حتى عهد قريب كان مبدأ سيادة المستهلك من المبادئ الاساسية التي كانت تميز النظام الرأسمالي على غيره من الانظمة الاقتصادية, غير ان تلك الصفة التي كانت تميز النظام الرأسمالي تعرضت كغيرها من الصفات الى تغير كبير في السنوات الأخيرة وذلك نظرا للمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والاستراتيجية التي تسود العالم اليوم . ويقصد بسيادة المستهلك ان المستهلك هو سيد السوق (سوق السلع والخدمات ـ وسوق المواد الأولية وسوق النقود وسوق الاوراق المالية) فأي كان ذلك السوق يكون المستهلك هو المتحكم به فهو الذي يختار البضاعة وهو الذي يحددها من حيث نوعيتها واصنافها وجودتها وما الى ذلك, وبالتالي فالمستهلك هو الذي يحدد الطلب ثم بعد ذلك يستجيب المنتجون لذلك الطلب ويحددون العرض بناء عليه في ظل جو رأسمالي تسوده المنافسة الاحتكارية. غير ان ذلك الوضع قد تغير الآن مع الظروف التي يشهدها العالم اليوم. فالمستهلك بدلا من كونه سيدا في السوق اصبح مغلوبا على أمره. وذلك بسبب التوسع في الصناعات التحويلية وكثرتها على مستوى العالم, وبسبب انفتاح الاسواق وتعدد أنواع السلع والخدمات والمنافسة الاحتكارية الشديدة التي يشهدها عالم اليوم. فعندما يجلس المستهلك في ساعات الراحة والاسترخاء امام شاشات التلفزيون ليشاهد فيلما أو برنامجا تلفزيونيا يروح عنه من جهد النهار المضني. يشاهد سيلا من الدعايات والاعلانات شاء أم أبى ويشاهده مع كافة افراد الاسرة, حيث يلاحظ انواعا من السلع والاختراعات والتطويرات الجديدة التي أدخلت على السلع تجبره, على طلبها حتى وان كان لديه مقتنيات من تلك السلع. فكل أفراد الاسرة يضغطون عليه من اجل شراء تلك الانواع من السلع. فاذا كان العبد الفقير من محدودي الدخل ولا يستطيع الاستجابة الى طلبات افراد الاسرة ورغبتهم الجامحة بالاستهلاك الترفي والمظهري المتماشي مع متطلبات العصر, فيرى المسكين نفسه محاصرا بالضغوطات النفسية من كافة الجهات, فيضطر بعدها الى هجر الجلوس امام التلفزيون والخروج خارج المنزل, واذا بالدعايات والاعلانات تحاصره هي الاخرى من جميع الجهات (في الشوارع وفي الاسواق وفي المتنزهات وفي المنازل مباشرة وفي الهاتف وفي المذياع وفي الانترنت وفي مقر العمل وفي مدارس الاطفال وفي المعاهد والجامعات وحتى في بيوت الله المكرمة التي نهى الرسول صلى الله عليه وسلم من البيع والشراء فيها او حتى مجرد السؤال عن ضالة (أي شيئ ضائع) وفي كل مكان). بعد ذلك لا يجد المستهلك مفرا من الاستسلام لذلك الواقع الذي يعيشه الناس, غنيها وفقيرها القادر على الشراء والدفع وغير القادر على ذلك. وعندما يخرج المستهلك الى الاسواق لتلبية رغبات الاسرة العارمة في الشراء يصطدم بسيل كبير من انواع السلع التي يعجز حتى المتخصص عن اكتشاف الاصلي من المقلد. فلقد تفنن المنتجون في اتقان التقليد, الى درجة ان بعض انواع السلع تجد المقلد ينزل الى الاسواق قبل السلع الاصلية ذاتها صاحبة براءة الاختراع المسجلة في سجلات البراءات في بلد المنشأ الأصلي, وذلك نظرا لتسرب معلومات الاختراع بشتى السبل قبل ان توضع موضع التنفيذ, وهكذا يجد المستهلك نفسه مكبلا بقيود كثيرة فرضها عليه الواقع, فلم يعد المستهلك هو الذي يختار السلع ويطلبها, بل ان المنتج هو سيد الموقف وهو الذي يدرس مزاج المستهلك والبيئة الاستهلاكية, وبالتالي يقوم باختراعات جديدة كثير منها لم يكن قد خطر على بال المستهلك اصلا قبل ان يشاهدها كسلعة حقيقية امام عينيه. ثم تأتي الاتفاقيات الدولية والقوانين والقيود التي تفرضها الدول لتتحكم بالتجارة الخارجية ايضا, وبالتالي تحد كذلك من خيارات المستهلك وحريته وسيادته, من هنا يصبح مبدأ سيادة المستهلك الذي تميزت به الانظمة الرأسمالية بالفعل في مهب الريح, فهل تتمكن منظمة التجارة العالمية من استعادة ولو جزء من ذلك المبدأ الذي بدأ يتقهقر وينهزم الى الوراء؟ لنصبر حتى نرى النتائج.