لو عقدنا مقارنة بين بحوثنا العلمية او مقالاتنا الصحفية او تحليلاتنا وتعليقاتنا في المجال الاقتصادي والسياسي والاداري مقارنة بيننا وبين الدول المتقدمة صناعيا نجد فروقات شاسعة جدا في اسلوب وطريقة الطرح وفي ذات الفكر ايضا شكلا ومضمونا , ويرجع ذلك في الاساس الى درجة توفر المعلومات والارقام الصحيحة والدقيقة والمفصلة حول الموضوع المراد بحثه وتحليله ومدى سهولة الحصول على تلك المعلومات والارقام, فلو نظرنا الى بحوثنا ومقالاتنا وتحليلاتنا نحن في العالم العربي نجد انها تغلب عليها كلمات مثل (حوالي, وتقريبا, واقل من واكثر من, وفي الغالب, واغلب الظن, وفي اعتقادي, والاقلية, والاغلبية.. الخ) وهذه كلمات كلها تدل على عدم التأكد من معلومات هي اصلا متوفرة وقد تمت احداثها في الماضي غير انها ليست متوفرة للباحث او الكاتب لعدة اسباب هي: 1ــ قد لايوجد مراكز او وحدات احصائية تقوم بجمع تلك البيانات والمعلومات من مصادرها وتجهيزها بطريقة حديثة (اي في الحواسيب) لكي تكون جاهزة للباحثين والعلماء والكتاب والمحللين عند الطلب, وهذا يعكس عدم الوعي الكافي بأهمية مثل تلك المراكز والوحدات. 2ــ قد يوجد مراكز ووحدات احصائية ولكن يوجد معها تحفظات سياسية على تلك المعلومات والارقام والبيانات وهذه مصيبة قد تكون أدهى مما ذكر في النقطة الاولى. 3ــ قد يوجد مراكز ووحدات احصائية ولكنها غير مجهزة بالامكانيات البشرية والمادية (نقصد الالات والمعدات) والمالية (نقصد الميزانية) الكافية, وهنا يكون وجود الوحدة كعدمه جدير بالذكر ان المراكز والوحدات الاحصائية هي بنوك المعلومات التي تمد الباحثين والكتاب والمحللين والطلبة بالمعلومات والاحصائيات التي يريدونها وهي عصب البحوث العلمية والكتابة والتحليل وقلبها النابض فإذا شلت هذه الوحدات ولم تقم بدورها على اكمل وجه شل معها البحث العلمي والكتابة والتحليل, مثله في ذلك مثل الطبيب والمختبرات الطبية التي تزوده بالمعلومات الصحيحة والدقيقة عن المرض. من هذا المنطلق نرى ان الابحاث العلمية والتحليلات والكتابات في الدول الصناعية المتقدمة يغلب عليها طابع الدقة والاتقان ولو اخذنا نماذج من واقعنا نجد ان تشخيصنا للكثير من الاحداث والقضايا الاقتصادية والسياسية والادارية تنقصه الدقة والموضوعية ويغلب عليه الاسلوب العاطفي والانحياز الوجداني والانتمائي سواء قصد الكاتب ذلك ام لم يقصد. ولا يقتصر ذلك بالطبع على تحليل الواقع ولكن يتعداه كذلك الى استشراف المستقبل, ومن هذا المنطلق يبقى مستقبل امتنا مجهولا تماما سواء كنا نتحدث عن المستقبل المنظور (اي القريب) ام المستقبل البعيد. والامثلة على ذلك كثيرة جدا بحيث يصعب حصرها فمن الواقع المحلي نجد تحليلاتنا لما جرى في سوق الاسهم المحلية في اغسطس الماضي تخلو من الارقام والمعلومات الصحيحة والدقيقة وما يحدث في سوق النفط العالمية والعوامل المؤثرة عليها كذلك يخلو من الارقام الصحيحة والدقيقة وتحليلاتنا وكتاباتنا عن المستوى الاداري والتنظيمي في الدولة تقتصر كذلك الى المعلومات الصحيحة والدقيقة, اما على مستوى العالم العربي فيشمل التحليلات حول سوق النفط العالمية التي ذكرناها وكذلك قضية ازمة الخليج الثانية وما يرتبط بها وما ترتب عليها من احداث, وكذلك القضية العربية الفلسطينية وما يرتبط بها من احداث وما ترتب عليها من معاهدات السلام وما تبعها من اجراءات, ثم تأتي قضية البوسنة والهرسك وقضية كوسوفو واقليم البلقان وقضية الشيشان وقضية ليبيا مع مشكلة لوكيربي وقضية جنوب السودان وغيرها من القضايا السياسية ذات الابعاد الاقتصادية والادارية, حيث ان هذه الحقول الثلاثة تشكل مثلثا مترابطا ومتصلا يستحيل فصله والحقيقة اننا حتى لانشطط كثيرا في الحديث ولا نسهب في التفاصيل نقول ان الارقام والمعلوماتية اصبحت عصب الابحاث العلمية والكتابة والتحليلات فلابد لنا من اعطائها اهمية اكبر, فالرقم هو اساس العلوم الهندسية والعلوم الهندسية هي اساس العلوم التكنولوجية, والتكنولوجيا هي محور التنمية الاقتصادية, وبالادارة والتنظيم السليم يتم اتخاذ القرار السياسي السليم الذي يرسم الاهداف السياسية العامة للتنمية الاقتصادية, حيث تبقى التنمية الاقتصادية موجهة في اطار السياسة العامة التي رسمت لها ومن ثم يأتي الدور التنفيذي والذي تلعب كل من الادارة والاقتصاد دورا بارزا في اتقانه ودقته, وكل ذلك لايتم الا بتوفر المعلومات الصحيحة والدقيقة والرقم الصحيح والدقيق, فهيا بنا نصحو الى اهمية ذلك ثم نعمل من اجل نموه وتطوره.