بالطبع لا يوجد استثمار خال من الخطر اطلاقا. وحتى توظيف الأموال بشكل ودائع مصرفية ــ والذي يسميه الاخصائيون الاستثمار الخالي من الخطر أو ذو درجة الخطر صفر ــ مقابل فوائد مصرفية بالطبع هو استثمار به درجة من الخطر أيضا . ويسمى الخطر الذي تتعرض له الودائع المصرفية بالخطر العرضي أو العارض. وهو يحدث في حالة تعرض المصارف المعنية لأزمات مالية حادة أو تعرضها للافلاس والأدلة على ذلك من الواقع كثيرة. ولقد ظهرت في السنوات الأخيرة ظاهرة التأمين على الودائع المصرفية كما ظهرت مؤسسات متخصصة لهذا الغرض. أما تسميتها بالاستثمار الخالي من الخطر فيرجع إلى كونها الاستثمار الوحيد المضمون في الظروف الطبيعية للمصارف حيث ان افلاس المصارف الكبيرة والعريقة وذات السمعة الطيبة نادر الحدوث. إن مؤشر الخطر الرئيسي للتسهيلات الائتمانية والقروض التي تمنحها البنوك هو مقدار الديون المعدومة والديون المشكوك في تحصيلها. إن المتتبع لتاريخ العمل المصرفي في الدولة يرى ان حجم الديون المعدومة والديون المشكوك في تحصيلها يعتبر كبيرا نسبيا قياسا بمستوى حجم المصارف في مجتمعنا. وترجع الأسباب الرئيسية وراء تلك الديون من خضوع قرار منح الائتمان المصرفي والتسهيلات والقروض إلى الاعتبارات والترجيحات الشخصية غير المدروسة أكثر من الاعتبارات والمقاييس الموضوعية المدروسة. وبالتالي قرارات المصارف في منح الائتمان بدون دراسة كافية لحالة المتعامل المالية وتاريخه المالي وبدون التحري المصرفي الداخلي (بين البنوك) عن تاريخ المتعامل (طالب القرض) المالي والمصرفي. وفوق ذلك قد يمنح المتعامل القروض والتسهيلات الائتمانية والمصرفية بدون ضمانات كافية وتكون الضمانات الشخصية والسمعة الاجتماعية أو الوظيفية هي المعتبرة فوق كل اعتبار. وهذا يشكل في الحقيقة خطرا كبيرا على القطاع المصرفي فيما لو توسع العمل به ونما. كما وان تركيز المصارف على التعامل مع قطاعات وأنشطة اقتصادية معينة دون أخرى يشكل هو الآخر خطرا حقيقيا على تلك المصارف. من هذا المنطلق تبقى فكرة توزيع الخطر وتشتيته لينحدر بالتالي إلى أقل درجة ممكنة يصبح من الاستراتيجيات الهامة جدا للمصارف التجارية وقد نوجز ذلك التوزيع في عدة نقاط محددة كالآتي: 1 ــ التوزيع القطاعي للخطر. فلا بد وان يكون لدى المصرف استراتيجية مدروسة من أجل توزيع الخطر على مختلف القطاعات الاقتصادية, ونقصد بتلك القطاعات أولا: من حيث الجهة القطاع الحكومي وقطاع الأعمال والقطاع الأسري حيث ان القروض والتسهيلات الائتمانية والمصرفية لابد وأن تتوزع لكافة القطاعات التي ذكرناها. وثانيا: من حيث النشاط الاقتصادي ذاته فإن تلك التسهيلات المصرفية لابد وأن تشمل كافة الأنشطة الاقتصادية ونقصد بذلك النشاط الصناعي والتجاري والزراعي والصيد والتشييد والبناء والعقاري والخدمي والأسهم وغيرها من الأنشطة الاقتصادية. والائتمان المقصود هنا هو الائتمان قصير الأجل بالطبع حيث ان البنوك لا تستطيع التوسع في منح الائتمان طويل الأجل بحكم طبيعتها كبنوك تجارية. 2 ــ التوزيع الجغرافي للخطر. فلا بد من أن يكون لدى البنك استراتيجية مدروسة من أجل توزيع الخطر على مختلف أقاليم الدولة. حيث ان تركيز العمل كله في اقليم واحد أو أقاليم قليلة يزيد من درجة الخطر. أما توزيعه على عدة أقاليم فيعمل على تقليل حدة الخطر. وكذلك عملية توزيع الخطر جغرافيا خارج حدود الدولة الواحدة إذا أمكن ذلك. وهذا لا يتحقق بالطبع الا إذا كان مستوى البنك مقبولا عالميا من جميع الوجوه وتتوافر به المواصفات المصرفية المقبولة عالميا حيث يستطيع أن ينافس خارج حدود دولة المقر. 3 ــ استراتيجية التوزيع القطاعي والجغرافي للخطر لا تكون ثابتة بل متغيرة حسب الظروف والأحوال. 4 ــ يلزم البنك قاعدة بيانات موثقة عن المتعاملين وتحتوي على معلومات عن التوزيع القطاعي والجغرافي معا وذلك لكي يتمكن البنك من ادخال المرونة اللازمة على معلوماته قطاعيا وجغرافيا بصفة مستمرة. 5 ــ على المصرف المركزي التدخل المباشر في هذا المجال وذلك من أجل حماية البنوك التجارية وتوفير المعلومات اللازمة لها حيث ان لديه قاعدة بيانات تفوق ما لدى المصرف الواحد باعتباره بنك البنوك وبنك الدولة في ذات الوقت. وكذلك من أجل احكام الرقابة والاشراف على البنوك من أجل حمايتها وحماية المودعين. 6 ــ لابد وأن يكون لدى كل مصرف مستشار للقروض الشخصية ومستشار للقروض الاستثمارية من أجل تقديم النصح والمشورة للمتعاملين وتوعيتهم ببعض المعلومات والارشادات المصرفية قبل تقديم القروض والتسهيلات المصرفية إليهم وذلك حماية للمصرف والمتعامل معاً.