ظهرت في السنوات الاخيرة في دول الخليج العربية, وبصورة متفاوتة من دولة الى اخرى, ظاهرة اجتماعية جديدة اطلق عليها ظاهرة العنوسة , والحقيقة ان هذه الظاهرة الاجتماعية وان كان البعض يطلق عليها مفهوم المشكلة نتيجة لما يترتب عليها الا انها في حقيقة الامر والواقع هي بحد ذاتها ليست جذور المشكلة وانما هي ظاهرة وافراز طبيعي لما تتعرض له هذه المجتمعات من مشاكل وظواهر اقتصادية واجتماعية وتربوية ونفسية واخلاقية وغيرها, اي بمعنى آخر ان ظاهرة العنوسة هي نتيجة طبيعية ذات ابعاد اقتصادية واجتماعية بالدرجة الاولى ثم تأتي الابعاد الاخرى ومنها البعد التربوي والنفسي والاخلاقي, ومع ان ظاهرة العنوسة هي نتيجة كما ذكرنا الا انها اصبحت مشكلة حقيقية للأفراد والاسر والمجتمعات وذلك لانها نتيجة وافراز سلبي للغاية ويترتب عليها هي الاخرى مشاكل ونتائج سلبية للغاية, اي ان المشاكل الاقتصادية والاجتماعية تسبب وتفرز نتائج وظواهر ونتائج سلبية ثم ان تلك النتائج السلبية تكون اسبابا لمشاكل جديدة في سلسلة لا متناهية من الاسباب والنتائج, مثلها في ذلك مثل المضاعفات التي تحدتها بعض الامراض العضوية مثل مرض الايدز وامراض نقص المناعة بشكل عام ومرض السكري وغيرها, وبالتالي فالحلول الجذرية واستئصال المرض تكمن في البحث عن جذور المشكلة واسبابها الرئيسية ثم بعد ذلك نتائجها وافرازاتها الفرعية, فهيأ بنا نقف على تلك الابعاد والاسباب التي تقف وراء الظاهرة: 1) ان السبب الرئيس وراء تلك الظاهرة السلبية هو سبب ذو ابعاد اقتصادية واجتماعية ونفسية معا. ويسمى هذا السبب في المفهوم الاقتصادي (التقليد والمحاكاة) ولقد ذكر العلامة العربي بن خلدون ذلك, حيث يرى ان الادنى دائما وابدا يقلد الاعلى اعتقادا منه ان ما يفعله الاعلى دائما صوابا وسوف يرفع من شأنه وقدره فيما لو قام بعمل ذلك, فالابن مثلا يقلد والده متخذا منه قدوته الحسنة ومثله الاعلى, والبنت تقلد امها متخذة منها قدوتها الحسنة ومثلها الاعلى, ومنه نستنتج ان الطبقات الفقيرة والبسيطة في المجتمع تقلد الطبقات الغنية ذات المكانة الاجتماعية العالية, وكذلك الافراد في القرى والارياف يقلدون الافراد في المدن. والافراد في الدول المتخلفة والدول الفقيرة يقلدون الافراد في الدول المتقدمة والدول الغنية. والحقيقة ان ظاهرة التقليد والمحاكاة ليست ايجابية او مفيدة على الدوام, وكذلك ليست سلبية او ضارة بصفة دائمة, ان ظاهرة التقليد والمحاكاة قد تكون ظاهرة صحية وايجابية وذات فوائد قيمة على الافراد المقلدين اذا قام الفرد بتقليد السلوكيات الايجابية الحسنة لدى الاخرين والاستفادة منها وتطويرها, وتكون ظاهرة التقليد ظاهرة سلبية وضارة اذا قام الفرد بتقليد السلوكيات السلبية الخاطئة لدى الآخرين دونما تفكير وتمحيص لذلك السلوك. والحقيقة ان من ضمن التقليد والمحاكاة في هذا الجانب هو موضوع التباهى والافراط في بناء القصور والمساكن والفلل الفاخرة, والافراط في الانفاق على حفلات الزواج, والافراط في الانفاق على السفر والسياحة, والافراط في كافة وجوه الانفاق الترفيهي بشكل عام, والذي يكون جذورا اقتصادية للمشكلة.