بدأت تباشير فجرجديد تلوح وراء الافق المظلم في شرقي آسيا, حيث يتوقع المراقبون ان يبدأ اجمالي الناتج المحلي في كوريا الجنوبية بالنهوض من كبوته , ويحقق نموا ملحوظا, خلال العام الحالي. كما ان هناك توقعات لا تقل تفاؤلا بالنسبة لتايلاند ولمثل هذه التوقعات ما يبررها خاصة وان اسعار الاسهم والسندات التي شهدت انخفاضا حادا بدأت باستعادة عافيتها, وحققت ارتفاعا نسبيا يفوق ما حققته الاسهم والسندات في الدول الغربية منذ بداية هذا العام. اضف الى ذلك ان المضاربين الغربيين بدأوا يعيدون النظر ويصححون انطباعاتهم المسبقة حول الاسهم الآسيوية, التي اتسمت الى حد كبير بالتقليل من اهميتها, ولذلك يلاحظ تدفق اموال المستثمرين الاجانب على سوق الاسهم اليابانية, كما ان المستثمرين الآسيويين الذين حولوا اموالهم للغرب بحثا عن ارباح وعوائد اعلى, بدأوا باعادة بعض رؤوس الاموال والاستثمارات الاجنبية الى الاسواق الآسيوية. ولكن طائر سنونو واحدا لا يعني قدوم الربيع, فالانتعاشات الاخيرة التي شهدتها تلك الاسواق قد تكون زائفة او مؤقتة وهو ما يطلق عليه عادة في دوائر رجال المال والاعمال (مصيدة الدب) . والنتيجة النهائية ستعتمد على مدى نجاح رئيس الوزراء الياباني ووزير ماليته في الانتقال من مرحلة الكلام المعسول الى الوفاء بما قطعاه على نفسيهما من وعود والتخلص ليس من المصارف التي تفتقر الى الملاءة وحسب ولكن منح المستهلكين والشركات قوة شرائية على مستوى الاقتصادات الكلية لدفع الدورة الاقتصادية وضخ دماء جديدة في الاسواق المحلية. الجدير بالذكر ان العديد من مصارف تايلاند لاتزال (تتنفس تحت الماء) كما ان الاصلاحات التي طال انتظارها في كوريا لاتزال في بداية الطريق. ولكن, على الرغم من كل هذه التحفظات, يمكن القول ان مؤرخي الاقتصاد سينظرون الى ربيع 1999 على انه نقطة التحول والعلامة المميزة التي انطلقت منها آسيا, بعيدا عن الركود الطويل في التسعينات. واسمح لنفسي, ولو لمرة واحدة بأن ابتعد قليلا عن حرصي المعتاد على النظر الى الامور نظرة (واقعية) , واطرح وجهه نظر متفائلة تقيم الانباء الجيدة والسيئة. يعد الاول من ابريل تاريخا اقتصاديا مهما, فهو بالنسبة للعديد من الامم يعتبر بمثابة نهاية السنة المالية القديمة وبداية مشرقة لعام جديد, فالمصارف وشركات التأمين والمؤسسات مؤهلة الى حد ما للخروج بميزانية مرضية, وما انا بصدد وصفه في غاية الاهمية في جميع دول العالم, فالمصارف الامريكية وصناديق الاستثمار عادة ما تعد العدة لشراء الاسهم المطروحة قبل يوم واحد من اعلان الميزانية العامة, على امل ان ينجحوا باقناع المستثمرين الجدد بانهم عملاء جديرون بالثقة ويوفرون اعلى قدر ممكن من ضمان المحافظ الاستثمارية التي يديرونها. ويكتسب تاريخ الاول من ابريل اهمية خاصة في اليابان, لان جهودا مضنية تبذل للحدمن خطورة الممارسات التقليدية, التي تسمح للشركات بامتلاك اسهم شركات اخرى, ولكن هذه الجهود لم تحقق حتى الآن سوى نجاح ضئيل, ونتيجة لذلك, فانه من المهم جدا الابقاء على اسعار الاسهم والسندات اليابانية مرتفعة بقدر الامكان في الوقت الراهن, وبغض النظر عن الاسباب الكامنة وراء هذا التوجه, فان الخبراء يجمعون على ان دخول الاسواق الآسيوية شهر ابريل بقوة واندفاع يعتبر اشارة مشجعة تبعث على التفاؤل, صحيح ان العامل النفسي لا يمثل كل شيء في الاقتصاد, ولكنه في الوقت نفسه يحظى بأهمية خاصة ليس في ارتفاع قيمة الاسهم والسندات وحسب ولكن في تدهورها ايضا, فالرئيس الامريكي فرانكلين روزفلت لم يكن لينجح بانقاذ الرأسمالية الامريكية عام 1933, لو لم يلق الدعم من وول ستريت, الذي قلل من اهمية العجز الكبير في الميزانية, واوجد فرص عمل جديدة, وحرك عملية الانتاج ورفع نسبة العوائد, وقد حدث سيناريو مشابه في المانيا, عندما قام هتلر باعادة تسليح الامة استعدادا للحرب العالمية الثانية. ولكن ما هي الاشارات والدلائل التي لابد للمتفائلين البحث عنها ليؤكدوا آمالهم بأن كوريا وتايلاند وبقية الدول الآسيوية بدأت فعلا تتقدم باتجاه مرحلة جديدة من الازدهار الاقتصادي؟ قد تكون احدى هذه الاشارات (تقوية) عملات الاسواق الناشئة (كالون والين على سبيل المثال لا الحصر), ادرك تماما ان فائض الصادرات الآسيوية سيتأثر سلبا عند ارتفاع معدلات صرف هذه العملات مقابل الدولار, ولكن من شأن هذا ايضا ان يساعد ويشجع على عودة الاستثمارات الاجنبية الى آسيا. اما الاشارة الثانية فقد تكون ارتفاعا في معدلات الفائدة على السندات طويلة الاجل, لانه سيكون من السذاجة, بل ومن الجهل, بمكان ان يرحب حكام المصارف المركزية بمثل هذا الارتفاع, ويفسروه على انه تطور ايجابي بحد ذاته على النقيض من ذلك, فان المصارف المركزية يجب ان تبادر الى شراء هذه السندات الضعيفة لدعم اسعارها والابقاء على معدلات فائدة منخفضة وذلك لتشجيع الاقتراض في القطاع الخاص, ان اي اجراء آخر قد يعود باليابان على سبيل المثال الى (مصيدة السيولة) ولكن (بعد) مرور سنتين, و(بعد) ان تحقق آسيا معدل نمو سنوي لا يقل عن 4%, فان الوقت قد يكون مناسبا لتبدأ المصارف المركزية بفرض قيود جديدة تبقي الامور تحت المراقبة الدقيقة ولتحقيق اعلى نسبة ممكنة من الشفافية. اما الاشارة الثالثة التي قد تبعث على الأمل, فستكون استمرار التقدم بقوة وثبات في كوريا الجنوبية وتايلاند, وتحت اشراف وتوجيه صندوق النقد الدولي, بدأت هاتان الدولتان ادخال اصلاحات على برامج التنظيم والانقاذ, وبعد ان تعالت اصوات الاحتجاج والشجب, اصبح العديد من خبراء الاقتصاد في البلدين يشعرون بالامتنان لان صندوق النقد الدولي مارس ضغوطا قوية للبدء في عملية الاصلاح التي كان لابد لها وان تبدأ منذ فترة طويلة جدا. حتى انني سمعت احد الخبراء السويسريين يقول: (من المؤسف حقا) ان اليابان لم تضطر الى الاعتماد على صندوق النقد الدولي للخروج من الازمة الاقتصادية الطاحنة, لانه كان من شأن ذلك تشجيعها على تسريع عملية الاصلاحات والتي تعرف يقينا انها ستكون لمصلحتها على المدى البعيد. اسمحوا لي ان اضيف درسا جديدا تعلمناه جميعا من العودة الناجحة للاقتصاد في كل من المكسيك وتايلاند وكوريا. ان المعاناة التي تمتد عادة لفترات زمنية محدودة غالبا ما تكون ثمنا لابد من دفعه قبل تحقيق النجاح الذي يمتد لفترات طويلة, لقد تقبل الشعبان التايلاندي والكوري حتمية تقديم التضحيات والتحلي بالصبر. ولكن اندونيسيا وماليزيا فلا تزالان تقاومان التغيير وذلك باللجوء الى فرض مزيد من القيود على حركة رؤوس الاموال قد يخفف ذلك من حدة الالم والمعاناة على المدى القصير ولكن من المحتمل ان يكون الثمن معاناة اكثر حده واطول عمرا. انا لا اعارض جميع الاشكال التي تتخذها مراقبة الدولة او القيود التي تفرضها, ولكن لابد من التذكير بأن تلك الطريقة قد تعود بنا الى الظروف نفسها التي كانت سائدة ايام (دعه يعمل دعه يمر) والتاريخ كعادته لم يبخل علينا, وعلمنا ان فوضى (دعه يعمل دعه يمر) لا تؤدي الى الازدهار والطفرة الاقتصادية وحسب, ولكن الى حالة مفرطة من عدم المساواة, فالحل الافضل هو استبدال القيود والاجراءات الضارة وان تحل محلها سياسة السوق المفتوحة, التي تعتمد على المنافسة جنبا الى جنب مع الاجراءات الضرورية المفيدة, ان هذا يمثل احد اهم الدروس المستفادة من الانهيار المالي في شرقي آسيا. خدمة لوس انجلوس تايمز ــ خاص لـ (البيان)