تبذل الدول العربية جهودا حثيثة ومستمرة من اجل اصلاح هياكلها الاقتصادية حيث تبرز سياسات تشجيع الاستثمار الخاص والأجنبي كأحد ابرز ملامح استراتيجية الاصلاح هذه . ومع ذلك فإن ما حققته الدول العربية في مجال جذب الاستثمارات الاجنبية لا يزال ضئيلا بكل المقاييس. فقد بلغت قيمة تدفقات الاستثمار الاجنبي الى الدول العربية خلال العام 1997 حوالي 1.87 مليار دولار تشكل ما نسبته نحو 0.8% من اجمالي الاستثمارات الدولية الخاصة. والملفت ليس الحجم المتواضع لحصة المنطقة وحسب, بل انخفاضها الكبير مقارنة بما كانت عليه خلال حقبة الثمانينات. اذ بلغ متوسطها السنوي خلال الفترة 1983 ــ 1988 حولي 3.1 مليارات دولار كانت تشكل في حينه نحو 3.4% من الاجمالي. ولما كان الانخفاض في قيمة التدفقات قد تركز خلال العام 1991 وما بعده, فلا يكفي القول ان هذا الانخفاض كان مجرد انعكاس لانخفاض الاستثمارات الدولية, والتي هبطت من حوالي 211 مليار دولار عام 1990 الى اقل من 158 مليار دولار عام 1991. لأن الاستثمارات الدولية عادت للارتفاع الى حوالي 225 مليار دولار عام 1997 بنسبة زيادة قدرها نحو 6.6% مقارنة بعام الذروة 1990. في حين انخفضت الاستثمارات في الدول العربية بنسبة 47.3% في الفترة نفسها. وطال الانخفاض مختلف التجمعات الاقليمية والعربية خلال الفترة 1990 ــ 1997 باستثناء مجموعة دول المغرب العربي, وعلى سبيل المثال فقد هبطت قيمة الاستثمارات الواردة الى مجموعة دول مجلس التعاون الخليجي من حوالي ملياري دولار عام 1990 الى حوالي 384 مليون دولار عام 1997 أي بنسبة تراجع قدرها نحو 81%. ان احد الاسباب الرئيسية وراء تدفق الاستثمار الاجنبي الى دول المنطقة والدول العربية عموما هو ضآلة حجم وضعف دور اسواق رأس المال في هذه الدول. ان هذه الاسواق ظلت حتى فترة وجيزة ــ وبعضها لا يزال ــ مغلقة امام الاستثمار الاجنبي وحتى العربي. كما ان العديد من الدول العربية خاصة النفطية ــ تعتبر حتى الآن وخاصة فيما يخص اموال القطاع الخاص ــ دولا مصدرة لرؤوس الاموال وليس مستوردة لها. وقد تفاقمت هذه الظاهرة كنتيجة حتمية لفتح الابواب امام رؤوس الاموال المحلية للاستثمار في الخارج في حين انها توصد أو تكاد الابواب امام رؤوس الاموال الاجنبية للاستثمار في الداخل. ان خلق بيئة محفزة للاستثمار في اسواق رأس المال العربية يرتبط بصورة مباشرة بتقوية الوضع التنموي الداخلي لهذه الأسواق, وهذا بدوره يدفعنا للتأكيد على ضرورة توفر اشتراطات محددة وخاصة فيما يتعلق بربط اهداف وسياسات اسواق رأس المال مع اهداف وسياسات برامج التنمية الاقتصادية في الدول العربية. ان هذا الربط يكسب هذه الاسواق مصداقية وأهمية أكبر, ويعزز ثقة المستثمرين المحليين والاجانب بأن الاستثمار في هذه الاسواق يحظى بعناية ورعاية ودعم اجهزة التنمية في هذه الدول. فلم يعد مبررا ان نشيد المكاتب الضخمة ونجلب احدث المعدات التكنولوجية ونوظف عشرات المتخصصين لتشغيل اسواق رأس المال دون ان نعرف بالضبط ماذا نريد من هذه الاسواق. ولقد قامت بعض الدول العربية والكثير من الدول الاجنبية وخاصة في دول شرق آسيا بانشاء اجهزة تربط بين انشطة اسواق رأس المال وبرامج الاصلاح الاقتصادي, والمطلوب تقوية هذه الاجهزة وتعميم فكرتها. اما بالنسبة لفتح اسواق رأس المال امام الاستثمارات الاجنبية فنحن يجب ألا ننسى اننا ملزمون بالتعامل مع هذا الموضوع سواء آجلا ام عاجلا وذلك بموجب تنامي الاتجاه العالمي لما يسمى بالعولمة وانفتاح الاسواق والالتزام ببنود اتفاقية منظمة التجارة الدولية. لذلك من الاجدى ان نعمل منذ الآن على وضع برامج وسياسات تؤمن تشجيع وجذب الاستثمارات الاجنبية من خلال قنوات وفي انشطة ومشروعات نختارها نحن وفق أولويات التنمية لدينا, وتضمن استفادة اكبر من هذه الاستثمارات بدلا ان نحصرها في الاستثمار في اسواق الاوراق المالية فقط لأن ذلك يؤدي الى احداث مزيد من المضاربات وعدم الاستقرار في هذه الاسواق.