الآن وبعد ان استعرضنا قرارات لجنة بازل وكيفية تعامل الجهات المعنية بدول الخليج معها, لنستعرض ماهي التحديات التي تخلقها هذه القرارات أمام البنوك الخليجية . ويمكن القول بداية ان دول المجلس لم تلق صعوبات حقيقية في جعل البنوك تلتزم بالمعايير المذكورة, أولا للاستعدادات المسبقة لدى البنوك للالتزام بهذه المعايير, وثانيا لوجود فترة زمنية كافية للتكيف مع القرارات الصادرة لهذا الشأن, إلا اننا نستدرك فنقول ان المتغيرات الاقتصادية العميقة التي تمر بها دول مجلس التعاون, سوف تفرض على البنوك العاملة فيها, وخلال المرحلة المقبلة التعامل بحذر أكبر مع هذه المعايير. فعلى سبيل المثال يبرز أولا اتجاه متزايد لدى البنوك الخليجية لتنويع مصادر تمويلها, وخاصة من خلال أسواق المال العالمية, وذلك بعد تراجع معدلات نمو ودائع العملاء الخليجيين, هذا في الوقت الذي تتوجه فيه هذه البنوك لتقديم تمويلات أكبر للاقتصاد الوطني, سواء من خلال الاقراض الحكومي, أو المساهمة في مشاريع تنموية رئيسية, ان هذه التوجهات تعني بصورة مباشرة تقليل نسبة حقوق المساهمين إلى مجموع المطلوبات, كما تعني زيادة الموجودات ذات المخاطرة. وثانيا, فان ازدياد المنافسة بين البنوك في الأسواق المحلية, مع تراجع معدلات نمو فرص الأعمال المتوفرة يعني ضرورة ان تتجه البنوك لتنويع مصادر دخلها, وخصوصا من خلال المصادر غير المعتمدة على الفوائد, وبالنسبة للعديد من البنوك فان هذا التوجه قد استلزم التوسع بصورة كبيرة في الالتزامات خارج الميزانية, سواء الالتزامات الائتمانية أو الاستثمار في مشتقات المنتجات الاستثمارية, كالخيارات والعقود الآجلة, وغيرها من الالتزامات التي أدت إلى زيادة حجم الموجودات, ذات المخاطرة مقارنة بحجم رأس المال المتوفر. وثالثا: فان التقلبات الشديدة في أسواق المال العالمية, سواء في أسعار العملات أو الفوائد, مع ازدياد اتجاه البنوك المحلية لفتح مراكزها الخارجية, سواء في جانب الاقتراض, أو الاقراض قد استلزم ان يلجأ العديد منها أيضا إلى اجراء عقود ضخمة متعلقة بأسعار الفائدة , وأسعار الصرف, وذلك لحماية مراكزها تجاه هذين العنصرين, مما ساهم في تضخم الالتزامات خارج الميزانية بصورة ملحوظة خلال الأعوام الماضية. ان هذه الأمثلة التي سقناها هي نماذج لضغوط قد تتزايد خلال الفترة المقبلة, مما يجعل مسألة الالتزام بمعايير كفاية رأس المال كتحد جاد أمامها. لقد سبق ان قامت السلطات النقدية بدول المجلس بطرح ملاحظاتها على هذه المعايير, إلا ان المطلوب حاليا, ان تأخذ هذه الملاحظات شكل مطالبات محددة, من أجل ان تلقى البنوك في المنطقة معاملة أكثر عدلا ومساواة فيما يخص التزامها بتلك المعايير. وفيما يتعلق بالأسس التي اتبعتها لجنة بازل في تقسيم دول العالم, من حيث المخاطر, يلاحظ انها لا تنطبق على جميع الدول, وان هناك العديد من الدول ذات أداء اقتصادي أفضل بكثير من مستواه في الدول الصناعية, ومع ذلك صنفت على أساس أنها ذات مخاطرة مرتفعة, كما ان هذه الأسس قد ساوت بين دول المجموعة الواحدة, رغم انها تشمل دولا على طرفي نقيض من حيث المخاطر. كذلك لم تميز تلك الأسس بين مخاطر الدولة ومخاطر بنوكها, إذ كثيرا ما يلاحظ ان بنوكا في دول ذات المخاطر المرتفعة أفضل أداء من بنوك في دول ذات المخاطر المنخفضة, كما ان تقسيم البنوك على أساس تواجدها الجغرافي وجنسيتها داخل وخارج OECD قد تجاهل تماما مستويات الأداء وسلامة الأوضاع المالية لكل بنك على حدة, كذلك فان تلك الأسس لم تعط أية امتيازات اضافية للبنوك التي تتجاوز نسبة كفاية رأس المال النسبة المطلوبة وبالتالي فان مخاطرة الدولة التي تقع فيها سوف تبقى دون تغير على الرغم من تحسن أوضاع هذه البنوك. وبالمحصلة فان عدم مراعاة الأسس التي وضعت بها تلك المعايير للمعطيات السابق ذكرها, يعني ارتفاع كلفة حصول بنوك الدول ذات المخاطرة المرتفعة على الأموال مقارنة ببنوك الدول ذات المخاطرة المنخفضة, كما يعني زيادة الفجوة القائمة في البنية الاقتصادية بين دول المجموعتين.