اتجاهات: عقود نقل التكنولوجيا:بقلم-حسين محمد

تبرز المتغيرات والتطورات الاقتصادية العالمية بما في ذلك اتفاقية الجات الأهمية المتعاظمة لدور القدرات التقنية والتكنولوجية ــ وليس الموارد الأولية ــ في تقرير حجم المقدرة التنافسية للدول النامية . ان هذا يجرنا بدوره للحديث عن أهمية امتلاك القدرات التقنية والتكنولوجية والاسلوب الذي يتم التعامل به مع موضوع نقل التكنولوجيا بما في ذلك عقود التكنولوجيا. بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي, فإن تنمية المجتمع وتحقيق استقلاله بتطلبان من هذه الدول ألا تعمل فقط على نقل واستخدام المنتجات التكنولوجية, بل ينبغي توفير الاجواء المناسبة لتجذير التكنولوجيا وابتكارها محليا, مع استثمار الموارد والامكانات المحلية لتحقيق ذلك, وحتى يمكن لهذه الدول الاضطلاع بذلك ينبغي عليها ان تعمل جاهدة للحصول على التكنولوجيا والمهارات الفنية والادارية المناسبة التي تسهم مساهمة فعالة في بناء وتنمية قدرات تكنولوجية وطنية, اضافة الى ايجاد هيكلية مؤسسية متسقة تمكن القدرات التكنولوجية الوطنية العمل من خلالها على تطويع وأقلمة التكنولوجيا المستوردة لتحقيق التنمية المنشودة. لقد أدرك العديد من الدول الخليجية ــ شأنها في ذلك شأن الدول النامية ــ الأخرى أهمية عقود التكنولوجيا والشروط والاحكام التي ترد فيها, ودور هذه العقود في نقل وحيازة التكنولوجيا الاجنبية. وغدا الأمر يقينا عندها بأن هذه العقود هي البوابة التي تمر عبرها التكنولوجيا الى الاطراف المحلية. فمن هذا المنطلق بدأت تلك الدول بتقنين عملية حيازة التكنولوجيا الاجنبية, وتركزت الجهود على موضوع اختيار التكنولوجيا والشروط والاحكام التي من خلالها يتم الحصول على التكنولوجيا, ولذلك تم تأسيس العديد من المؤسسات الوطنية الخاصة بمراقبة ممارسات نقل التكنولوجيا, وأصدرت تباعا التشريعات الوطنية التي تنظم النقل التجاري للتكنولوجيا. ويمكن الحكم على دور وفعالية عقود التكنولوجيا المبرمة من قبل دول المجلس فيما يمكن ان تسهم به في مجال تجذير وتوطين التكنولوجيا محليا. وهنا لابد من العودة لهذه العقود وقراءة بنودها واحكامها للتعرف على مدى فعاليتها. وفي دراسة للدكتور فؤاد الرميحي حول (عقود التكنولوجيا بدولة البحرين) يلاحظ ان غالبية العقود المبرمة في قطاع النفط ــ وهي الصناعة الرئيسية بدول المجلس والتي من خلالها يمكن تعظيم الفوائد التي تجنى من نقل التكنولوجيا ــ وهي عقود تراخيص (براءات اختراع) نظرا لما يتميز به هذا القطاع من اهتمام بعمليات تكرير النفط. ان الممارسات في هذا القطاع من خلال تراخيص الملكية الصناعية أهملت ــ وفي كثير من الاحيان ــ التركيز على بناء القدرة التكنولوجية والهندسية الذاتية. كما تلاحظ هذه الدراسة غياب نص في التراخيص يقضي بوجوب توفير تدريب ملائم للموظفين المحليين لكي يتمكنوا من استيعاب التكنولوجيا محل العقد, والتحكم فيها, وتوطينها. وهذا يقودنا الى القول بأن ابتياع التجهيزات الانتاجية والحصول على براءات الاختراع عمل منطقي فقط عندما يطور المجتمع حدا أدنى من الكفاءة التكنولوجية والهندسية للسيطرة على النواحي التكنولوجية في الانتاج, وللقيام بتطوير ذاتي للأساليب التكنولوجية المستوردة من الخارج. كما تلاحظ الدراسة ايضا انه غالبا ما يتم الحصول على تراخيص الملكية الصناعية من مصدر واحد, هذه الممارسات تحصرنا في حيز ضيق وتضيّع علينا فرصة الاحتكاك بخبرات أكثر وأوسع, وتجعلنا في موقع تفاوضي ضعيف مع العلم بأن العديد من فروع تكنولوجيا النفط غدت تملكها العديد من الشركات النفطية في الدول النامية وبأسعار تنافسية. هذا الوضع يتناسق مع بعض النظريات التي ترسخ فكرة بأن التكنولوجيا حكر على بعض الشركات المتعددة الجنسية, وانه لابد من التعامل مع هذه الشركات للحصول على التكنولوجيا, خاصة انه لا يوجد مصدر آخر للحصول عليها حسب هذه النظريات. ويجدر القول هنا ان هناك عديدا من الشركات المتوسطة الحجم في البلدان الصناعية تملك تكنولوجيا لا تقل جودة عن تكنولوجيا الشركات العملاقة. وتلك الشركات على استعداد لتأمين معظم المعلومات المهنية, وعلى استعداد لتكييف المنتجات التكنولوجية بحيث تلائم مستوى المهارات الفنية والمحلية.

طباعة Email