما يكون قد ولى واصبح ضربا من الماضي فقد كانت اسعار النفط ضعيفة قبل ذلك, ولكنها تقليديا تميل للاتجاه نحو الاستقرار اكثر مما قد نتصور, اضافة الى ذلك, فإن الحكومات قد اتخذت كالمعتاد الاجراءات الكفيلة بالحد من آثار التقلبات, واستطاعت القطاعات غير النفطية تطوير استقلاليتها الذاتية مما يدعم المعدل العام للنمو الاقتصادي, وربما كان باستطاعتنا ان نتوقع مزيدا من الاستقرار في اقتصاد المنطقة وليس العكس.